النهضة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/النهضة/ منبر الأمة الإسلامية Wed, 29 Dec 2021 22:25:02 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.2 https://www.al-ommah.com/wp-content/uploads/2021/02/منبر-الأمة-الإسلامية.svg النهضة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/النهضة/ 32 32 171170647 لماذا لم تتحقق النهضة؟ وما هي ملامح مشروع النهضة الحقيقي؟ https://www.al-ommah.com/why-did-the-renaissance-not-materialize/ https://www.al-ommah.com/why-did-the-renaissance-not-materialize/#respond Mon, 18 Oct 2021 11:44:22 +0000 https://al-ommah.com/?p=9539 لماذا لم تتحقق النهضة؟ من الذي أفشل النهضة؟ وما هي ملامح مشروع النهضة الحقيقي؟ محاضرة يلقيها الشيخ الدكتور غازي التوبة ضمن فعاليات معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي السادس بتاريخ 15.10.2021.  روابط مرجعية: – مشروع نهضة الأمة – برنامج قراءات – لتحميل كتاب: “إشكالية النهضة بين الفكر القومي العربي والصحوة […]

ظهرت المقالة لماذا لم تتحقق النهضة؟ وما هي ملامح مشروع النهضة الحقيقي؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لماذا لم تتحقق النهضة؟ من الذي أفشل النهضة؟ وما هي ملامح مشروع النهضة الحقيقي؟ محاضرة يلقيها الشيخ الدكتور غازي التوبة ضمن فعاليات معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي السادس بتاريخ 15.10.2021.

روابط مرجعية:

مشروع نهضة الأمة – برنامج قراءات

– لتحميل كتاب: “إشكالية النهضة بين الفكر القومي العربي والصحوة الإسلامية”

– مقال: لماذا فشل الفكر القومي العربي في احداث النهضة؟

ظهرت المقالة لماذا لم تتحقق النهضة؟ وما هي ملامح مشروع النهضة الحقيقي؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/why-did-the-renaissance-not-materialize/feed/ 0 9539
قراءة في تجارب الحداثة في عالمنا العربي https://www.al-ommah.com/a-reading-about-the-experiences-of-modernity-in-our-arab-world/ https://www.al-ommah.com/a-reading-about-the-experiences-of-modernity-in-our-arab-world/#respond Sun, 26 Nov 2017 11:01:08 +0000 https://al-ommah.com/?p=1034 لقد مر العالم العربي بثلاث تجارب من الحداثة، كانت الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية بعد الحرب العالمية الثانية، أما الثالثة فهي التي بدأت بعد ثورات الربيع العربي، و نحن سنستعرض التجارب الثلاثة، ونحدد آثارها في مسيرة الأمة. تجربة الحداثة الأولى انتقلت بعض دول العالم العربي إلى الحداثة بعد الحرب […]

ظهرت المقالة قراءة في تجارب الحداثة في عالمنا العربي أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد مر العالم العربي بثلاث تجارب من الحداثة، كانت الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية بعد الحرب العالمية الثانية، أما الثالثة فهي التي بدأت بعد ثورات الربيع العربي، و نحن سنستعرض التجارب الثلاثة، ونحدد آثارها في مسيرة الأمة.

تجربة الحداثة الأولى

انتقلت بعض دول العالم العربي إلى الحداثة بعد الحرب العالمية الأولى، مثل: العراق، ومصر، وسورية، ولبنان والأردن، وتونس إلخ….، وجاء الانتقال بعد سقوط الخلافة الإسلامية في استامبول، وتفكك الدولة العثمانية، ولقد قامت الحداثة في هذه الدول على أربعة أركان، هي: الفكر القومي، العلمانية، الاقتصاد الرأسمالي، والنظام الديمقراطي الليبرالي. وقد استهدفت القيادات التي تبنت الحداثة نقل العالم العربي إلى النهضة والتقدم والارتقاء، وبناء دول ومجتمعات تساهم في العمران الحضاري.

لم تنجح تجربة الحداثة الأولى لأنها تنكرت للدين في العناصر الأربعة التي قامت عليها، فكانت نتيجة هذا التنكر للدين تفكيك الفرد والمجتمع وعدم قيام نهضة، ووقوع نكبة 1948، والتي جاءت باسرائيل، والتي مثلت زلزالا هز كل أركان المنطقة، والذي كشف الخراب الذي أفرزته مفردات الحداثة بسبب التطبيق الحرفي لها وعدم القيام بمواءمتها مع شخصيتنا التاريخية.

تجربة الحداثة الثانية

ثم انتقل العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية إلى مجموعة أخرى من مفردات الحداثة، وهي: القومية العربية والعلمانية مرة أخرى، ولكن حلت الاشتراكية محل الاقتصاد الرأسمالي، وحلت الديمقراطية الموجهة محل الديمقراطية الليبرالية، وقد طبقت هذه المفردات قيادات مصر بعد ثورة 1952 ، والعراق وسورية بعد انقلاب البعث عام 1963، واليمن بعد انقلاب 1962، والجزائر بعد استقلالها عام 1962.

لكن مفردات الحداثة الجديدة لم تولد نهضة ولا تقدما، بل ساهمت مفردات الحداثة الجديدة في توليد اضطراب جديد للفرد العربي المسلم، وبنائه النفسي والعقلي وعلاقته الاجتماعية، وبخاصة عندما علت النبرة من الطرح الاشتراكي في اعتبار الدين قائما على الخرافات والأوهام، وبأنه يجب اقتلاعه من المجتمع ومن حياة الفرد المسلم، لأنه السبب في التعثر والانحطاط وعدم النهوض، ورسمت الحكومات الاشتراكية آنذاك خططا لتنفيذ تلك الآراء من أجل تحقيق التقدم، ودحر الرجعية.

ثم كانت نتيجة ذلك الطرح الحداثي انهزام ثلاثة جيوش عربية أمام إسرائيل، ووقوع نكسة حزيران عام 1967، إذ احتلت إسرائيل في ستة أيام سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سورية.

تجربة الحداثة الثالثة

انطلقت أحداث الربيع العربي في كانون الثاني (يناير) عام 2011، وانطلقت دعوة جديدة إلى دخول عالم الحداثة مرة ثالثة، ولكن هذه المرة كانت الدعوة إلى دخولها من باب الديمقراطية، ونقلها إلى عالمنا العربي بشكل حرفي كامل.

