محمد عابد الجابري الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/محمد-عابد-الجابري/ منبر الأمة الإسلامية Thu, 26 Aug 2021 10:07:31 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.2 https://www.al-ommah.com/wp-content/uploads/2021/02/منبر-الأمة-الإسلامية.svg محمد عابد الجابري الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/محمد-عابد-الجابري/ 32 32 171170647 أين النقص في دراسة محمد عابد الجابري عن النظم المعرفية الثقافية؟ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a9/#respond Tue, 24 Apr 2018 11:01:10 +0000 https://al-ommah.com/?p=1058 اعتبر محمد عابد الجابري في دراسته عن النظم المعرفية في كتابيه عن العقل العربي وهما: “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي”، أن هناك ثلاثة نظم هي: “البيان، والعرفان، والبرهان” في الثقافة العربية. وبين أن هذه النظم المعرفية كانت تصطرع فيما بينها، واعتبر أن “البيان” هو الممثل للحضارة الإسلامية، والذي أبرزته […]

ظهرت المقالة أين النقص في دراسة محمد عابد الجابري عن النظم المعرفية الثقافية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
اعتبر محمد عابد الجابري في دراسته عن النظم المعرفية في كتابيه عن العقل العربي وهما: “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي”، أن هناك ثلاثة نظم هي: “البيان، والعرفان، والبرهان” في الثقافة العربية.

وبين أن هذه النظم المعرفية كانت تصطرع فيما بينها، واعتبر أن “البيان” هو الممثل للحضارة الإسلامية، والذي أبرزته البيئة العربية الإسلامية، وقد كانت مرجعيته “اللغة العربية”، أما العرفان فقد كانت مرجعيته “العرفان الهرمسي”، وأما البرهان فمرجعيته “فلسفة أرسطو ومنطقه”.

ونحن حتى نستطيع أن نجد بعض مواطن الخطأ في حديث الجابري عن النظم الثقافية العربية، سنستعرض ما نقله الجابري عن لالاند فيما يتعلق “بالعقل المكوِّن والعقل والمكوَّن”.

فقد اعتبر لالاند أن “العقل المكوِّن” أو الفاعل هو “النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة ليصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ”، وبعبارة أخرى إنه “الملكة التي يستطيع بها أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الاشياء مبادئ كلية ضرورية، وهي واحدة عند جميع الناس”.

كما اعتبر لالاند أن العقل المكوَّن هو: “مجموع المبادئ والقواعد التي نستخدمها في استدلالاتنا”. ويقول لالاند أيضا: “إن العقل المكوَّن والمتغير ولو في حدود، هو العقل كما يوجد في حقبة زمنية معينة. فإذا تحدثنا عنه بالمفرد، فإنه يجب أن نفهم منه العقل كما هو في حضارتنا وزمننا” وبعبارة أخرى: “هو منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما، والتي تعطى لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة”.

وعندما طبّق الجابري كلام لالاند على الوضعية العربية، اعتبر أن “اللغة العربية” هي “المكوَّن العقلي”، بل جعلها “المكوّن الأهم” في مفردات العقل العربي، ليس هذا فحسب بل جعلها “السلطة المرجعية الأولى” والأساسية التي تحكم التفكير البياني العربي، وأضاف” نحن عندما نقول اللغة لا نقصد اللغة كمجرد أداة للتواصل بل اللغة العربية كحامل للثقافة، واللغة العربية بهذا المعنى هي التي جعلت من الأعرابي صانع العالم العربي”.

لقد أخطأ الجابري في ذلك، فليست “اللغة العربية” هي “السلطة المرجعية” للعقل العربي، بل “القرآن الكريم” هو السلطة المرجعية للعقل العربي، وهو “العقل المكوَّن” حسب تعبير لالاند.

فهو قد أعطى العرب المعاصرين له نظرة جديدة إلى كل شيء، فقد أعطاهم نظرة جديدة إلى نشأة الكون والحياة والإنسان، كما أعطى الوجود الإنساني هدفا محددا وهو العبودية لله، كما بنى عقل المسلم بناء خاصا يقوم على معرفة ربه، وأن هذا الرب مباين للكون، منفصل عنه، لا يشابه أحدا من مخلوقاته، يمكن أن تدعوه فيسمعك، وهو يراك ويعلم بحالك ويستجيب دعاءك.

كما بين القرآن الكريم خطأ كثير من العقائد الجاهلية مثل عبادتهم الأصنام، وتسمية الملائكة بنات الله، وأخذ عليهم اتباع الظن والأهواء في كل ما يبنون عليه عقائدهم.

كما دعاهم القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر والتأمل في آيات الكون المحيطة بهم من ليل ونهار وشمس وقمر ونهر وبحر، وكيف أنها مسخرة لهم، وهي من نعم الله عليهم، ونعم الله لا يحصيها عد.

كما رافقهم القرآن الكريم في كل أعمالهم من هجرة، وغزوات من بدر إلى أحد والأحزاب والعسرة والفتح إلخ…..، وبيّن أخطاءهم وقصورهم وعجزهم أحياناً، وأشار إلى إحسانهم أحياناً أخرى.

أعتقد أن هذه الحقائق التي طرحها القرآن الكريم، والتي وعاها المسلمون هي التي ملأت عقولهم وقلوبهم، جاءت في مقام ” العقل المكوَّن”، وتجعلنا نقول إنها مثلت نظاما معرفيا جديدا يمكن أن نسميه” نظام القرآن المعرفي” وهو يختلف عن ” نظام البيان المعرفي”.

وقد اعتبر الجابري أن أبرز مبدأين اتصف بهما العقل البياني هما: “مبدأ الإنفصال، ومبدأ التجويز”، وجاءا نتيجة اعتبار اللغة العربية هي “المرجعية الأولى”، والتي عكست بيئة العرب الجغرافية والاجتماعية والفكرية، وإذا دقّقنا في هذه البيئة وجدنا الانفصال يحكم جميع معطياتها: فالطبيعة رملية، وكل الأجسام في الصحراء وحدات مستقلة، والعلاقات التي تربطها هي المجاورة لا التداخل.

وقد أفرز “نظام القرآن المعرفي” عقلاً جديداً مخالفاً لما جاء به “العقل البياني” يقوم على مبدأ “السببية” ومبدأ “الاتصال”، وهما نقيض النظام البياني الذي يقوم كما ذكرنا على مبدأي: “التجويز” و”الانفصال”، ويمكن أن ندلل على ذلك بالوقائع التالية على سبيل المثال لا الحصر:

  • نقلت الرواية أن عمر بن الخطاب عندما زار بيت المقدس، أراد أن يذهب إلى عمواس، فقيل له إن فيها طاعوناً، فعدل عن السفر، فقال له أصحابه: أتفر من قدر الله؟ فقال: “بل نفر من قدر الله إلى قدر الله”، وهذا يدل على إيمانه بالسببية، فهو عندما احتج عليه بعض الصحابة بتهربه من قدر الله، بيّن لهم أنه أخذ بالأسباب لأن ذلك من قدر الله، وهذا الإيمان بالسببية نتيجة من نتائج “نظام القرآن المعرفي”، وهو مختلف عن “العقل البياني” المستند إلى “التجويز” في العلاقات بين السبب والنتيجة.
  • أما ما يتعلق بالمفاصلة فإن العلاقة في “المجتمع الجاهلي” كانت علاقة “مجاورة” لأن القبيلة كانت هي الأصل، أما في المجتمع الإسلامي فقد أصبحت العلاقة بين أفراد المجتمع الإسلامي هي علاقة “أخوة”، وتولدت “أمة” بين مختلف الأعراق والأجناس من ترك وعرب وفرس وهنود وشركس إلخ…، وكانت العلاقات بين هذه الأجناس علاقات التحام وامتزاج كل هذه الأعراق والأجناس والقبائل في الأمة الواحدة، وساهمت في بناء الحضارة الإسلامية في كل جوانبها العلمية والعسكرية والثقافية والفنية والتربوية إلخ…
  • لقد قام الصحابة ومن بعدهم التابعون بجهود علمية جبارة للمحافظة على القرآن والسنة من جهة، وبناء الدولة والحضارة من جهة ثانية، بدءا من جمع القرآن وتشكيله وتنقيطه، والمحافظة على السنة، وابتكار علوم الجرح والتعديل والرواية والدراية، وتصنيف الأحاديث من صحيح وضعيف وحسن، وجمع الحديث في مصنفات، وجمع اللغة في معاجم، وابتكار علوم النحو والصرف والبلاغة والبديع والبيان، ثم ابتكار العلوم الدنيوية من جبر وفلك ورياضيات من أجل تحديد المواريث، وتقسيم الخراج في أرض سواد العراق، وتحديد القبلة إلخ…

إن هذه الابتكارات العلمية في مختلف المجالات تدل على أن عقلاً علمياً جديداً مؤمناً “بالسببية” ومؤمناً بارتباط “الأسباب” ب”النتائج”، وليس “بالتجويز” كان وراء كل هذه الابتكارات.

والسؤال الآن أين النقص والقصور فيما كتب الجابري عن نظم المعرفة الثقافية؟

لقد جاء النقص عند الجابري من أنه لم يعتبر أن القرآن الكريم قام بإنشاء نظام معرفي جديد في النظام الثقافي، ويمكن اعتبار أن “النظام البياني” الذي تحدث عنه الجابري يمثّل المعتزلة، لأن المعتزلة اعتبروا أن “اللغة العربية” هي مرجعيتهم العليا في فهم القرآن الكريم، واعتبروا أن “الدلالة اللغوية” هي بالضبط “الدلالة الشرعية” التي يريدها الدين، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء”(سورة إبراهيم، 4).

وفي هذا خالفهم أهل السنة والجماعة، واعتبروا أن هناك لكل لفظ ثلاث دلالات: دلالة لغوية، وأخرى شرعية، وثالثة عرفية. لذلك اختلفوا في مفهوم الإيمان. فاعتبر المعتزلة أن الإيمان “يعني التصديق” لأن الله تعالى قال: “وما أنت بمؤمن لنا”(سورة يوسف،17)، فالإيمان هو التصديق عند المعتزلة ويجب أن يتطابق “المعنى اللغوي” مع “المعنى الشرعي”، في حين أن أهل السنة والجماعة اعتبروا أن الدلالة الشرعية للإيمان لا تتحدد بالمعنى اللغوي فقط، لذلك أدخلوا العمل في مسمى الإيمان، في حين أن المعتزلة لم يدخلوه، وقوفاً عند الدلالة اللغوية فقط.