من الواضح أن الديمقراطية تقوم على محورين:

  • الأول: الآليات، وهي انتخاب الحاكم ومحاسبته، وتداول السلطة، وحرية الرأي، والسماح بإقامة الأحزاب والجماعات إلخ…
  • الثاني: المبادئ، وهي نسبية الحقيقة، المادية، الحرية الفردية المطلقة، استهداف المصلحة والمنفعة في كل عمل. ومن المؤكد أن الآليات تتوافق مع ديننا والمبادئ تتعارض معه.

لقد طبق النظام الديمقراطي في ثلاث دول هي: مصر، وتونس، والمغرب، أما مصر فقد تعثرت التجربة منذ البداية، ولم تدم إلا سنة واحدة من حزيران (يونيو) عام 2012 إلى حزيران(يونيو) عام 2013، والسبب في ذلك هو أن القيادة الإسلامية في مصر قررت أن تدخل عالم الحداثة وتطبق آليات الديمقراطية وألا تطبق مبادئها, لذلك قرر الغرب إلغاء التجربة الديمقراطية في مصر ودفع العسكر إلى الانقلاب على محمد مرسي.

أما في تونس والمغرب فإن التجربتين مازالتا مستمرتين وذلك لأن القيادات الإسلامية قبلت الديمقراطية بصورتها الغربية، ليس هذا فحسب بل قدمت تنازلات في مجال علاقة الإسلام بالديمقراطية، فقد قرر راشد الغنوشي في تونس أنه لا تعارض بين العلمانية والإسلام، وكان ذلك في مقال له نشره في ( الجزيرة نت) بتاريخ 13/11/2008، بعنوان ” الإسلام والعلمانية”.

كما عقد راشد الغنوشي المؤتمر العاشر لحزب حركة النهضة برئاسته في 20/5/2016، وطرح عدة أمور في هذا المؤتمر، وكان من الواضح أن كل القرارات المتخذة  في المؤتمر السابق جاءت في صورة تنازلات من أجل أن يسهّل تطبيق مبادئ الديمقراطية.

وكذلك فعل سعد الدين العثماني الشيء نفسه في المغرب، فقدم تنازلات في اتجاه قبول مبادئ الديمقراطية، وجاءت في كتاب “الدين والسياسة: تمييز لا فصل” الذي قال فيه: “أن التصرفات السياسية النبوية نفسها نسبية، فمن باب أولى أن تكون التجربة الراشدية كذلك نسبية”(ص،34).

وأعتقد أن هذه التنازلات في البلدين هي تمهيد لتنفيذ مبادئ الديمقراطية، فما هو الأثر الذي سيتركه هذا التطبيق على وحدتنا الثقافية، ووجودنا الاجتماعي، وكياننا الحضاري؟

نسبية الحقيقة:

يصطدم مبدأ نسبية الحقيقة مع النصوص التي تتصف بأنها قطعية الثبوت قطعية الدلالة في القرآن الكريم، وهذه النصوص تتعلق بالله وبالتوحيد والعبادة والأسرة والزواج والطلاق والحدود الخ…، وإن هذا التصادم سيؤدي إلى تدمير الوحدة الثقافية وسيؤدي إلى خلخلة وجود الأمة جميعا.

المادية:

ويعني هذا المبدأ الاعتراف بعالم الشهادة فقط، والتنكر لعالم الغيب، و سيؤدي تطبيق هذا المبدأ إلى تصادم كبير مع كثير من قيمنا التي تقوم على الإيمان بالله الذي هو غيب في ذاته سبحانه وتعالى، وتقوم على الإيمان بالملائكة والجن والشياطين والجنة والنار التي هي غيوب، وسيؤدي إنكارها إلى اضطراب كبير في منظومة الأمة الثقافية، وفي البناء النفسي والعقلي للفرد المسلم.

حرية الفرد المطلقة:

تعطي الديمقراطية الفرد حريته المطلقة في كل مجال: ذاته وماله وتصرفاته و علاقاته وصياغة قيمه وأفكاره، ويمكن أن نضرب مثالا على الحرية غير المقبولة: قرار الأمم  المتحدة الذي أصدرته والذي دعت فيه إلى إعطاءالحرية للفرد بأن يعتبر نفسه أنثى أو ذكرا حسب رغبته. وهذا منتهى التلاعب والاستخفاف بالتنوع البشري الذي يقوم على أساس وجود الذكر والأنثى كحقيقتين أساسيتين متمايزتين في الوجود الإنساني، وأمثال ذلك كثير في تصرفات الإنسان الغربي.

البراغماتية والمصلحة:

اعتبرت مبادئ الديمقراطية أن أي عمل يجب أن يستهدف مصلحة أو منفعة أو لذة، وهذا أمر مشروع ومقبول، ولكن المشكلة أنه إذا تعارضت هذه المصلحة مع الأخلاق، فإن الأصل عندهم هو تقديم المصلحة على الأخلاق وليس من شك بأن هذا أمر غير مقبول في ديننا وقيمنا.

ليس من شك بأن تطبيق مبادئ الديمقراطية في عالمنا العربي سيؤدي  إلى تدمير الوحدة الثقافية نتيجة اعتماد نسبية الحقيقة، وإلى تفكيك للروابط الجماعية التي نحن أحوج ما نكون لها في هذه الفترة نتيجة اعتماد الحرية المطلقة للفرد، وإلى خلخلة في البناء النفسي والمفاهيم في الفرد المسلم نتيجة إلغاء عالم الغيب والإقرار بعالم الشهادة فقط، وإلى اضطراب حياتي وخلقي نتيجة تقديم المصلحة على الأخلاق.

لذلك يجب أن تصر قيادات المنطقة على الآخذ بآليات الديمقراطية: من انتخاب ، ومحاسبة الحاكم، وتداول السلطة وإقرار حرية الرأي الخ… ورفض المبادئ رفضا كليا لأنها ستؤدي إلى تدمير كياننا الثقافي والاجتماعي والجماعي.

من المؤكد أن لدينا ثقة كبيرة بأن أمتنا ستقبر كل محاولة للاخذ بمبادئ الديمقراطية في المرحلة القادمة، كما قبرت النقل الحرفي لمفردات الحداثة في التجربتين السابقتين من الفكر القومي إلى العلمانية إلى الاشتراكية وغيرها من المفردات.

الخلاصة: لقد مر عالمنا بتجربتين حداثيتين سابقتين، وكانت نتائجهما مدمرة على مستوى البناء الثقافي والاجتماعي، وخسارة كبيرة على المستوى السياسي تمثل في قيام اسرائيل عام 1948، وتوسعها عام 1967.

ونحن نعيش –الآن- التجربة الثالثة للحداثة بعد ربيع عام 2011، وتقوم هذه التجربة على اعتماد الديمقرطية، ويريد الغرب منا أن نطبق الديمقراطية بشكل حرفي الآليات والمبادئ، كما هي موجودة عنده، لكن علينا أن نأخذ الآليات، ونترك المبادئ لأنها تتناقض كليا مع مبادئ ديننا، وعلينا أن لا نأخذ الديمقراطية بشكل حرفي لأن الأخذ بها سيؤدي إلى تدمير وجودنا الثقافي والاجتماعي والجماعي.

ظهرت المقالة قراءة في تجارب الحداثة في عالمنا العربي أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/a-reading-about-the-experiences-of-modernity-in-our-arab-world/feed/ 0 1034
قراءة في مقولتي “عصر الانحطاط وعصر النهضة” https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%82%d9%88%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%82%d9%88%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/#respond Wed, 04 Nov 2009 04:03:31 +0000 http://onlinedawa.org/alommah/?p=177 درس بعض الباحثين تاريخ حضارتنا، وقسّموه إلى عدة عصور، هي: عصر نشأة، وعصر ترجمة، وعصر إبداع فكري، ثم عصر جمود وانحطاط، ثم عصر نهضة، وهم اعتبروا العصرين المملوكي والعثماني من عصور الانحطاط، كما اعتبروا أن عصر النهضة يبدأ باحتلال نابليون لمصر عام 1798، وتجسّدت تلك النهضة في إصلاحات محمد علي […]

ظهرت المقالة قراءة في مقولتي “عصر الانحطاط وعصر النهضة” أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
درس بعض الباحثين تاريخ حضارتنا، وقسّموه إلى عدة عصور، هي: عصر نشأة، وعصر ترجمة، وعصر إبداع فكري، ثم عصر جمود وانحطاط، ثم عصر نهضة، وهم اعتبروا العصرين المملوكي والعثماني من عصور الانحطاط، كما اعتبروا أن عصر النهضة يبدأ باحتلال نابليون لمصر عام 1798، وتجسّدت تلك النهضة في إصلاحات محمد علي باشا الذي حكم مصر بين عامي 1805 و1848 وأولاده من بعده، فهل هذا التحقيب والتصنيف صحيح وسليم؟ وما المقصود بالانحطاط والنهضة؟ وما تقويمنا لهذين المصطلحين؟

أطلق بعض الدارسين على الفترة العثمانية عصر انحطاط، ومدّ بعضهم عصر الانحطاط ليشمل الفترة المملوكية وجانبا من العصور العباسية المتأخّرة، فما أبرز مظاهر الانحطاط في رأيهم؟ إن أبرز مظاهر الانحطاط في رأيهم: جمود العقول، وقلّة الإبداع العلمي، والتكرار والاجترار في الإنتاج العلمي.. إلخ. ومن أبرز الذين شرحوا هذه الحالة ونظّروا لها اثنان هما: مالك بن نبي ومحمد عابد الجابري. الأول، في كتبه عن مشكلات الحضارة، والثاني، في كتبه عن العقل العربي.

لقد اعتبر مالك بن نبي أن عوامل التعارض الداخلية في المجتمع الإسلامي بلغت قمتها في نهاية دولة الموحدين، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس بينها صلة مبدعة, لقد طرح مالك بن نبي آراءه عن مشكلات الحضارة في الخمسينيات من هذا القرن، ثم جاء محمد عابد الجابري في الثمانينيات ليطرح دراسته عن العقل العربي في كتابين: الأول عن تكوين العقل العربي، والثاني عن بنية العقل العربي، فماذا جاء فيهما مما له علاقة بموضوع مقالنا وهو انحطاط الأمة وجمودها العقلي والعلمي؟

لقد اعتبر الجابري أن أهم عامل ساهم في تكوين العقل العربي هو عصر التدوين، لأنه الإطار المرجعي الذي يشد إليه جميع فروع الثقافة وينظم مختلف تموجاتها اللاحقة إلى يومنا هذا، فصورة العصر الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي إنما نسجتها خيوط منبثقة من عصر التدوين الذي ابتدأ في العام 143 للهجرة. ثم درس الجابري الأنظمة المعرفية التي شكلت بنية العقل العربي، وأشار إلى أزمته التي نتجت عن تصادم وتداخل الأنظمة المعرفية الثلاثة وهي: البيان والعرفان والبرهان، واعتبر أن شخصية أبي حامد الغزالي تجسد هذا التصادم والتداخل, وتجلى ذلك في أزمته الروحية التي أفقدته توازنه مرتين, والتي تحدث عنها في كتابه “المنقذ من الضلال”.

ثم أشار الجابري إلى لحظتين متمايزتين في العقل العربي: الأولى، تمتد من بدايات عصر التدوين إلى لحظة الغزالي كان العقل العربي فيها فاعلا منتجا. والثانية، ما بعد لحظة الغزالي ابتدأ ما أسماه بالتداخل التلفيقي بين النظم المعرفية الثلاثة وأصبح العقل العربي فيها جامدا.

لكن الدكتور جورج صليبا توصّل في كتاب جديد تحت عنوان “الفكر العلمي العربي: نشأته وتطوره” إلى نتائج مخالفة لما توصّل إليه الكاتبان السابقان، لأنه اتبع منهجية جديدة في دراسة العلوم العربية، وتقوم هذه المنهجية على رصد التطورات العلمية للعلوم العربية وعلى عدم الانطلاق من نظريات مسبقة، وطبق ذلك على علم الفلك فتوصّل إلى أن العصر الذهبي لعلم الفلك العربي هو العصر الذي يطلقون عليه عصر الانحطاط بالنسبة للعلوم العربية بشكل عام، ويشير في هذا الصدد إلى نظريات ابتدعها نصير الدين الطوسي في كتابيه “تحرير المجسطي” الذي ألفه عام 1247م، و”التذكرة في الهيئة” الذي ألفه بعد الكتاب السابق بنحو ثلاث عشرة سنة.