الخلاصة: لقد أشار الجابري في كتابيه عن العقل العربي أن هناك ثلاثة نظم معرفية في الثقافة العربية هي: “البيان، العرفان، البرهان”، والحقيقة أنه كان يجب أن يقول إن هناك أربعة نظم معرفية في الثقافة العربية هي: “البيان، العرفان، البرهان، القرآن”، وأن “نظام القرآن” المعرفي كان يملك أكبر جمهور في الأمة الإسلامية، وله أكبر الأثر في بناء الحضارة الإسلامية.

المقال من الجزيرة أين النقص في دراسة محمد عابد الجابري عن النظم المعرفية الثقافية؟

ظهرت المقالة أين النقص في دراسة محمد عابد الجابري عن النظم المعرفية الثقافية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 1058
موقف محمد عابد الجابري من المعجزات والغيوب في الإسلام…عرض ونقد https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%88%d8%a8/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%88%d8%a8/#respond Sat, 22 Oct 2011 23:05:48 +0000 https://al-ommah.com/?p=884 ألَّف الدكتور محمد عابد الجابري أربعة كتب عن الإسلام في نهاية حياته. ومما جعلني أكتب عنها بعض الدراسات: أنها لقيت رواجاً عند قِطاع كبير من المثقفين من جهة. وأنها تتضمن محاولة للتقريب بين الإسلام والحضارة الغربية من جهة أخرى. ومن المفيد أن نذكر أن محاولة التقريب بين الإسلام والحضارة الغربية […]

ظهرت المقالة موقف محمد عابد الجابري من المعجزات والغيوب في الإسلام…عرض ونقد أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ألَّف الدكتور محمد عابد الجابري أربعة كتب عن الإسلام في نهاية حياته. ومما جعلني أكتب عنها بعض الدراسات:

  • أنها لقيت رواجاً عند قِطاع كبير من المثقفين من جهة.
  • وأنها تتضمن محاولة للتقريب بين الإسلام والحضارة الغربية من جهة أخرى.

ومن المفيد أن نذكر أن محاولة التقريب بين الإسلام والحضارة الغربية (أو قل بصورة أدق: محاولة تطويع الإسلام لمفاهيم الحضارة الغربية) قد احتوت عدداً كبيراً من الكتاب والباحثين منذ القرن التاسع عشر بدأت برفاعة رافع الطهطاوي، ثم ثنَّت بمحمد عبده وقاسم أمين، ثم انتظمت عدداً كبيراً في القرن العشرين، منهم: عباس محمود العقاد، وطه حسين، وحسين أحمد أمين، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، ومحمد شحرور… إلخ. وها هي تنتظم الجابري، وهو – لا شك – لن يكون آخرهم.

خصص الجابري كتاباً كاملاً للتعريف بالقرآن الكريم، واعتبر معجزة القرآن الكريم معجزة عقلية. وهو – لا شك – معجزة عقلية في أحد جوانبها؛ بمعنى أنها قدمت شريعة صالحة للبشرية، وأنها أقامت دعوتها إلى حقائق الإسلام: من توحيد وشرائع وأحكام ومعادٍ على دلائل من الكون والحياة والتاريخ… إلخ. وأنها كانت بيانية من جهة أخرى؛ بمعنى أن القرآن معجز في بيانه وفواصله وصوره ونظمه… إلخ.

وقد خالفت معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى (القرآن الكريم) معجزات الأنبياء السابقين الذين قامت معجزاتهم على خوارق العادات؛ فقد تحولت العصـا إلى حية عند موسى – عليه الصلاة والسلام – وتحولت الصخرة إلى ناقة عند صالح عليه السلام… إلخ. إن هذا كلام صحيح؛ لكنَّ الجابري أخطأ عندما نفى المعجزات الحسية عن رسالة الإسلام؛ فقد اشتملت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم على كثير من الآيات والمعجزات الحسية، من مثل: نبع الماء بين يديه، وإطعام جيش بطعام شخص واحد، وحنين الجذع إليه، وسلام الحجر عليه، وشفائه لبعض الصحابة من بعض الأمراض… إلخ، وها نحن ننقل بعض الأحاديث التي تؤكد الآيات التي أشرنا إليها؛ ففي مجال حنين جذع شجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نقل البيهقي فقال: (كان يخطب رسول الله إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحوَّل إليه فحن الجذع، فأتاه النبي فمسحه. وفي رواية أخرى: (فلما وضع المنبر حن الجذع إليه فأتاه النبي فمسحه فسكن)[1].

وفي مجال نبع الماء بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، شهد جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – ما حدث يوم الحديبية فقال: (عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة (إناء من جلد)، فتوضأ، فجهش (يعني: أسرع) الناس نحوه، فقال: «ما لكم؟» قالو: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه أمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، (ولما سئل جابر – رضي الله عنه – عن عددهم في ذلك اليوم قال: لو كنَّا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة)[2].

وفي مجال شفاء الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة فقد حدَّث يزيد بن أبي عبيد قال: (رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة)[3].

وعن إشفاء الرسول صلى الله عليه وسلم لعيني علي بن أبي – طالب رضي الله عنه – ذكر سهل بن سعد – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: هو – يا رسول الله – يشتكي عينيه. قال: «فأرسلوا إليه». فأُتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية[4].

وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض المعجزات الحسية التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم من مثل انشقاق القمر؛ فقد قال الله – تعالى -:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر: ١).

وقد أورد البخاري ومسلم والترمذي أحاديث صحيحة تحدثت عن هذا الانشقاق، فذكر البخاري عن ابن مسعود فقال: “انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا»”[5].

ومن المعجزات الحسية الأخرى التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم: الإسراء والمعراج وشق الصدر؛ فقد ذكر القرآن الكريم واقعة الإسراء فقال -تعالى-:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ إلَى الْـمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: ١).

كما تحدث القرآن عن المعراج في سورة النجم، فذكر أنه رأى جبريل – عليه السلام – على صورته الملائكية، فقال – تعالى -: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ(18) (النجم: 5 – 18).

وقد تحدثت كتب الحديث والسيرة عن الإسراء والمعراج وشقِّ الصدر، فقال البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، عن أنس بن صعصعة -رضي الله عنهما-: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به: «بينما أنا في الحطيم – وربما قال في الحجر – مضطجعاً إذ أتاني آتٍ فقد» قال: وسمعه يقول: «فشق ما بين هذه إلى هذه» فقلت للجارود – وهو إلى جنبي -: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته، «فاستخرج قلبي ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي، أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار الأبيض»، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه، «فحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل…»[6]، ثم ذكر الحديث صعودَ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية والثالثة حتى السماء السابعة، ثم رؤيتَه سدرة المنتهى ثم رجوعَه بأداء الصلوات الخمس.

ماذا كان موقف الجابري إزاء المعجزات الحسية التي وقعت مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي جاءت فيها أحاديث صحيحة، من مثل: حنين الجذع إليه، ونبع الماء بين أصابعه، وشفائه لبعض الصحابة… إلخ؟

لقد رفضها الجابري؛ لأنه لا يأخذ بالأحاديث النبوية الشريفة، ولأنه لا يعتبر أن هناك سنة صحيحة ويعتبر أن الأحاديث المدونة وُضعَت من قِبَل الفرق السياسية والمذهبيه والكلامية والدينية المتصارعة، التي تكونت في بدايات التاريخ الإسلامي، ولم يعتمدها في جميع دراساته، واعتمد على القرآن الكريم وحده.

هذا بالنسبة للأحاديث النبوية؛ فماذا كان موفقه من المعجزات الحسية التي تحدث عنها القرآن الكريم من مثل انشقاق القمر والإسراء والمعراج وشق الصدر؟

كان موقفه الرفض لها؛ فهو اعتبر أن القمر لم ينشق على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفسر الآية بأنها تعني أن القمر سينشق في المستقبل، أما بالنسبة لواقعة الإسراء والمعراج فهو اعتبرها رؤيا منامية ولم تحدث بالجسد، ولم يتعرض إلى شق الصدر في سورة الشرح لأن الواقعة ذكرتها الأحاديث، وهو لا يعول على الأحاديث في أحكامه وآرائه كما ذكرنا سابقاً.

والآن ما موقف الجابري من عالم الغيب في الدين الإسلامي: كالجنة، والنار، والسحر، والجن، والشياطين، ورؤية الله يوم القيامة، وتكليم الله موسى عليه السلام؟

لقد كان موقفه منها رفض حقيقتها حيناً، واختيار الرأي الذي يضفي عليها المعقولية حيناً أخرى؛ فقد اعتبر أن كلام القرآن الكريم عن الجنة والنار إنما هو تخييل وذكرى، وأن السحر لا حقيقة له، واعتبر أن الصوت الذي كلم الله به موسى – عليه السلام – خرج من الشجرة، وأنكر رؤية الله يوم القيامة ومال إلى تفسير المعتزلة بأن الرؤية لا تعني الرؤية البصرية بل انتظار ثواب الله.

فما الذي قصده الجابري من اعتبار القرآن معجزة عقلية وأنها المعجزة الوحيدة التي جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما الذي قصده من إنكار المعجزات الحسية الأخرى التي أشار إليها القرآن الكريم والأحاديث النبوية؟ وما الذي قصده من إنكار حقيقة كثير من الغيوب التي قررها الإسلام؟

قصد أن يضخم من دور العقل على حساب النقل من أجل تطويع الدين الإسلامي لصالح الحضارة الغربية؛ فكأنما يريد أن يقول: إن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم يختلف عن الأنبياء السابقين، في أن معجزته صلى الله عليه وسلم لم تقم على خوارق العادات، وأن القرآن الكريم معجزة عقلية فقط، وفي هذا يلتقي الإسلام تمام الالتقاء مع الحضارة الغربية التي هي مبنية على العقل وحده، ولا مكان للغيوب فيها؛ لذلك فإنه علينا الأخذ بالحضارة الغربية لأنها تتفق مع أهم أصل يقوم عليه ديننا وقرآننا.

إن أكبر وأخطر محاولتين قامتا لتطويع الإسلام لصالح الحضارة الغربية، هما:

  • الأولى: محاولة محمد عبده (ت 1905م) في مطلع القرن العشرين؛ وذلك بتضييق مساحة عالم الغيب في الإسلام لصالح مادية الغرب.
  • والثانية: محاولة الجابري (ت 2010م) في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي؛ وذلك بتضييق مساحة النقل لصالح العقل.

وكما لم تحقق الأُولَى أهدافها، فقد أخذ كلٌّ من عالَم الغيب وعالَم الشهادة حقهما في فهم الإسلام وفي الدعوة إليه عند العلماء التالين لمحمد عبده، وكذلك ستفشل محاولة الجابري في تضخيم دور العقل على حساب النقل، وسيأخذ كلٌّ من العقل والنقل دورَه في التعامل مع كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل هذا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

 الهوامش:

[1] دلائل النبوة: 2/556.

 [2] متفق عليه واللفظ للبخاري.