وقد أفرد الطوسي فصلا كاملا للرد على علم الفلك اليوناني ولإقامة هيئته البديلة، وفي أثناء هذا العرض يستخدم الطوسي مرة ثانية النظرية الجديدة التي كان قد اقترحها بشكل مبدئي في كتاب “تحرير المجسطي”، وإذا بهذه النظرية تظهر هي الأخرى بعد حوالي ثلاثة قرون في أعمال كوبرنيك بالذات وبالشكل الذي ظهرت فيه في “تذكرة” الطوسي.

ولم يتوقف الأمر عند الطوسي وحده بل شمل الإبداع في علم الفلك عشرات من الآخرين في القرون التالية وكان من أبرزهم شمس الدين الخفري الذي كان معاصرا لكوبرنيك والذي كان يتحلّى بمقدرة رياضية وبدراية في دور الرياضيات في صياغة العلوم، ندر أن يوجد مثلها في أعمال الذين أتوا قبل القرن السابع عشر الذي تم فيه فعلا تكوين العلم الحديث.

وعند التدقيق نجد أن تقسيم تاريخ حضارتنا إلى فترات: عصر نشأة، وعصر ترجمة، وعصر إبداع فكري، ثم عصر جمود وانحطاط، ثم عصر نهضة، هو تقسيم استشراقي يستلهم دورة الحضارة الغربية، وينطلق من تأكيد مركزيتها، ويعمم حالة العصور الوسطى في الحضارة الغربية التي كانت عصور جمود وانحطاط على العصور الوسطى عندنا التي يجب أن تكون أيضا عصور جمود وانحطاط حسب زعمهم، ولكن النظرة الفاحصة المدقّقة المتبصرة تلغي مثل هذا الحكم وتبيّن أن علم الفلك -على الأقل- لا ينطبق عليه مثل هذا الحكم حسب الدراسة المتبحرة التي قام بها الدكتور صليبا وحسب النتائج الأكيدة التي توصل إليها ودعا في نهايتها إلى تقصي واقع العلوم العربية الأخرى من أجل الوصول إلى نتائج مشابه في عدم جمود العقل العربي.

أما فيما يتعلّق بعصر النهضة فقد اعتبر بعض الدارسين أن نهضة بدأت في مصر في عهد محمد علي باشا (1805–1848)، ودلّلوا على تلك النهضة بالتحديثات التي قام بها في المجالات العسكرية والتعليمية والاقتصادية، ولعب محمد علي باشا دورا أساسيا بارزا في المنطقة سواء مع الخلافة العثمانية أم ضدها، لكن مصر انتهت إلى أن ارتهن اقتصادها للدول الغربية وشركاتها في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، مما ترك المجال لأوسع التدخلات في الشؤون المصرية، وأدى ذلك إلى استعمار مصر في العام 1882م من قبل الإنجليز إلى حين توقيع اتفاقية الجلاء في العام 1954، وهي تعاني الآن ضعفا في الاقتصاد والسياسة والزراعة والصناعة.. إلخ.

وهنا يأتي السؤال: لماذا لم تتحقّق النهضة في مصر؟ لم تتحقّق النهضة لأنها تتولّد بعمليتين مترافقتين، هما: تكنولوجيا غربية، ورؤية فكرية، وبمقدار ما تكون الرؤية الفكرية معمقة في توصيف الحاضر وتشريح الماضي واستشراف المستقبل بمقدار ما تكون النهضة ناجحة وذات أثر مستمر.

وقد غابت النهضة عن تجربة محمد علي باشا بسبب غياب الرؤية الفكرية عنده، مع أنه نقل كثيرا من التكنولوجيا الغربية، وقام بكثير من الإصلاحات الإدارية والزراعية والصناعية والاقتصادية.. إلخ، فلم يكن له أي موقف فكري من الواقع، مع أنه كان مليئا بالإيجابيات والسلبيات التي تحتاج إلى المعالجة على مستويين: الأخذ بالإيجابيات ومعالجة السلبيات، وقد أدى انعدام الرؤية الفكرية عنده إلى انزلاق تجربته إلى التغريب عند حفيده الخديوي إسماعيل الذي اعتبر مصر قطعة من أوروبا، وأخذ بكل مظاهر التغريب، وأدى هذا التوجه إلى إضعاف مصر وخسارة الاستقلال السياسي عندما احتلها الإنجليز عام 1882.

ونحن من أجل توضيح وتأكيد وجهة نظرنا لعملية توليد النهضة يمكن أن نأخذ مثالا على ذلك مما جرى في اليابان، وهو البلد الذي تطلّع إلى النهضة كما تطلّعت مصر لها وفي وقت متقارب، لكن اليابان استطاعت أن تحقّق النهضة في حين أن مصر عجزت عن ذلك، والسبب في ذلك أن اليابان حقّقت الشرطين المطلوبين للنهضة في حين أن مصر حققت واحدا منهما، فلنر كيف سارت الأمور في اليابان.

انطلقت اليابان في منتصف القرن التاسع عشر وحاولت اللحاق بالغرب، وقد جاءت هذه الانطلاقة بعد إنذار وجهته القوات الأميركية بقيادة بيري يوم 14 يوليو/تموز 1853 إلى فتح الموانئ اليابانية أمام الملاحة الدولية، وتم لاحقا توقيع اتفاقيات مذلّة ومجحفة بحق اليابانيين أجبرتهم فيها الولايات المتحدة الأميركية يوم 31 مارس/آذار 1854 على فتح موانئهم لأساطيل الدول الغربية، وجاء رد الفعل الشعبي بإزالة الأسرة الحاكمة آنذاك وهي أسرة توكوغاوا لصالح صعود الحكم الإمبراطوري، ثم طرح الشعب الياباني شعار “المجد للإمبراطور وليطرد البرابرة” ثم اعتلى الحكم إمبراطور صغير السن تسمى باسم الإمبراطور مايجي أي “الإمبراطور المصلح” (1868-1912)، وطرحت القيادة اليابانية آنذاك شعارين يعبران عن المرحلة القادمة خير تعبير، الأول: “جيش قوي ليابان غنية” والثاني: “تقنية غربية وروح يابانية”، وقد جمع الإمبراطور مايجي في حاشيته نخبة متميزة من كبار قادة الرأي في اليابان، بلغت 400 شخصية من ذوي الاتجاهات المتنوعة والمبادئ المتنورة، وقد بدأ حكمه بإعلان مبادئ الإصلاح الخمسة يوم 14 مارس/آذار 1868، وتناولت التأكيد على أولوية المصلحة العامة، وعلى المساواة بين اليابانيين، وعلى ضرورة توحد السلطتين العسكرية والمدنية، وعلى البحث لاكتساب الثقافة والتعليم العصريين في أي مكان في العالم واستخدامهما في بناء ركائز الإمبراطورية اليابانية.

ثم أصبحت اليابان دولة صناعية متقدمة طوال القرن العشرين، ولعبت دورا أساسيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومع أنها دمرت في الحرب العالمية الثانية بشكل كامل، فإنها استطاعت في نهاية القرن العشرين أن تصبح من أكثر الدول تقدما في الابتكارات التكنولوجية والأمور العلمية، وأن تصبح ذات اقتصاد قوي راسخ، وذات مجتمع حيوي فعال.. إلخ.

رأينا -فيما سبق- أن بعض الدارسين أخطؤوا في إطلاق عصر الانحطاط على فترات من تاريخنا، لأن العقل العربي لم يكن في موات كامل كما تصوروا, ولأن دراسة الدكتور صليبا أكدت ذلك وما أحب أن أنبّه إليه وأستدركه أننا عندما نقول: إن الباحثين أخطؤوا عندما أطلقوا عصر الانحطاط على الفترتين المملوكية والعثمانية لا نقصد أن هاتين الفترتين كانت خاليتين من الضعف والأمراض والقصور والفجوات والهنات.. إلخ، بل هناك ضعف وقصور وأمراض.. تحتاج إلى معالجة، وهذا يقتضي منا أن نعالج تلك الأمراض والأخطاء من خلال المنظومة الثقافية للأمّة.

وكذلك رأينا -فيما سبق- أن إطلاق اسم “عصر النهضة” على الفترة التي حكم فيها محمد علي باشا وأسرته من بعده من مصر في القرن التاسع عشر تسمية غير صحيحة، وذلك لأنها لم تمتلك عناصر استحداث النهضة، فاستجلاب التكنولوجيا، وإقامة المصانع، وإجراء بعض الإصلاحات في المجالات الزراعية والاقتصادية.. إلخ، لا تكفي لإقامة نهضة، بل لا بد من عنصر آخر، هو عنصر الرؤية الفكرية للواقع.

وهذه الرؤية هي التي تشرّح الواقع على ضوء المنظومة الثقافية للأمة، وتعيد النظر والترتيب والتصنيف والفرز في كل معطيات هذا الواقع من أجل الخلوص إلى إبقاء ما هو نافع وسليم وإبعاد ما هو غير نافع وسليم على ضوء معايير مرتبطة بالمنظومة الثقافية للأمة، وهو ما لم يقم به محمد علي باشا وأسرته على مدى قرن مما أدى إلى انزلاق تجربته في هوّة التغريب على يد إسماعيل باشا الذي اعتبر مصر قطعة من أوروبا، وأدّى إلى ارتهان مصر لأوروبا في المرحلة الأولى، ثم إلى استعمارها عام 1882 في المرحلة الثانية، في حين أن النهضة نجحت في بلد آخر هو اليابان بسبب أن قيادتها حقّقت الشرطين اللذين تحتاجهما النهضة وهما: التكنولوجيا الغربية، والرؤية الفكرية.

ظهرت المقالة قراءة في مقولتي “عصر الانحطاط وعصر النهضة” أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%82%d9%88%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/feed/ 0 177
قراءة في نهضتي مصر واليابان في القرن التاسع عشر https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d9%86/#respond Sat, 17 Mar 2007 02:36:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2622 اعتبر بعض الدارسين أن نهضة بدأت في مصر في عهد محمد علي باشا (1805– 1848)، ودلّلوا على تلك النهضة بالتحديثات التي قام بها في المجالات العسكرية والتعليمية والاقتصادية، ففي المجال العسكري شكل محمد علي باشا جيشاً من أبناء الفلاحين ، وبشكل خاص من سكان بلاد النوبة، وقدَم الفرنسيون الدعم المباشر […]

ظهرت المقالة قراءة في نهضتي مصر واليابان في القرن التاسع عشر أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
اعتبر بعض الدارسين أن نهضة بدأت في مصر في عهد محمد علي باشا (1805– 1848)، ودلّلوا على تلك النهضة بالتحديثات التي قام بها في المجالات العسكرية والتعليمية والاقتصادية، ففي المجال العسكري شكل محمد علي باشا جيشاً من أبناء الفلاحين ، وبشكل خاص من سكان بلاد النوبة، وقدَم الفرنسيون الدعم المباشر من سلاح ومدربين، ونمت أعداد الجيش في العقد الثالث من القرن التاسع عشر ، وبنى محمد علي باشا مدرسة لقيادة الأركان، ومدرسة للموسيقى العسكرية، ومدارس للمجندين ، ومدرسة للفروسية ، ومدرسة للهندسة العسكرية وغيرها، وخاض الجيش عدة معارك منها: التصدي للحملة البريطانية على مصر 1807 ، وإيقاع مجزرة القلعة في المماليك 1811، وإرسال حملة عسكرية ضد الحركة الوهابية في الجزيرة العربية 1811، وتوجيه حملات عسكرية إلى السودان والنوبة وكريت 1821، وتوجيه حملة عسكرية على بلاد الشام (1831-1840)، واحتلال الجيش المصري للأناضول وتوقيع صلح كوتاهية 1833، وإنزال هزيمة بالجيش العثماني 1839، وتوقيع معاهدة لندن والانسحاب المصري من بلاد الشام 1840.