 [3] صحيح البخاري، رقم (4206).

 [4] صحيح البخاري، رقم (4210).

 [5] صحيح البخاري، رقم (4864).

 [6] صحيح البخاري، رقم (3887).

 

ظهرت المقالة موقف محمد عابد الجابري من المعجزات والغيوب في الإسلام…عرض ونقد أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ba%d9%8a%d9%88%d8%a8/feed/ 0 884
مع كتاب آخر للدكتور محمد عابد الجابري https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a/#respond Thu, 09 Dec 2010 01:39:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=1962 ألف الدكتور محمد عابد الجابري أربع كتب عن القرآن الكريم قبل وفاته، واحد سماه: (مدخل الى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن)، وثلاثة أخرى في تفسير القرآن الكريم حسب نزول الآيات والسور. وقد طرح الجابري أفكارا في منتهى الخطورة في كل ما كتبه عن الدين الاسلامي. وقد كتبت مقالا […]

ظهرت المقالة مع كتاب آخر للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ألف الدكتور محمد عابد الجابري أربع كتب عن القرآن الكريم قبل وفاته، واحد سماه: (مدخل الى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن)، وثلاثة أخرى في تفسير القرآن الكريم حسب نزول الآيات والسور.

وقد طرح الجابري أفكارا في منتهى الخطورة في كل ما كتبه عن الدين الاسلامي.

وقد كتبت مقالا تناولت فيه الفصلين الأوليين من كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم)، ونشرته في مجلة (البيان) التي تصدر في لندن تحت عنوان: ( قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم ” للدكتور الجابري) في عدد ذي الحجة لعام 1431 وها أنذا أعيد نشره في كلمة المشرف، وفي زاوية (نقد كتب فكرية) من هذا الموقع.

وأحب أن أنبه القارئ الكريم إلى أن الجابري طرق فكرة قديمة، سبقه إليها طه حسين وهي أن القرآن انعكاس للبيئة والمجتمع الذي انبثق عنه، ولكن الجابري طرح قضية واحدة عن محمد صلى الله عليه وسلم وهي (قضية التوحيد) واعتبرها انعكاسا لواقع يعج بالتوحيد، وهو في هذا مخطئ، وقد دللت على خطئه من عدة أوجه.

أسأل الله – في الختام- أن يبصرنا بالحق، ويبعدنا عن الباطل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخميس في 3 من محرم 1432 / 9 من كانون الأول (ديسمبر) 2010

المشرف: الشيخ الدكتور غازي التوبة

من موقع منبر الأمة قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم ” للدكتور الجابري 

من موقع البيان قراءة في كتاب ( مدخل الى القران الكريم) للدكتور الجابري

ظهرت المقالة مع كتاب آخر للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a2%d8%ae%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1%d9%8a/feed/ 0 1962
قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” للدكتور الجابري https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/#respond Sun, 12 Sep 2010 11:34:18 +0000 https://al-ommah.com/?p=869 دراسة وتقويم للفصلين الأوليين طرح الدكتور محمد عابد الجابري عدداً من الآراء فيما يتعلق بالتراث، فكتب عدداً من الكتب عن العقل العربي، وعن مقدمة ابن خلدون، وحقق جميع كتب ابن رشد وكتب عنها  دراسات، وآخر شيء ألفه كان عن القرآن الكريم، واشتمل أربعة كتب، الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء […]

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” للدكتور الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
دراسة وتقويم للفصلين الأوليين

طرح الدكتور محمد عابد الجابري عدداً من الآراء فيما يتعلق بالتراث، فكتب عدداً من الكتب عن العقل العربي، وعن مقدمة ابن خلدون، وحقق جميع كتب ابن رشد وكتب عنها  دراسات، وآخر شيء ألفه كان عن القرآن الكريم، واشتمل أربعة كتب،

  • الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن).
  • والثلاثة الأخرى سماها (فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول).

وقد طرح أشياء متعددة في هذه الكتب الأربعة حول أمور متعددة في العقيدة والتشريع والسيرة والسياسة إلخ..

وقد جاء كثير منها في منتهى الخطورة، وتكونت خطورتها من أن صاحبها مطلع على التراث بشكل واسع من جهة، ومطلع كذلك على علوم الحضارة الغربية وفلسفتها بشكل تفصيلي من جهة ثانية، ومستهدف لتغيير أوضاع الأمة باتجاه النموذج الغربي من جهة ثالثة.

          وللحق فإن استعراض الأفكار الخاطئة التي طرحها “الجابري” والرد عليها يقتضي عدة مقالات، وسأجتهد أن أرد على بعضها في هذا المقال، وهي الأفكار الأولى التي أوردها الجابري في الفصلين الأوليين من الكتاب الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء في التعريف بالقرآن الكريم).

تحدث الجابري في ذانك الفصلين عن الأوضاع التي كانت موجودة لحظة نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأشار الجابري إلى انتشار التوحيد في مختلف المناطق المحيطة بالجزيرة العربية: مصر، بلاد الشام، العراق، إلخ..،

وأشار إلى عدة فرق انشقت عن المسيحية واعتبرت المسيح عليه السلام إنساناً وليس إلهاً كما ادعت المسيحية الرسمية، ومن هذه الفرق فرقة “الأبيونية”، ونقل الجابري:

“إنهم كانوا يحفظون السبت اليهودي، والناموس الموسوي حفظاً وفياً، وينادون بأن الختان ضروري للخلاص، وأن الناموس القديم فرض على جميع المسيحيين”.

ونقل الجابري من مصادر في موسوعة تاريخ أقباط مصر، فقال:

“أصبح الأبيونيون جماعة كبيرة العدد انتشروا أصلاً في منطقة بابل وفي فلسطين والأقطار المجاورة وامتدوا أيضاً إلى روما وإلى جميع مراكز الشتات اليهودي”

ونقل عنهم أيضاً:

“إنهم –أي الأبيونيون- اتهموا بولس الرسول –صاحب نظرية التثليث- باتهامات مرة وقاسية، ووصفوه بأنه متمرد ومارق عن الناموس، وأنكروا سلطانه ورفضوا رسائله، واكتفوا باستعمال النص العبراني لإنجيل متّى ولا يعيرون الأناجيل الأخرى أهمية تذكر”. (ص43، مدخل إلى القرآن الكريم)

ورجّح الجابري أن تكون فرقة (الأبيونيين) هذه هي الفرقة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى:

(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا الذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) (المائدة، 583).

وهي الفرقة التي أشار القرآن الكريم إليها في سورة الصف حيث قال تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة…) (الصف، 14).

          وقد أشار الجابري إلى فرقة أخرى ثارت على التثليث هي (الآريوسية) نسبة إلى آريوس المولود 270م، وأعلن ثورته على القول بألوهية المسيح عام 1323م، مؤكداً بشريته، مقرراً أن الآب وحده هو الإله، ومن هنا وصف أتباعه “الموحدين”.

وقد أحدثت آراء آريوس الجريئة أزمة خطيرة على الصعيدين الديني والسياسي في العالم المسيحي، وقد انقسم الناس بين مؤيدين ومعارضين، فتولدت عن ذلك أزمة استمرت أكثر من سنتين (318-320) تعرض خلالها كيان الامبراطورية الرومانية لخطر الانهيار المحقق.

ومن أجل وضع حد لهذه الأزمة تدخل الامبراطور “قسطنطين العظيم” إلى جانب آريوس أولا، ثم ما لبث أن عاد فوقف إلى جانب الكنيسة ورجالها، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني في نيقية (عام325م) لإيجاد حل لهذه المسألة.

وقد قرر هذا المجمع طرد آريوس وأصحابه على أساس أنهم فرقة ضالة مبتدعة، كما وضع ذلك المجمع “قانون الإيمان” الذي كرس عقيدة التثليث. لكن أتباع آريوس استمروا في نشر مذهبهم التوحيدي في أنحاء كثيرة من الامبراطورية البيزنطية: في سورية وفلسطين، والأردن والعراق، واليمن، وفي جهات مختلفة من حوض البحر الأبيض المتوسط وبالخصوص شمال أفريقية وأسبانيا.

ثم عرض جانباً آخر من الوضع في الجزيرة العربية، وتحدث عن ظاهرتين:

الأولى: تبشير بعض الرهبان من اليهود والنصارى بقرب ظهور نبي جديد، ومن الأمثلة على ذلك الراهب بحيرى في بصرى الذي وردت قصته في سيرة ابن إسحاق، وحديث أحبار اليهود عن ظهور نبي جديد في المدينة، وتعاليهم على القبائل العربية، وتفاخرهم بأنه سيكون من بني إسرائيل.

الثانية: الرحلة والسياحة للبحث عن الدين الحق، ومن المثال على ذلك: قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، ومنهم أيضاً أربعة من أهل قريش نبذوا عبادة الأصنام وطلبوا دين جدهم إبراهيم عليه السلام، وتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، وهم: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث.

وتحدث الجابري عن جانب آخر من الوضع في الجزيرة وهي ظاهرة الحنفاء ومنهم: أمية بن أبي الصلت الثقفي من الطائف، وخالد بن سنان العبسي.

ثم تحدث عن شرقي الجزيرة العربية، فذكر أن هناك رهباناً ظهروا من أمثال رئاب بن البراء الشتي، وريان بن زيد بن عمرو، وقس بن ساعدة الإيادي.

          ثم استشف الجابري من رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لهرقل امبراطور الدولة الرومانية، وللمقوقس حاكم مصر، أن هناك طائفة موحدة في مملكتيهما بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار في رسالته إلى هرقل بأن عليه إثم “الأريسيين“، وقد اعتبر الجابري أن هذه العبارة الغامضة تعني أن هناك طائفة من الموحدين أتباع “آريوس” الذي دعا إلى التوحيد ورفض التثليث الذي أقره مجمع نيقية، مع أن معظم المفسرين الذين فسروا هذه العبارة مالوا إلى تفسيرها بكلمة “الفلاحين” أو “الأكارين”.

ما الذي نستفيده من عرض الجابري الطويل عن “الموحدين” في الجزيرة العربية وخارجها؟ وما المسكوت عنه في حديثه الطويل ذلك؟ أبرز ما يمكن أن يقال عن هذا العرض الطويل إن التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو انعكاس ومرآة للتوحيد الذي كانت تعج به الجزيرة العربية وما حولها، وهو ليس جديداً كما يتوهم الدارسون، وقد انضمت كل هذه الفئات والطوائف إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما دعا إلى التوحيد لأنها وجدت عنده ما كانت متمسكة به، وما كان وجودها قائماً عليه، وما كانت حياتها مرتبطة به.