        وفي المجال الاقتصادي ألغى محمد علي باشا نظام الالتزام والضرائب منذ 1809 ، وأنجز المسح الزراعي الشامل لكل الأراضي المصرية 1813، كما أجرى المسح السكاني 1814 وبيّن هذا المسح أن عدد سكان مصر لم يكن يزيد على 3.5 مليون، وحفر ترعة المحمودية 1819، وأدخل زراعة القطن الطويل التيلة إلى مصر 1820، وقامت سياسته الاقتصادية على ركيزتين: تأسيس صناعة حديثة مع تطوير بعض الحرف القديمة لإنتاج سلع قادرة على منافسة السلع الأجنبية، واحتكار الدولة للتجارة إلخ…

وفي مجال التعليم أرسل محمد علي باشا أول بعثة علمية إلى أوروبا عام 1818 وضمت أربعين طالباً ، وكذلك اهتم محمد علي باشا ببناء المدارس العصرية في مصر والتي بلغ عددها قرابة الخمسين مدرسة تضم ما يزيد على 5500 طالب العام 1838 ، وأسس مطبعة بولاق الشهيرة عام 1821، ولعبت دوراً أساسياً في نشر الكتب بالعربية والتركية والفارسية بالإضافة إلى الكتب المترجمة عن الفرنسية والإنجليزية إلخ…

        وفي اليابان انطلقت في منتصف القرن التاسع عشر نهضة موازية حاولت اللحاق بالغرب ، وقد جاءت هذه النهضة بعد إنذار وجهته القوات الأمريكية بقيادة بيري في 14 يوليو 1853 إلى فتح الموانئ اليابانية أمام الملاحة الدولية، وتم لاحقاً توقيع اتفاقيات مذلّة ومجحفة بحق اليابانيين أجبرتهم فيها الولايات المتحدة الأمريكية في 31 آذار (مارس) 1854 على فتح موانئهم لأساطيل الدول الغربية ، وجاء رد الفعل الشعبي بإزالة الأسرة الحاكمة آنذاك وهي أسرة توكوغاوا لصالح صعود الحكم الإمبراطوري، ثم طرح الشعب الياباني شعار “المجد للإمبراطور وليطرد البرابرة”، ثم اعتلى الحكم إمبراطور صغير السن تسمى باسم الإمبراطور مايجي أي “الإمبراطور المصلح” 1868-1912، وطرح المجتمع الياباني آنذاك شعارين يعبران عن المرحلة القادمة خير تعبير، الأول: “جيش قوي ليابان غنية” والثاني: “تقنية غربية وروح يابانية”، وقد جمع الإمبراطور مايجي في حاشيته نخبة متميزة من كبار قادة الرأي في اليابان، بلغت (400) شخصية من ذوى الاتجاهات المتنوعة والمبادئ المتنورة، وقد بدأ حكمه بإعلان مبادئ الإصلاح الخمسة في 14 مارس 1868، وتناولت التأكيد على أولوية المصلحة العامة، وعلى المساواة بين اليابانيين، وعلى ضرورة توحد السلطتين العسكرية والمدنية، وعلى البحث لاكتساب الثقافة والتعليم العصريين في أي مكان في العالم واستخدامهما في بناء ركائز الإمبراطورية اليابانية.

        ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور مايجي اتخذ عدة قرارات لتحقيق تلك المبادئ أبرزها إلغاء بعض الأنظمة القديمة التي كانت تعيق تحقيق الوحدة والمساواة بين أبناء الشعب الياباني منها: نظام الساموراي ، ونظام الانقسام العائلي ، ونظام الطبقات المنبوذة، وقد أقرّ في المقابل عدداً من القوانين والقرارات التي تدفع اليابان باتجاه التحديث والمحافظة على خصوصية اليابان وتقاليده العتيدة ، كذلك اتخذ الإمبراطور خطوات عملية في إنشاء الجيش وتدريبه ، وفي الإصلاح الزراعي ، وفي إصلاح التعليم ، وإرسال البعثات التعليمية إلى كل دول أوروبا وأمريكا وجلب الخبراء لمختلف الوزارات إلخ…  

        تلك كانت البدايات لما يسميه الدارسون النهضتين: المصرية واليابانية، فماذا كانت النهايات؟ واضح أن النهاية كانت سعيدة في نهضة وهي النهضة اليابانية ، وكانت حزينة وفاشلة في نهضة وهي النهضة المصرية، إذ أصبحت اليابان دولة صناعية متقدمة طوال القرن العشرين ، ولعبت طرفاً أساسياً في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومع أنها تدمرت في الحرب العالمية الثانية بشكل كامل ، وبخاصة عندما جرّبت أمريكا السلاح الذري لأول مرة في مواجهة اليابان، وأسقطت قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي، ومع ذلك وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية استطاعت اليابان أن تعود إلى لملمة جراحاتها وبناء نفسها، فاستطاعت في نهاية القرن العشرين أن تصبح من أكثر الدول تقدماً في الابتكارات التكنولوجية، والأمور العلمية، وأن تصبح ذات اقتصاد قوي راسخ، وذات مجتمع حيوي فعال إلخ…

        كيف جرت الأمور على الطرف الآخر وهي النهضة المصرية؟ كيف كانت النهاية؟ لقد كانت النهاية حزينة كما قلنا ، فقد استطاع محمد علي باشا أن يبني دولة ذات جيش قوي واقتصاد قوي وإدارة حديثة ومنظمة إلخ…، ولعب محمد علي باشا دوراً أساسياً بارزاً في المنطقة سواء مع الخلافة العثمانية أم ضدها ، لكن مصر انتهت إلى أن ارتهن اقتصادها للدول الغربية وشركاتها في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، مما ترك المجال لأوسع التدخلات في الشؤون المصرية وغياب الاستقلال الاقتصادي، ثم غياب الاستقلال السياسي، وأدى ذلك إلى استعمار مصر في عام 1882م من قبل الإنجليز ، وقد استمر هذا الاستعمار يدير شؤون مصر السياسية والاقتصادية، ويوجه شؤونها التعليمية والإدارية بشكل مباشر وغير مباشر إلى حين توقيع اتفاقية الجلاء في عام 1954، وهي تعاني الآن ضعفاً في الاقتصاد، واضطراباً في السياسة بالمقارنة مع اليابان. وهنا يأتي التساؤل: لماذا حدثت نهضة في اليابان وتعثرت في مصر؟ لماذا كانت النتيجتان مختلفتين؟ وهناك سؤال آخر: كيف تقوم النهضة وتتولد؟