وهذا الكلام قريب من كلام طه حسين في مطلع القرن العشرين “في الشعر الجاهلي” عن أن القرآن الكريم أصدق تصويراً لواقع الجزيرة العربية من الشعر الجاهلي، وقريب من قول المستشرق جب في كتاب “المذهب المحمدي” بأن القرآن الكريم هو انعكاس لبيئة الجزيرة العربية في عقل محمد صلى الله عليه وسلم.

والفرق بين كلام الجابري وبين كلام طه حسين والمستشرق جب في الكم، فقد تحدث الجابري عن قضية واحدة هي قضية “التوحيد” في القرآن الكريم، لكن طه حسين وجب تحدثا عن القرآن الكريم كله.

          وهذا التصوير الذي اجتهد الجابري في بلورته عن المنطقة، وتعسف من أجله في تفسير بعض آيات القرآن الكريم ليس صحيحاً ولا سليماً، واستند فيه على أحداث فردية، وسنذكر خمسة أدلة على خطئه في هذا التصوير:

الدليل الأول

يناقض تصوير الجابري لوضع البشرية غداة بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم  تصوير الرسول لهذا الوضع، حيث ورد في عدة أحاديث منها ما حدثنا به عياض بن حمار المجاشعي  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته:

“ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء. تقرؤه نائماً ويقظان، إلخ..” (صحيح مسلم).

وهذا الحديث يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حال البشرية غداة بعثته، ويبين فيه أن الله نظر إلى أهل الأرض غداة بعثته فمقتهم، والمقت أشد الغضب، وجاء مقت الله لأهل الأرض لأنهم انحرفوا عن جادة الصواب في معرفته وعبادته سبحانه وتعالى، ولا شك أن تصوير الرسول الذي لا ينطق عن الهوى أشد دقة من كلام الجابري وغيره في تصوير حال أهل الأرض غداة بعثته عليه الصلاة والسلام.

الدليل الثاني

يناقض تصوير الجابري وضع البشرية غداة بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم تصوير علماء الأمة على مدار  التاريخ، وسنأخذ مثالاً واحداً على ذلك هو ابن القيم الجوزية.

فقد وضح ابن القيم في كتاب (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى) في وضع البشرية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:

“ولما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كان أهل الأرض صنفين: أهل الكتاب، وزنادقة لا كتاب لهم. وكان أهل الكتاب أفضل الصنفين، وهم نوعان: مغضوب عليهم، وضالون.

فالأمة الغضبية هم “اليهود”، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت والربا والزنا، أخبث الناس طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، إلخ..

والصنف الثاني: “المثلثة”، أمة الضلال، وعبّاد الصليب الذين سبوا الله الخالق مسبّة ما سبّه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي (لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) إلخ..

          فهذا حال من له كتاب، وأما من لا كتاب له، فهو بين عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئ حيران، يجمعهم الشرك، وتكذيب الرسل، وتعطيل الشرائع، وإنكار المعاد إلخ.. وأمة المجوس منهم، تستفرش الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات إلخ..

          وأما زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه إلخ..

وبالجملة: “فدين الحنيفية الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها أخفى من السها تحت السحاب”، “وقد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب”. (فصل الأمم قبل البعثة، ص19)

الدليل الثالث

ظن الجابري أن التوحيد هو: نفي التعدد، وأنه الإقرار بإله واحد فقط، وليس من شك بأن نفي التعدد عن ذات الله، والإقرار بوحدانيته جانب من التوحيد، لكن هذا حقيقة واحدة من حقائق التوحيد الذي دعا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، فالتوحيد يشمل عشرات الحقائق الأخرى، منها ما يتعلق بذات الله وصفاته وأسمائه إلخ.. ومنها ما يتعلق بعبادته وكيفية دعائه وأوقاتها، وأفعاله وما الذي يحبه وما الذي لا يحبه إلخ.. ومنها ما يتعلق بصورة علاقاته بمخلوقاته إلخ.. وهناك أمور تتعلق بالألوهية والربوبية وبالشرك وأنواعه وأصنافه إلخ..، وليس التوحيد فقط هو نفي التعدد عن الله تعالى، فأين هذا التوحيد الذي عرفته كتب العقائد من التوحيد الذي تحدث عنه الجابري؟؟!!

الدليل الرابع

لو كان الوضع كما صوره الجابري وأن التوحيد بخير، وأن الموحدين يعج بهم المكان والزمان، لما كانت هناك حاجة إلى إرسال رسول، فقد بين المفسرون في أكثر من موضع من تفسير القرآن الكريم وتاريخ الأنبياء، أن الله كان يبعث رسولاً وينزل كتاباً عندما يعم الكفر، ويستشري الضلال، ويتعمق الشرك فيبعث الله رسولاً لكي يعم النور والهدى، وهذا من رحمته –تعالى- بعباده، ومن المعلوم أن الله بعث عيسى عليه السلام عندما استحكم الضلال في بني إسرائيل، وهو ما ينطبق على الظروف التي أحاطت بابتعاث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فبعثه عندما استحكم الكفر والشرك والضلال في الأرض.

الدليل الخامس

ذكر الجابري أنه حدد لنفسه هدفاً منذ أزيد من ربع قرن عندما بدأ دراساته في الموروث الثقافي، أنه سيجعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في الوقت نفسه، هذا في مقدمة كتاب (نحن والتراث)، وهو قد وضح هذا الكلام في مقدمة كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم)، فماذا كانت نتائج هذا الهدف في جعل المقروء معاصراً لنفسه، ومعاصراً لنا في الوقت نفسه؟

كانت النتيجة الأولى لجعل القرآن الكريم معاصراً لنفسه هي الخلاصات التي توصل إليها، والتي أشرنا إليها في السابق وهي اعتباره أن التوحيد كان منتشراً في الجزيرة العربية وما حولها وفي الدولة الرومانية وفي مصر عند الأقباط وفي دولة الحبشة إلخ..، والتي تؤدي إلى أن القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كان انعكاساً للبيئة المحيطة به، وأشرنا إلى أخطاء هذا القول في سطور سابقة.

أما نتيجة جعل القرآن الكريم معاصراً لنا فهو ما جاء في نهاية الفصلين الأولين من الكتاب وهي دعوته إلى قيام مصالحة تاريخية بين حفدة إبراهيم الخليل عليه السلام، كما تمت تلك المصالحة في السابق والتي يتصور فيها الجابري أن  ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً هو تجميع للموحدين المعاصرين له، وهي الآن يمكن أن تكون كذلك، لكن نقول له:

إن دور الرسول صلى الله عليه وسلم في السابق لم يكن دوره تجميعاً لموحدين موجودين بل كان بناء لموحدين على أسس إلهية جديدة لم تكن عندهم، وكان تأسيساً لتوحيد جديد في عشرات المجالات، لذلك يجب أن تكون هذه المصالحة بالصورة التي أسس لها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي العودة إلى ما دعا إليه إبراهيم الخليل وهو توحيد الله، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى كل من هرقل والمقوقس، ناقلاً قول الله تعالى:

(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (آل عمران، 64).

لذلك فإننا نقول للجابري وأمثاله: إن تجميع أحفاد إبراهيم أمر طيب، لكن هذا التجميع يجب أن يتم على التوحيد الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنه لا قيمة له.

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” للدكتور الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%af%d8%ae%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85/feed/ 0 869
قراءة في كتاب “فهم القرآن الحكيم” للدكتور محمد عابد الجابري https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%8a%d9%85-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa/ https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%8a%d9%85-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa/#respond Tue, 23 Dec 2008 03:17:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2607 ألف محمد عابد الجابري مؤخراً كتابين حول القرآن الكريم: الأول: كان تحت عنوان “مدخل إلى القرآن الكريم”. الثاني: “فهم القرآن الحكيم”. وتضمن الكتاب الثاني تفسيراً لبعض السور المكية، حسب ترتيب النزول، وقد قسم الكتاب إلى ثلاث مراحل: الأولى: وقد تحدثت السور فيها عن النبوة والربوبية والألوهية. الثانية: تحدثت السور فيها […]

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “فهم القرآن الحكيم” للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>

ألف محمد عابد الجابري مؤخراً كتابين حول القرآن الكريم:

الأول: كان تحت عنوان “مدخل إلى القرآن الكريم”.

الثاني: “فهم القرآن الحكيم”.

وتضمن الكتاب الثاني تفسيراً لبعض السور المكية، حسب ترتيب النزول، وقد قسم الكتاب إلى ثلاث مراحل:

الأولى: وقد تحدثت السور فيها عن النبوة والربوبية والألوهية.

الثانية: تحدثت السور فيها عن البعث والجزاء ومشاهد القيامة.

الثالثة: تحدثت فيها السور عن إبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام.

ويعتقد الجابري أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جاء بمعجزة عقلية وهي القرآن الكريم، ومما يؤشر إلى هذا التوجه تسمية تفسيره للقرآن (تفسير القرآن الحكيم) مع أن التسمية الشائعة للقرآن عند عموم المسلمين ب(القرآن الكريم)، وهو اختار صفة (الحكيم) للقرآن لأنها مأخوذة من الحكمة التي هي أقرب إلى العقل.

وعندما أبرز الجابري الصفة العقلية في معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الرئيسية وهي القرآن الكريم لم يجانب الصواب، لكن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم لم تقتصر على الجانب العقلي، وهنا يكمن خطأ الجابري، بل اشتملت على معجزات حسية، ونستطيع أن نؤكد أن رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم احتوت على نوعي المعجزات: العقلية، والحسية، وقد نقل القرآن الكريم والأحاديث الشريفة عدداً من المعجزات الحسية منها:

  • نبع الماء بين يديه.
  • إطعام جيش بطعام شخص واحد.
  • وحنين الجذع إليه.
  • وسلام الحجر عليه.
  • وشفاؤه لبعض الصحابة من بعض الأمراض إلخ…

ويمكن أن نستشف في القرآن الكريم وهو المعجزة العقلية الرئيسية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم جانباً آخر حسياً يطرق الجانب الشعوري في الإنسان ويتمثل ذلك في جرس الآيات وإيقاعها وموسيقاها، كما يتجسد في الصور الحسية التي يقدمها القرآن الكريم من خلال آيات نعيم الآخرة، والتي تستثير عاطفة الرجاء، ومن خلال آيات عذاب الآخرة التي تستثير عاطفة الخوف، ويتمثل حرص الإسلام على التعامل الحسي مع المعجزة القرآنية في تقرير الشرع أن قارئ القرآن يأخذ أجراً عندما يحرك شفتيه في تلاوة آيات القرآن الكريم، ولا يأخذ القارئ أجراً عندما يقرأ القرآن بعينيه فقط، والأرجح أن المقصود بتقرير هذا الأجر توليد التفاعل مع الجرس الموسيقي للآيات الكريمة عند تلاوة القارئ لها.

وحاول الجابري من أجل تدعيم وجهة نظره في اقتصار دعوة الرسول على المعجزة العقلية حاول أن يؤول بعض المعجزات التي وردت في السور التي فسرها تأويلاً يبعدها عن سياقها، ومن ذلك حادثة انشقاق القمر، والتي وردت في قوله تعالى:

“اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر”

فقد نفى في تفسيره أن يكون قد وقع الانشقاق في القمر ومال إلى تفسير الآية بأنه “اقتربت الساعة وسينشق القمر”، وبأن الانشقاق الذي ذكرته الآية هو كسوف وقع للقمر آنذاك، وهو في هذا مخالف للروايات الصحيحة التي أوردتها روايات حديثية تؤكد وقوع انشقاق القمر، وأن أهل مكة سألوا الركبان القادمين إلى مكة عن ذلك الانشقاق فذكروا لهم وقوعه.

ويمكن أن نضع في السياق نفسه وهو تجاهل الجابري المعجزات الحسية التي حدثت مع الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها: حادثة شق الصدر التي أشارت إليها سورة “الشرح” في قوله تعالى:

(ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك)

حيث نقلت الأحاديث الصحيحة أن شرح الصدر حدث مرتين للرسول صلى الله عليه وسلم:

الأولى وهو صغير، فقد جاءه جبريل عليه السلام وشق صدره، وغسل قلبه بماء زمزم.

الثانية: ليلة الإسراء.

ومنها: عدم حديثه عن المعراج في تفسير سورة النجم حيث قال الله تعالى:

(ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (النجم، 11-17)

فلم يذكر الجابري أي شيء عن معجزة المعراج الذي رأى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته الملائكية للمرة الثانية كما تحدثت عنه الآيات السابقة.

ويلحظ الدارس لتفسير الجابري اجتهاده في تضييق مساحة عالم الغيب في الآيات التي فسرها، وهو يفعل ذلك من أجل توسيع مساحة الجانب العقلي في الدين الإسلامي على حساب الحقائق التي يقوم عليها الدين الإسلامي، ومن هذه الغيوب التي تعرض لها الجابري: السحر، والشياطين، والجن، ورؤية الله يوم القيامة، والدابة التي تخرج من الأرض وتكلم الناس والتي هي من العلامات الكبرى ليوم القيامة، والصوت الذي كلم الله به موسى عليه السلام، وهو من أجل تحقيق هذا الغرض اتبع عدة أساليب، منها: أنه ينكر حقيقة الشيء المتحدث عنه أحياناً كما في قضية السحر، ومنها: أنه يعرض دلائل لطرفين أحدهما يثبت والآخر ينفيها، والواضح أن المقصود بعرض دلائل الطرفين وضع القارئ أمام بلبلة تهز قناعاته، ومنها: أنه يتبنى وجهة نظر المعتزلة كما في تفسير آية

(وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) (القيامة،22-23).

ومنها: أنه يستشهد ببعض الأحاديث التي تعضد وجهة نظره في القضية المتحدث عنها كما فعل في قضية إنكاره لخرق العادة، وذكر في هذا الصدد الحديث الذي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

“ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة” (رواه البخاري)

مع أن هناك أحاديث كثيرة تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي معجزات خرق فيها العادة، ولا شك أن هذا المنهج انتقائي وخاطئ في الوقت نفسه، لأنه يأخذ بالحديث عندما يعضد وجهة نظره، ولا يأخذ به عندما لا يعضد وجهة نظره، مع أن الجابري بشكل عام لا يسلم بأحاديث كتب أهل السنة ولا يأخذ بها.

ومن اللافت للنظر أن موقف الجابري من قضية الغيوب وتأويلها يكاد يتطابق مع موقف محمد عبده الذي طُرح قبل مائة سنة، فقد نشط محمد عبده في تأويل كثير من مفردات الغيب، ومن هذه الأمور التي أوّلها محمد عبده كلمة “طيراً أبابيل” التي وردت في سورة الفيل في قوله تعالى: “وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول” فأول طيراً أبابيل بمرض الطاعون الذي تذكر إحدى الروايات أنه انتشر أثناء غزو أبرهة للكعبة، وقد ذكر الجابري التفسير نفسه عندما فسّر سورة الفيل”. لكن دوافع التأويل تختلف بين الرجلين، فمحمد عبده فعل ذلك من أجل تضييق الفجوة بين الحضارة الغربية والدين الإسلامي، لكن الجابري فعل ذلك من أجل توسيع مساحة الجانب العقلي في الدين الإسلامي.

وذكر الجابري أن هناك تدرجاً في الحديث عن أسماء الله، فقد بدأ الكلام عن اسم الرب ثم اسم الله، ثم اسم الرحمن، وربط بهذا التطور قضية الربوبية والألوهية، لكن كلام الجابري غير دقيق ومجانب للصواب في هذه الجزئية، ويدل على ذلك “سورة البروج” التي أوردها في سور هذه المرحلة، والتي احتوت على أسماء لله تعالى، وصفات ذات وصفات فعل متعددة، غير (الرب والإله والرحمن) ومن الأسماء التي وردت في هذه السورة: (العزيز، الحميد، الغفور، الودود)، ومن الصفات التي جاءت فيها كذلك:

“الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد”، “ذو العرش المجيد”، كما ورد فيها إخبار عن عدد من أفعاله تعالى، وهي: “إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئ ويعيد، فعّال لما يريد”.

إن سورة “البروج” نموذج واحد مخالف لما ذهب إليه الجابري، وهناك نماذج أخرى لا مجال لإبرازها في عجالة هذا المقال، والحقيقة إن الحديث عن ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله هدف من أهداف القرآن الكريم، وهدف مهم من أهداف رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة أن الانحرافات قد طالت هذا الهدف لدى أتباع الديانات السابقة، وأن العقل البشري لا يستطيع أن يتوصل بأدواته إلى شيء حقيقي مؤكد في هذه القضية، لذلك فصل القرآن هذه الحقيقة واستمر يتحدث عنها ثلاثة وعشرين عاماً خلال فترة تنزل القرآن الكريم، وبيّن تبييناً وافياً ما يتعلق  بصفات الله وأفعاله، وحدد أسماءه التي يدعى تعالى بها تحديداً دقيقاً، ولم يقتصر الحديث عنها في المرحلة الأولى حسب ما ذكر الجابري.

أما المعاد وهو القضية الثانية التي أبرزها الكتاب، فقد صور الجابري حديث القرآن الكريم عن هذه القضية وكأنه تخويف من الوحي لقريش رداً على إساءاتها للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن طرحها بهذه الصورة طرح قاصر، وإلا بماذا نفسر هذا الحديث الطويل عن الجنة والنار في (سورة الرحمن) والتي جاءت في سور المرحلة الأولى، والتي اشتملت على تفصيل عن العذاب الذي يطال المجرمين، كما تحدثت بتفصيل عن النعيم الذي يطال الأبرار والمؤمنين على درجتين، وكل درجة أعلى من التي سبقتها، فللأبرار عينان تجريان، وزوجان من كل فاكهة، وفرش بطائنها من إستبرق، وحور عين إلخ..، أما درجة المؤمنين وهي الدرجة الأدنى فلهم فيها: عينان نضاختان، وفيها بعض الفاكهة وليس كل أنواع الفاكهة، وفيها نساء حسناوات إلخ…، والآن ما المقصود بمثل هذا التفصيل عن العذاب والنعيم يوم القيامة منذ المرحلة الأولى لنزول الوحي؟

المقصود هو بناء القلب البشري بناءً صحيحاً بحيث يتجه رجاؤه إلى جنة الله التي احتوت خيراً من كل نعيم على الأرض، ويتجه خوفه إلى نار الله التي لا يقارن عذابها بأي عذاب في الدنيا، وهذا ما فهمه الصحابة لذلك كانت تلاوة القرآن الكريم غذاء وزاداً يبني قلوبهم بالصلاح والصبر والتقوى والاستعانة والتضحية إلخ..

في النهاية تنزل الوحي منذ البداية لعدة حقائق منها: الرب الواحد والآخرة وغيرهما، ثم استمر القرآن الكريم يتحدث عنهما بصور مختلفة على مدار ثلاثة وعشرين عاماً.

 

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “فهم القرآن الحكيم” للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%8a%d9%85-%d9%84%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa/feed/ 0 2607
قراءة في العقل الأخلاقي العربي للجابري https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1/ https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1/#respond Tue, 31 Dec 2002 12:15:07 +0000 https://al-ommah.com/?p=1111 ألف محمد عابد الجابري عدداً من الكتب حول العقل العربي، ومن الواضح أنه كان له فضل السبق إلى الكتابة في هذا الموضوع، وافتتح ساحة للنقاش في موضوع مهم وأساسي، والتقويم الكامل لمشروعه في نقد العقل العربي يحتاج إلى عدد من الكتب، وإن كنت أميل إلى أنه لم يوفق إلى اكتشاف […]

ظهرت المقالة قراءة في العقل الأخلاقي العربي للجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ألف محمد عابد الجابري عدداً من الكتب حول العقل العربي، ومن الواضح أنه كان له فضل السبق إلى الكتابة في هذا الموضوع، وافتتح ساحة للنقاش في موضوع مهم وأساسي، والتقويم الكامل لمشروعه في نقد العقل العربي يحتاج إلى عدد من الكتب، وإن كنت أميل إلى أنه لم يوفق إلى اكتشاف حقيقة العقل العربي المسلم في صوره الثلاث: المجرد، والسياسي، والأخلاقي، لكنه وفق في تحديد الإضافات التي دخلت إلى هذا العقل من ثقافات أخرى.

فهو في كتابيه “تكوين العقل العربي” و “بنية العقل العربي” وفق في تحديد الإضافات التي دخلت إلى العقل العربي المجرد من الأنظمة الثقافية السابقة: مذهب الذرة، والعرفان والبرهان.

كما وفق في كتاب “العقل العربي الأخلاقي” إلى الحديث عن تداخل الموروث الفارسي واليوناني مع العقل الأخلاقي العربي، وأنا سأتحدث في مقالي هذا عن العقل الأخلاقي العربي فقط، وسأرجئ الحديث عن الكتب الأخرى في العقل العربي إلى مقالات أخرى.