تقوم النهضة وتتولد بعمليتين مترافقتين هما: إجراءات عملية ورؤية فكرية، بمقدار ما تكون الرؤية الفكرية معمقة في توصيف الحاضر وتشريح الماضي واستشراف المستقبل بمقدار ما تكون النهضة ناجحة وذات أثر مستمر، وهذا ما حدث في أوروبا التي ترافقت نهضتها مع عصر الأنوار الذي قوّم الأزمة القائمة بين أقوال رجال الكنيسة وأقوال رجال العلم، كما اتضح له الخطأ في توجهات الرهبنة القائمة آنذاك والتي تنبذ الدنيا نهائياً،  والخطأ في موقف الكنيسة من المرأة واحتقارها، كما تبين له خطأ العلاقة بين الحاكم والمحكوم والتي تقوم على الاستبداد إلخ… كل ذلك دفع أوروبا إلى نهضة تقوم على العقلانية واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية إلخ… وكذلك قامت نهضة في اليابان لأنه كانت هناك رؤية فكرية للواقع القائم: تقبل بعضه وترفض الآخر، وقد ذكرنا جانباً من هذه الرؤية التي طرحها الإمبراطور مايجي في مبادئ الإصلاح، وفي الموقف من الطبقات والسلطات والتكنولوجيا الغربية وعوامل الوحدة في الشعب الياباني إلخ… وقد غابت النهضة عن تجربة محمد علي باشا بسبب غياب الرؤية الفكرية عنده، فلم يكن له أي موقف فكري من الواقع، مع أنه كان مليئاً بالإيجابيات والسلبيات التي تحتاج إلى المعالجة على مستويين: الأخذ بالإيجابيات ومعالجة السلبيات، وقد أدى انعدام الرؤية الفكرية عنده إلى انزلاق تجربته إلى التغريب عند حفيده الخديوي إسماعيل الذي اعتبر مصر قطعة من أوروبا، وأخذ بكل مظاهر التغريب، وأدى هذا التوجه إلى إضعاف مصر وخسارة الاستقلال السياسي عندما احتلها الإنجليز عام 1882.

والسؤال الآن: بماذا نفسّر – إذن – كل هذه الإصلاحات التي قام بها محمد علي باشا في مصر في المجالات العسكرية والعلمية والتربوية والزراعية والصناعية؟ إن التعليل بسيط وسهل ، فقد كان محمد علي باشا قائداً ذا تطلعات شخصية يريد أن يبني له ولأسرته من بعده دولة خاصة، وقد كان له سابقون في مصر وجوارها من مثل: علي بك الكبير، والجزار في عكا إلخ…، لذلك بنى مصر عسكرياً واقتصادياً وزراعياً وصناعياً من أجل أن يحقق طموحاته الفردية، وقد استفاد من ميزان القوى العالمي آنذاك من أجل الوصول إلى تحقيق ذلك، فعاونته فرنسا فترة من الزمن، وساعدته على بناء جيشه ومصانعه الحربية، واستفادت من ذلك، لكنها توقفت عند حد معين لأن ميزان القوى الدولية لم يعد يسمح لها بذلك، فاضطرت إلى التخلي عنه في مرحلة تالية.      

ظهرت المقالة قراءة في نهضتي مصر واليابان في القرن التاسع عشر أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d9%86/feed/ 0 2622
مسيرة النهضة العربية: مصر نموذجًا https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/#respond Tue, 23 May 2006 03:36:00 +0000 http://onlinedawa.org/alommah/?p=144 تتطلّع المنطقة إلى النهضة منذ قرن أو يزيد، لكنّ النهضة لم تتحقّق ليس هذا فحسب، بل زاد حجم التأخّر والضعف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية إلخ…. ونحن من أجل رصد ظاهرة النهضة بشكل دقيق، ومن أجل التوصّل إلى نتائج محدّدة في عدم تحقّقها، سنأخذ مصر كنموذج تطلّع إلى النهضة، […]

ظهرت المقالة مسيرة النهضة العربية: مصر نموذجًا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
تتطلّع المنطقة إلى النهضة منذ قرن أو يزيد، لكنّ النهضة لم تتحقّق ليس هذا فحسب، بل زاد حجم التأخّر والضعف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية إلخ….

ونحن من أجل رصد ظاهرة النهضة بشكل دقيق، ومن أجل التوصّل إلى نتائج محدّدة في عدم تحقّقها، سنأخذ مصر كنموذج تطلّع إلى النهضة، وعايشها، واحتكّ بالغرب في مرحلة مبكّرة منذ مجيء نابليون إلى مصر واحتلالها عام 1799م.

ثم قاد محمد علي باشا تجربة تحديث مصر بعد أن استولى على الحكم في عام 1805م، فأنشأ جيشاً قوياً، وأرسل البعثات إلى فرنسا، وفتح المدارس، واهتمّ بالزراعة والصناعة، ثم جاء الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882م ليزيد فرصة احتكاك مصر بالحضارة الغربية.

ثم حدثت الانعطافات الجذرية في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، لتصبح القومية المصرية هي الرابط بين الناس، وقامت ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول معبّرة عن ذلك، لكن هل هناك أمّة مصريّة على أرض الواقع؟ ومن أين جاءت هذه المقولة؟

لقد جاءت هذه المقولة من قياس مصر على فرنسا، وإسقاط الوضع الجغرافي لفرنسا على مصر، فلمّا كان العامل الجغرافي هو العامل الحاسم في نشوء الأمّة الفرنسية، وكان العامل الجغرافي من مثل النيل والصحارى المحيطة بها ذات أثر كبير في حياة الشعب المصري، كان القول بالأمّة المصرية على غرار الأمّة الفرنسية.

لكن هل يستطيع العامل الجغرافي أن يفسّر الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للشعب المصري في مطلع القرن العشرين كما فسّرها لدى فرنسا؟

لا أظنّ ذلك بحال من الأحوال، بل لابدّ من إضافة العامل الديني لتفسير كل الأبعاد السابقة لدى الشعب المصري، كما أنّ مصر لم تبق منعزلة عن محيطها كأمّة مستقلّة، بل ساهمت في خطوات معاكسة للتأصيل المصري الفرعوني الذي قامت عليه بعد الحرب العالمية الأولى.

وشاركت في إنشاء الجامعة العربية عام 1945م، وأصبحت القاهرة مقرّها الرئيسي، ثم شاركت مصر في حرب فلسطين عام 1948م. وكانت هاتان المساهمتان ردّاً عملياً على دعوى فرعونية مصر وإقراراً بارتباط مصر بمحيطها العربي والإسلامي، ثم جاء انقلاب عام 1952م ليرسّخ هذا الارتباط، وليلغي كل المقولات السابقة حول الدعاوي الفرعونية، وليبرز أنّ مصر جزء من الأمّة العربية وليرسّخ ذلك في أول دستور أقرّته الثورة بعد عام 1952م.