اعتبر الجابري أن النظام الثقافي العربي استجلب الموروث الفارسي في مرحلة مبكرة نتيجة “أزمة في القيم”، وأن هذا الموروث الفارسي ركز على طاعة السلطان، ودمج الدين والطاعة والسلطان في حزمة واحدة، وقد بدأ إدخال هذا الموروث في نهاية العهد الأموي من أجل تدعيم الملك الأموي، وقد بدأه سالم بن عبد الرحمن موسى السعيد بن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وعبد الحميد الكاتب، وقد عمل الأخير كاتباً لدى آخر خليفة أموي وهو مروان بن محمد، واستخدم هؤلاء الكتّاب أسلوب “الترسل” في نشر هذا الموروث، وكان هذا الأسلوب يأتي في الرسائل التي يوجهها الخليفة إلى ولي العهد، أو إلى الولاة أو إلى الرعية، وكانت تقرأ هذه الرسائل أحياناً على عامة الناس، وكانت تدعو إلى الطاعة، وإلى تعظيم السلطان.
وقد بلغ هذا الأسلوب أوجه في بداية العهد العباسي، إذ ورثوا هذه التقاليد، ورسخوها في تعاملهم مع رعيتهم، وقد اعتبر الجابري أن عبد الله بن المقفع أكبر ناشر ومروج للقيم الكسروية وأيديولوجيا الطاعة في الساحة الثقافية العربية الإسلامية، وقد عمل عبد الله بن المقفع كاتباً للخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، وقد ذكر الجابري أنه وصلنا أربعة كتب منسوبة إليه، هي: كليلة ودمنة، والأدب الكبير، والأدب الصغير، ورسالة الصحابة، وقد لخص الجابري الموضوعات التي تدور حولها، “آداب” ابن المقفع بثلاثة، هي: طاعة السلطان، أخلاق السلطان، أخلاق الكاتب.
ثم حاول أن يثبت الجابري رواج قيم الطاعة الكسروية من خلال تفحص “كتب الأدب” التي تتحدث عن موضوعات مختلفة، واستعرض منها كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة (213-276)، والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي (246-328)، واعتبر الجابري هذين الكتابين هما النموذج المحتذى لكل كتب الأدب التالية، واستعرض الجابري -كذلك- كتابين آخرين من العصور المتأخرة هما: الازدهار “المستطرف في كل فن مستظرف” للكاتب شهاب الدين محمد بن أحمد الأشبيهي المتوفي سنة 850، ثم كتاب “صبح الأعشى في صناعة الإنشاء” للقلقشندي المتوفى سنة 821.
وقد اعتبر الجابري أن جميع هذه الكتب -المتقدمة والمتأخرة- تعرض القيم الكسروية، ومنها: طاعة السلطان المطلقة وتقديم الطاعة على المطاع، ودمج الدين والطاعة والسلطان في محور واحد إلخ.. وإذا استعرضت كتاب “عيون الأخبار” لوجدناه يحتوي على الأبواب التالية:
1- كتاب السلطان 2- كتاب الحرب 3- كتاب الشعر
4- كتاب الطبائع والأخلاق 5- كتاب العلم 6- كتاب الزهد
7- كتاب الإخوان 8- كتاب الحوائج 9- كتاب الطعام 10- كتاب النساء، واعتبر الجابري أن هذا الترتيب هو تعبير عن سوق للقيم يحتل فيها السلطان وبالتالي الطاعة موقع القيمة المركزية.
من غير المستبعد أن يكون الموروث الفارسي حاول أن يجد طريقه إلى الثقافة الإسلامية، كبقية الموروثات في المنطقة التي حاولت أن تغزو الثقافة الإسلامية، من خلال بعض وارثيها كسالم وعبد الحميد الكاتب وعبد الله بن المقفع، ومن غير المستبعد بصورة أقل أن يكون الخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيون قد حاولوا الاستفادة من الموروث الفارسي في تطويع شعوبهم، وفي تدعيم سلطتهم، ولكن النظر في كتب الأدب من أجل قياس مدى تغلغل القيم الكسروية في الثقافة الإسلامية هو قياس قاصر، فلماذا لا نقيس تغلغل القيم الكسروية من خلال كتب الفقه؟ لأن الفقه على الأرجح يعكس حقيقة الأمور لدى جماهير الأمة أكثر من الأدب من جهة، ولأن اعتماد الفقه في استكناه حقيقة حياة جماهير الأمة أسلوب اتبعه كثير من الدارسين من جهة ثانية، فقد اتبعه محمد باقر الصدر من أجل استعادة صورة الحياة الاقتصادية القديمة من خلال تتبع الفتاوى الفقهية، وكذلك اتبعه آخرون من أجل استعادة صورة الحياة الاجتماعية من خلال العودة إلى فتاوى المحاكم الشرعية.

وإذا عدنا إلى كتب الفقه لنسألها عن شروط تولية الحاكم، وعن موقفها من البغي والبغاة، وعن شروط الخروج على الحاكم إلخ.. فماذا نجد؟ نجد أنها تتطلب شروطاً من أجل تولية الحاكم من أهمها: العدالة والاجتهاد، وقد اشترط الفقهاء لدوام الولاية دوام شرط العدالة، فقد نقل الماوردي في “الأحكام السلطانية” عن شرط العدالة فقال: “إن الجرح في عدالة الإمام، وهو الفسق على ضربين: أحدهما ما تبع فيه الشهوة، والثاني ما تعلق فيه بشبهة. فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد. وقال بعض المتكلمين: يعود إلى العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة، لعموم ولايته ولحوق المشقة في استئناف بيعته.
وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض، فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها: فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، ويخرج منها بحدوثه لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل”. (ص17)
وتحدثت الموسوعة الفقهية الكويتية عن البغي والبغاة فقالت: “ويرى الشافعية أن البغي ليس اسم ذم، لأن البغاة خالفوا بتأويل جائز في اعتقادهم، لكنهم مخطئون فيه، فلهم نوع عذر، لما فيهم من أهلية الاجتهاد. وقالوا: إن ما ورد في ذمهم، وما وقع في كلام الفقهاء في بعض المواضع من وصفهم بالعصيان أو الفسق محمول على من لا أهلية فيه للاجتهاد أو لا تأويل له، وكذلك إن كان تأويله قطعي البطلان”. (ج8، ص132)
وتحدثت الموسوعة الفقهية عن شروط تحقق البغي فقالت: “ولو خرجوا على الإمام بحق – كدفع ظلم- فليسوا ببغاة، وعلى الإمام أن يترك الظلم وينصفهم، ولا ينبغي للناس معونة الإمام عليهم، لأن فيه إعانة على الظلم، ولا أن يعينوا تلك الطائفة الخارجة، لأن فيه إعانة على خروجهم، واتساع الفتنة، وقد لعن الله من أيقظ الفتنة”. (ج8، ص133)
وتحدث الدكتور وهبة الزحيلي أيضاً في موسوعة (الفقه الإسلامي وأدلته) عن شروط عزل الحاكم والخليفة فقال: “العزل لتغير حال الحاكم والخليفة: والذي يتغير به حاله، فيخرج به عن الإمامة شيئان: جرح في عدالته، ونقص في بدنه. أما جرح العدالة فهو الفسق: وهو ارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، وانقياده للأهواء والشهوات”. (ج8، ص6188) كما تحدث الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعة (الفقه الإسلامي وأدلته) عن الحالة التي لا يطاع فيها الحاكم فقال: “ولكن لا تجب الطاعة عند ظهور معصية تتنافى مع تعاليم الإسلام القطعية الثابتة، لقوله عليه الصلاة والسلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة المعروف، لا طاعة لمن لم يطع الله”. (ج8، ص6192)
ونقل وهبة الزحيلي عن ابن حزم إجازته الخروج على الحاكم الظالم فقال: “وقال ابن حزم بجواز الخروج، لأن الأحاديث المجيزة للخروج على الفاسق الظالم ناسخة في رأيه للأحاديث الآمرة بالصبر، لأن هذه الأحاديث وردت في مبدأ الإسلام، ولأن الدليل المحرم يقدم على المبيح عند تعارضهما، ولقوله تعالى: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله” (الحجرات، 49/9) ولأنه يجب على المسلم إزالة المنكر، ولا طاعة في معصيته، ومن قتل دون ماله أو دينه أو مظلمته فهو شهيد”. (ج8، 6196)
والآن نتساءل بعد أن نقلنا بعضاً من الأحكام الفقهية التي تبيح عدم طاعة الحاكم الجائر أو الفاسق أو الظالم ناهيك عن الحاكم الكافر وعن الموقف من البغي والبغاة، وعن الحالة التي لا يطاع فيها الحاكم إلخ…، نتساءل: أيهما أصدق تعبيراً عن واقع الثقافة العربية الإسلامية، كتب الأدب أم كتب الفقه؟ لا شك أن كتب الفقه أصدق تعبيراً، ولو أن الموروث الفارسي صبغ الثقافة العربية الإسلامية –كما زعم الجابري- لكان الفقه أولى المجالات بالاصطباغ لأن الفقه أضخم عنوان معبر عن الثقافة العربية الإسلامية ولأن أمتنا “أمة فقه” كما وصفها الدارسون.
ومما يؤكد عدم سيطرة الموروث الفارسي في طاعة الحاكم على ثقافتنا العربية الإسلامية، هو أن الفقهاء الذين جوّزوا طاعة الجائر أو الفاسق دعوا إلى الخروج عليه عند وجود الحاكم العادل، أو عند تقدير أمن الفتنة، كما دعوا إلى عدم مساعدته عند خروج المظلومين عليه.
بيّن الجابري أن القيمة المركزية في الموروث الفارسي هي “خلق الطاعة”، وبيّن أن القيمة المركزية في الموروث اليوناني “خلق السعادة”، وبين أن القيمة المركزية في الموروث العربي الجاهلي “المروءة” وأسف لأنه لم يكن مهتدياً إلى القيمة المركزية في “أخلاق القرآن” حتى وجدها عند كاتب هو العز بن عبد السلام (ت، 660) وهي “العمل الصالح” وبين أن القرآن الكريم كان هو المرجعية التي استند إليها العز بن عبد السلام في تنشئة الأخلاق الإسلامية بعيداً عن كل الموروثات الفارسية واليونانية، واعتبر أن هناك نقصاً في مشروع “أخلاق القرآن” الذي وضعه العز بن عبد السلام عندما لم يتعرض للسياسة، ولكنه رأى أن ابن تيمية قد استدرك هذا النقص عندما وضع رسالة “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” واعتمد المبدأ نفسه وهو “الطاعة”.

يلحظ الدارس أن الجابري كان يقفز من خلق “العمل الصالح” ليساوي بينه وبين “المصلحة”، فقد جاء عنوان الفصل الثالث والعشرين في كتاب “العقل الأخلاقي العربي” س: “في الإسلام: المصلحة أساس الأخلاق والسياسة” ثم قال في الفقرة السادسة من الفصل السابق نفسه: “تلك هي “أخلاق العمل الصالح، أو أخلاق المصلحة” (ص،615)، ثم قال في نهاية فقرة “إجمال وآفاق”: “فاقتصروا على محاسبة سلوك “الذين آمنوا” من زاوية الفرائض والسنن والحلال والحرام، وسكتوا عن “الصالحات”، وعن “المصلحة” التي هي المقصود مما يخوض فيه الفقهاء وينشغل المتكلمون” (ص،620)، والسؤال الآن: ما مدى صواب الانتقال من “العمل الصالح” إلى “المصلحة” في عبارات الدكتور الجابري السابقة والتسوية بينهما؟ لاشك أن “العمل الصالح” غير “المصلحة”، لأن “العمل الصالح” مشروط ومحدد بعدة قواعد إسلامية، فلو أخذنا أي “عمل صالح” يعتبره الشرع عملاً صالحاً: يجب أن يكون مما حلله الإسلام، ويجب أن تتجه النية فيه إلى الله، ويجب أن يلتزم قواعد الشريعة إلخ… فالبيع والشراء فيه مصلحة للمسلمين، لكن هناك أنواعاً من البيع والشراء محرّمة، لا يجوز أن يقدم عليها المسلم بحال من الأحوال، فلا يجوز أن يبيع الخمر مثلاً، ولا أن يدخل الربا بيعه أو شراءه إلخ…، والسؤال الآن: لماذا أقدم الدكتور الجابري على هذه التسوية بين المفهومين؟ الأرجح أنه أقدم على ذلك لكي يسهل استيعاب معطيات الحضارة الغربية لدى جماهير الأمة في وقتنا الحاضر، ونقل مفاهيمها في الديمقراطية والحرية والقومية إلخ.
على الأرجح أن “العبودية” هي القيمة المركزية في الأخلاق الإسلامية، وليس “العمل الصالح والمصلحة” لأنها أول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي كلمة “لا إله إلا الله”، وأول ما دعا إليه إخوته الأنبياء السابقون، فقال تعالى: “وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون”. (الأنبياء، 21/25) ولأن هذه العبودية تقتضي عقلاً عارفاً لله من جهة، وقلباً ممتلئاً بالله تعظيماً وخضوعاً وخوفاً ورجاءً وحباً وثقة من جهة ثانية، ويمكن أن تنبثق بعد ذلك من هذا العقل العارف لله والقلب الممتلئ بالله كل الأخلاق المجيدة: من شجاعة وكرم وفاعلية وإيجابية وإيثار إلخ…، ثم يصبح هذا العبد بعد أن يتحلى بكل الصفات السابقة منسجماً مع كل مفردات الكون التي هي عابدة لله، ومسبحة له.
لقد جانب الجابري الصواب في عدة أماكن من كتاب “العقل الأخلاقي العربي”:
أولها: اعتباره أن القيم الكسروية هي التي صبغت الثقافة العربية الإسلامية.
ثانيها: اتخاذه “كتب الأدب” مقياساً لتغلغل القيم الكسروية، وقد بينت أن “كتب الفقه” أولى باتخاذها كأداة لهذا القياس.
ثالثها: اعتباره أن “العمل الصالح والمصلحة” هي القيمة المركزية في العقل الأخلاقي العربي، والأرجح أنها “العبودية”.
المقال في الجزيرة نت قراءة في “العقل الأخلاقي العربي” للجابري

 

ظهرت المقالة قراءة في العقل الأخلاقي العربي للجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%b1/feed/ 0 1111
قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9%d8%a9/#respond Sun, 11 Apr 1999 15:28:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=1117 قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري يحظى الدكتور محمد عابد الجابري مؤلف كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” بمكانة عالية لدى القارئ العربي بعد تأليفه سلسلة كتب عن العقل العربي، وقد ألّف كتاباً تحدّث فيه قضايا معاصرة مثل الصحوة، والدولة، وتطبيق الشريعة إلخ…. ومما يلاحظ أنّ […]

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري

يحظى الدكتور محمد عابد الجابري مؤلف كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” بمكانة عالية لدى القارئ العربي بعد تأليفه سلسلة كتب عن العقل العربي، وقد ألّف كتاباً تحدّث فيه قضايا معاصرة مثل الصحوة، والدولة، وتطبيق الشريعة إلخ….

ومما يلاحظ أنّ آراءه تلقى قبولاًَ لدى قطاع من الإسلاميين ناهيك عن القوميين والليبراليين والتقدّميين واليساريين إلخ….

وسأناقش في هذا المقال كتاب الجابري “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” لأهميّة الموضوعات التي تناولها من جهة، ولكونها شغلت المسلمين خلال القرن الماضي من جهة ثانية.

هل صحيح أنّ المصالح الكلية فقط هي التي كانت تحرك عمل الصحابة؟

يدعو الدكتور محمد عايد الجابري في مقدمة كتابه “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” إلى تكوين مرجعية منفتحة.

ثم يبين لنا أنّ هذه المرجعية المنفتحة التي يدعو إليها تقوم على عمل الصحابة، ثم يوضح لنا أنّ المصالح الكلية هي التي كانت تحرك عمل الصحابة.

لا خلاف أنّ الصحابة خير من فهموا الإسلام وخير من طبقوه وعملوا به، لكن هل صحيح أنّ المصالح الكلية فقط هي التي كانت تحرك عمل الصحابة؟

لقد كانت المصالح الكلية جزءاً من منظومة فكرية متكاملة تحرك عمل الصحابة وهي:

التوحيد، القرآن، السنة، الجماعة، الآخرة، الجنة إلخ…، وكانت المصالح الكلية تظهر عندما يختفي الحكم الواضح والأمر الشرعي.

“هل الإسلام دين أم دولة؟”

ثم يتعرض الدكتور الجابري إلى “مسألة الدين والدولة في المرجعية التراثية”، ويرى أنّ السؤال “هل الإسلام دين أم دولة؟”

سؤال لا وجود له في المرجعية التراثية، وإنما جاء السؤال في منتصف القرن الماضي عندما قامت النهضة ووقع الاحتكاك بالحضارة الغربية التي عرفت مثل هذا السؤال، ويرى أنه يصبح قابلاً للجواب إذا أعدنا صياغته ووضعنا كلمة “أحكام” مكان كلمة “دين”، وكلمة “سلطة” مكان كلمة “دولة”.

الإطار المرجعي الرئيسي للخلافة

ثم ينتقل في فقرة ثانية إلى اعتبار حادثة اجتماع المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة بالمدينة لاختيار الخليفة هي الإطار المرجعي الرئيسي الذي استند إليه فقهاء أهل السنة في تشييد نظريتهم في الخلافة.

وفي النهاية يرى الجابري أنّ نظرية الخلافة عند أهل السنة هي في جملتها تقنين لأمر واقع، وأنّ مسألة علاقة الدولة بالدين لم تكن مطروحة ولا كان يمكن أن تطرح على الساحة الإسلامية، لأنّ جميع المتعاملين مع موضوع الدولة مسلمون، أو على الأقل يتصرفون بوصفهم كذلك.

الفراغ الدستوري في خلافة عثمان

ثم ينتقل الجابري في الفقرة التالية ويشير إلى أنّ هناك فراغاً دستورياً في لغة العصر برز في نهاية حكم الخليفة عثمان رضي الله عنه تجلّى في ثلاث مسائل رئيسية هي:

  • عدم إقرار طريقة مقننة لتعيين الخليفة.
  • عدم تحديد مدة ولايته.
  • عدم تحديد اختصاصاته.

الايدلوجية السلطانية والخلقية الإسلامية

ثم يعرض الجابري في فقرة: “الايدلوجية السلطانية والخلقية الإسلامية” السند الشرعي الذي كان يعتمد عليه الحكمان الأموي والعباسي في تبرير وجودهما.

ثم يبين أنّ التجربة التاريخية للأمة الإسلامية ليست هي السياسة المطبقة وحدها، بل إنها أيضاً ما يُعبر عنه بـ “الخلقية الإسلامية” في الحكم، تلك الخلقية التي بقيت تلهم الفكر الحر وتنعش الآمال في الإصلاح والتغيير ومنها:

  • الشورى.
  • المسؤولية التي تتوزع في جسم المجتمع.
  • ترك أمور الدنيا لأهل الاختصاص.

ملاحظات على الدين والدولة في المرجعية التراثية

والآن يمكن أن ندوّن الملاحظات التالية على ما ذكره الجابري بخصوص “الدين والدولة في المرجعية التراثية”:

  1. أصاب الجابري عندما اعتبر أنّ إشكالية فصل الدين عن الدولة لا وجود لها في التجربة التاريخية للأمة الإسلامية.
  2. يلحظ الدارس للمؤلفات الحديثة عن الحكم الإسلامي أنّ النظام الديمقراطي الغربي بصورته الغربية الحديثة هو النموذج الذي يستند إليه الباحثون في محاكمة النظام الإسلامي وفي إصدار الأحكام عليه. ولاشك أنّ هذا ظلم كبير للنظام الإسلامي، لأنّ الحكم الإسلامي حكم له تاريخه الخاص وله مؤسساته الخاصة وله آليته الخاصة في تحقيق أهدافه. وإنما يجب أن يحاكم النظام الإسلامي بحكومات عصره من جهة، وبمعايير إنسانية عامة من جهة ثانية.
  3. اعتبر الجابري أنّ ثغرات دستورية حوّلت الخلافة إلى ملك، وحدّد أبرز هذه الثغرات الدستورية بعدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة، وعدم تحديد مدة ولاية الخليفة، وعدم تحديد اختصاصاته، ويمكن الرد عليه وبخاصة فيما يتعلّق بالنقطة الأخيرة وهي عدم تحديد اختصاصات الخليفة بأنّ الحاكم الإسلامي ربما كان أكثر الحكام وضوحاً في تحديد واجباته واختصاصاته على الأقل في تلك الفترة التاريخية وذلك لوجود القرآن الكريم والسنة النبوية التي تم اختيار الخليفة على أساسهما، واللذين يمثلان الدستور المشترك المتفق عليه بين الرعية والخليفة، ومما يؤكد ذلك أنّ الثوار الذين ثاروا على عثمان رضي الله عنه أرادوا عزله لأنه خالف قواعد مقررة معروفة بينهم، لكن البحث عن سبب التحول التاريخي في تجربة الحكم الإسلامي يجب أن يتجه إلى تكوين الطائفة الثائرة: ما تركيبتها الاجتماعية؟ وما ذهنيتها السائدة؟ وما فهمها للدين؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن يعطينا جواباً أدق عن أسباب التحول التاريخي في الحكم الإسلامي.

إنّ الطائفة الثائرة تحوّلت إلى فرقتين تاريخيتين هما: الخوارج والشيعة، وإذا بحثنا عن أجوبة الأسئلة السابقة في بنية الفرقة الأولى نجد أنّ الواقع القبلي هو الذي حكم انتماء عناصرها، وأنّ الفهم الظاهري للدين هو الذي حكم ذهنيتها نتيجة حياتها البدوية التي لا تتيح التعمق والتدبر في فهم آيات الله، وكذلك بالنسبة للفرقة الثانية نجد أنّ المنتمين لها من أبناء المناطق التي دخلت في الإسلام نتيجة الفتوحات الإسلامية، وقد جلب الداخلون في الإسلام من بيئتهم السابقة بعض مفاهيمهم التي تقوم على العلم عن طريق الغنوص، إنّ هذه العوامل الثقافية في فهم الدين هي التي ساهمت في تشطير المنطقة وفي تكوين المنعطف التاريخي في واقعها.

إنّ الخوف على وحدة الأمة والحرص على عدم تصدعها بعد المخاض العسير لوصول علي رضي الله عنه إلى الخلافة وليس قول الأمويين بالجبر في مجال القضاء والقدر هو الذي أتاح لنهج الأمويين أن يكون مقبولاً لدى طائفة من المسلمين بغض النظر عن صدق الأمويين في تلك المقولة أو عدم صدقهم لأنّ الأمويين ليسوا هم مصدر المسلمين في فهم القضاء والقدر، ومما يؤكد ذلك احتفال المسلمين وابتهاجهم عند تنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة وتسميتهم ذلك العام بعام الجماعة.

الدين والدولة في المرجعية النهضوية

ثم ينتقل الجابري في الفقرة الثانية من كتابه إلى معالجة “الدين والدولة في المرجعية النهضوية”، فيرى أن طرح فصل الدين عن الدولة عند بعض دعاة النهضة المسيحيين كبطرس البستاني إنما جاء من:

  • استلهامهم للنهضة الأوروبية من جهة.
  • ولكونه مسيحيّاً عاش فتنة 1860م في لبنان، ويريد أن يتخلص من الحكم العثماني من جهة ثانية،

وإذا كان لهذا الوضع الطائفي خاصيته فإنه لا يمكن تعميم هذه الخاصية على كل البلدان العربية، ثم يرى الجابري أنه يمكن استبدال العلمانية بالديمقراطية والعقلانية.

لكن الجابري في الفقرة الأخيرة من هذا القسم يعود إلى مناقضة نفسه فهو عندما يقر بأنّ العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا معنى لها في مجتمع إسلامي لأسباب متعددة، يدعو إلى فصل الدين عن السياسة لأسباب متعددة منها:

  • أنّ الدين يمثل ما هو مطلق وثابت، بينما تمثل السياسة ما هو نسبيّ ومتغيّر، والسياسة تحركها المصالح الشخصية الفئوية، أما الدين فيجب أن ينـزه عن ذلك.
  • وأنّ الدين يوحّد في حين أنّ السياسة تفرق.

ولا أدري ماذا تعني الدعوة السابقة؟ ألا تعني فصل الدين عن الدولة؟ ألا تعني قبول ما رفضه الجابري قبل قليل؟

لنتجاوز هذا ولنسأل: من أين جاءت هذه المقولة؟

جاءت هذه المقولة من التراث المسيحي الذي يميّز بين ما هو مقدّس وما هو مدنّس، الديني هو المقدّس والدنيوي هو المدنّس، في حين أنّ هذه القسمة ليست مطروحة في الحياة الإسلامية بل كل عمل يمكن أن يؤديه المسلم يعتبر جزءاً من عبادته لله، وجزءاً من دينه وتقدّسه، حتى شهواته الخاصة من طعام وشراب وجماع ورياضة ونزهة إذا نوى فيها التقوّي على طاعة الله أو ذكر الله في بدايتها كانت عبادة وكان له فيها أجر ويدل على ذلك الحديث الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً الصحابة:

“وفي بضع أحدكم صدقة”

قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟. قال:

“أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وِزْر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً” (رواه مسلم). 

أما اعتبار الجابري أنّ الدين يمثل ما هو مطلق وثابت فكلام عام وغير دقيق، فإنّ الدين يحتوي أحكاماً ثابتة وأخرى متغيرة، الثابت منها ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى والآخرة والعبادة والحدود إلخ …، وأعطانا الدين في الوقت نفسه القواعد التي نحكم بها على المتغيّر من أمور الحياة وقد تجسدت هذه القواعد في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وإلا لما أمكن اعتبار الدين الإسلامي صالحاً لكل زمان ومكان.

أما الحجة الثانية وهي اعتبار الجابري أنّ الدين يوحّد وأنّ السياسة تفرق فهي أمور نسبية وليس على إطلاقها، فيمكن للدين أن يفرق ويمكن للسياسة أن توحّد، يمكن للدين أن يفرق إذا كان هناك اختلاف في فهم بعض قضاياه وعقائده وأحكامه كما يمكن أن يوحّد إذا كان هناك تطابق في ذلك الفهم وفي طرق التوصّل إلى ذلك الفهم، وإنّ ما حدث في زمن عثمان رضي الله عنه وما بعده من اختلاف ليس سببه توظيف الدين في السياسة كما ادعى الجابري، ولكنه نتج من أفهام متباينة لبعض القضايا نتيجة تداخل عناصر موروثة لم تستطع بعض الفرق التخلص منها كما عرضنا ذلك في موضع سابق من المقال عند الحديث عن الخوارج والشيعة.

أما قول الجابري: “السياسة تحركها المصالح الشخصية أو الفئوية أما الدين فيجب أن ينـزه عن ذلك” فهو مرتبط بالتمييز بين المقدس والمدنّس الذي جاءنا من التراث المسيحي، وهذا لا أصل له في الدين الإسلامي، فطالما أن تحقيق المصالح الشخصية والشهوات مباح بل وتعتبر عبادة في نظر الشرع الإسلامي مثل أية ممارسات دينية وعليها أجر، كذلك كانت السياسة الساعية إلى تحقيق هذه المصالح والشهوات مشروعة ومقبولة ولا ضير في ذلك، ولكن السياسة ليست كلها مصالح شخصية بل هناك مصالح الدين والجماعة والأمة إلخ… ، ويمكن التوفيق بين كل هذه المصالح في حال تضاربها من خلال قواعد الشرع ومن خلال الخلقية الإسلامية التي من عناصرها: الإيثار والتضحية والحرص على الفوز بالآخرة إلخ…

مسألة تطبيق الشريعة

ثم ينتقل الجابري في القسم الثاني من كتابه إلى “مسألة تطبيق الشريعة”، فيميز بين الصحوة والتجديد وبين أنّ المطلوب هو تجديد الدين. ويتحدث الجابري في فقرة ثانية ويبين أنه لم يكن هناك تعارض بين السلفية والوطنية وبخاصة في المغرب العربي، ويعتبر أنّ السلفية كانت دائماً جزءاً من التجربة التاريخية للإسلام الشيء الذي تستعيد به هذه التجربة ما يحفظ لها الوجود والاستمرارية عندما يفرز تطورها الداخلي ما يهددها بالاندثار، ومع ذلك فهو يرى أنه لم يعد استلهام النموذج السلفي كافياً بل لابد من استلهام التجربة التاريخية للأمم التي تناضل مثلنا من أجل وجودها والحفاظ على وجودها، وهو يرى أنّ منطق الحضارة المعاصرة يتلخص في مبدأين هما:

  • العقلانية.
  • النظرة النقدية.

فهو يرى الأخذ بهذين المبدأين وقصر السلفية على تقديم السيرة الأخلاقية، ولكي يمكن أن نفعل ما اقترحه الجابري إذا كانت السلفية كمبادئ أو كتاريخ تناقض العقلانية والنظرة النقدية، ولكننا نجد أنّ السلفية لا تتناقض مع هذين المبدأين لا كأصول ولا تاريخ، فالسلفية كانت عقلانية منذ نشأتها مع الصحابة، واستمرت مع علماء الأمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم والعزّ بن عبدالسلام والشاطبي إلخ …،

والشواهد على ذلك أكثر من أن ندونها ونحصيها، والأمر أجلى من أن ندلّل عليه، وإلا لما استطاعت القيادات السلفية استيعاب علوم عصرها والابتكار فيها والإضافة إليها، والسلفية كانت دائماً ذات نظرات نقدية لذلك كانت رسالة أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والجهمية، وكانت كتابة الشافعي في نقد أستاذه مالك بن أنس وفي نقده للساحة الفقهية التي أنتجت رسالة “الأصول”، وكان تدوين الباقلاني لكتاب “التمهيد” في الرد على المعتزلة، وكانت كتابات ابن تيمية في تفنيد التصوّف والمنطق والفلسفة إلخ …،

صحيح أنّ هناك فترات كانت تضعف فيها العقلانية أو الجانب النقدي في واقع الحياة الإسلامية، لكن التصحيح لهذا الواقع كان يحدث من خلال استلهام النموذج التاريخي السلفي، ومازالت الفرصة موجودة الآن لمعالجة الواقع المرضي باستلهام النموذج السلفي بأجزائه: الأخلاقي والعقلاني والنقدي.

“التطرف يميناً ويساراً”

ويبين الجابري في فقرة “التطرف يميناً ويساراً” أنّ التطرف الذي يحدث في مجال اليمين إنما يتجه بالخصومة والاعتراض على التيار الإسلامي الوسطي المعتدل، وهو يرى أنّ مبررات وجوده عدم تمكن الاتجاه السلفي من القيام من التجديد في المجال النقدي، والتجديد الذي يقترحه هو تأصيل جديد للأصول وذلك باعتماد كليات الشريعة ومقاصدها بدل الاقتصار على تفهم معنى النصوص واستنباط الأحكام منها.

وهو من أجل التدليل على وجهة نظره يرى أنّ هناك طريقتين في الاجتهاد: الأولى الطريقة التي تعتمد القياس والتعليل واستثمار الألفاظ، والثانية: الطريقة التي تدعو إلى اعتبار المقاصد أساساً ومنطلقاً، ويقع الجابري في خطأين عندما يدعو إلى منهجه الجديد:

الأول: تصويره أنّ هناك تناقضاً بين الطريقتين السابقتين، والحقيقة أنه ليس هناك تناقض بل جاءت الطريقة الثانية تطوراً واستكمالاً للطريقة الأولى كما وضح ذلك أحمد الريسوني في كتابه عن المقاصد عند الشاطبي.

الثاني: الفصل بين تطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق المصالح العامة للمسلمين، ومع أنّ الشاطبي وغيره من الفقهاء الذين قالوا بأنّ إنزال الشرائع كان القصد منه حفظ الضروريات الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، قالوا بأنّ الطريق لتحقيق المصالح المذكورة أعلاه يتأتى عن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية، وعندما نطبق الإسلام بكل تفصيلاته فيمكن أن نوسّع النظر في الضروريات والحاجيات والتحسينات التي يتطلّبها العصر، والتي قد لا تكون مطبقة في داخل المجتمع الإسلامي. 

 

ظهرت المقالة قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9%d8%a9/feed/ 0 1117