كذلك مرّت مصر بمرحلة ليبرالية رأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى، فما صورة هذه المرحلة؟ وكيف تشكّلت؟

لقد اعتمدت مصر النظام البرلماني بعد الحرب العالمية الأولى، وأقرّت دستوراً عام 1923م، وقد تضمّن ذلك الدستور تكوين الأحزاب، وإقرار الحرّيات العامة، وإصدار الصحف، وإجراء الانتخابات إلخ…

ونشأت رأسمالية محلية مرتبطة بالرأسمالية المركزية في أوروبا، وقامت على البنوك الربوية وحرية التجارة، والارتباط بالسوق العالمي إلخ…

وكان الأساس الذي قام عليه هذا النقل للجانبين الرأسمالي والليبرالي من الحضارة الأوروبية القول بأنّ مصر جزء من أوروبا كما قال الخديوي اسماعيل، أو أنّ مصر جزء من البحر المتوسّط ومرتبطة بالغرب وأن العقل المصري لم يكن شرقياً في أيّ وقت من الأوقات، بل كان غربياً باستمرار كما قال طه حسين.

ثم انهارت التجربة الليبرالية بعد انقلاب عام 1952م، ولم تترسّخ أيّة قِيَم ليبرالية في الحياة المصرية، وجاء نظام مغاير رسّخ قيماً ديكتاتورية جديدة والسبب في ذلك أنّ التجربة الليبرالية بنيت على خطأين:

الأول: بأنّ مصر جزء من أوروبا، وهذا ليس صحيحاً بحال من الأحوال ولا حاجة لمناقشته. الثاني: النقل الحرفي للتجربة الأوروبية في المجال الليبرالي الرأسمالي دون النظر إلى الواقع المصري، وعدم الانطلاق من الحاجات المصرية والاستفادة من الآليّات الليبرالية، وعدم الإبداع في المواءمة بين المجتمع المصري والتجربة الليبرالية.

ثم تبنّت مصر الفكر القومي العربي في الخمسينات، وجعلت هدفاً رئيسياً لها إقامة الوحدة العربية، وكان عماد هذه المرحلة أيضاً القياس والمشابهة مع بعض التجارب الأوروبية في القومية وفي الوحدة وبالذات ألمانيا.

وليس من شكّ بأنّ قيام الوحدة العربية حلم جميل، ولكنّ الحلم والمشابهة لا يكفي لتحقيق الوحدة بل لابدّ من الانطلاق من المواقع لإقامة هذه الوحدة.

والآن: كيف حاول الفكر القومي العربي نقل التجربة الألمانية حرفياً؟ وكيف قاس الفكر القومي العربي القضية العربية على القضية الألمانية؟

لقد كانت ألمانيا مجزّأة ومقسّمة إلى عشرات المقاطعات والولايات في القرن التاسع عشر، لكنها أمّة واحدة لأنها تملك لغة واحدة وتاريخاً واحداً حسب النظرية القومية الألمانية، ثم ساعدها ذلك على إقامة الوحدة الألمانية أمران:

الأول: وجود القطر-القاعدة التي كانت أساساً لإقامة هذه الوحدة وهي بروسيا أكبر المقاطعات الألمانية.

الثاني: وجود شخصية قيادية تتحمّل مسؤولية التوحيد، وهي (بسمارك) الذي قاد ألمانيا إلى التوحيد.

وقياساً على ألمانيا فإنّ مصر أو العراق يمكن أن يكون القطر-القاعدة التي تكوّن نواة للوحدة العربية، وإنّ جمال عبد الناصر أو صدّام حسين يمكن أن يكون بسمارك العرب.

وبالفعل قامت وحدة عربية بين مصر وسورية عام 1958م، لكنها انتهت بعد ثلاثة أعوام في عام 1961م.

وكذلك قام بسمارك العرب صدّام حسين بغزو الكويت عام 1990م ليطرد منها عام 1991م ثم قامت بعض الصيغ الاتحادية في الغرب والشرق عام 1989م لكنها عادت وانهارت.

وها قد مرّ قرن كامل على ترديد شعار الوحدة، ولم تتحقّق أيّة وحدة حتى الآن، والسبب في ذلك ليس أنّ الوحدة مستحيلة لكن لأنّ النقل الحرفي للتجارب لا يكفي لإقامة هذه الوحدة، بل لابدّ من فهم الواقع، وإدراك العوامل التي تجمع الأمّة، والعمل على تقويتها وإنمائها، وإضعاف العوامل المضادة للوحدة.

ثم مرّت مصر بمرحلة اشتراكية في الستينات في مصر، واعتبر الدارسون بناء على التشخيص الماركسي للتاريخ أنّ هناك طبقة مستغلّة هي الطبقة البرجوازية، وأنّ هناك طبقة مسحوقة هي طبقة البروليتاريا، وأنّ هناك صراعاً طبقياً، ويجب أن تحكم البروليتاريا، وتعزل الطبقة البرجوازية.

لذلك اتجهت الحكومة المصرية بناء على تلك المعطيات الماركسية إلى تأميم كل القطاع الخاص في الستينات، وإلى محاربة الدين واعتباره عاملاً من عوامل ترسيخ الرجعية والخرافة والتأخّر والانحطاط ويمكّن الطبقة البرجوازية من التحكّم في المجتمع والدولة.

وقد جاءت كل تلك المقولات من خلال مشابهة وضع مصر الاقتصادي ومقايسته على وضع الدول الأوروبية، ومن خلال إسقاط أوضاع أوروبا على أوضاع مصر.

لقد أدّى مثل هذا النقل الحرفي في التحليل الطبقي إلى نتائج كارثية على مستوى الاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ…، وقد تجلّى ذلك في نكبة حزيران عام 1967م، وفي تدمير الاقتصاد المصري، وفي ازدياد مساحة الفقر، وتراكم الديون، وضياع الاحتياط النقدي إلخ…

مع أنّ هناك فسحة في التحليل الماركسي للأوضاع الطبقية والاقتصادية في العالم، فقد اعتبر ماركس ذاته أنّ هناك نمطاً أسيوياً للإنتاج يختلف عن تطوّر أوروبا الاقتصادي الذي درسه ماركس بالتفصيل والذي وضع على أساس دراسته نظريّته في الصراع الطبقي وفي ضرورة وصول البروليتاريا إلى الحكم.

لكن الرغبة في المشابهة والمقايسة، والنقل الحرفي للأحكام، واختفاء الإبداع في المواءمة بين الواقع والنصوص  هو الذي جعل الاشتراكيين والماركسيين العرب لا يستفيدون من تلك الفسحة مع أنه يفترض أن يكون الواقع هو الأصل في التحليل والدراسة وبناء الأحكام وفي تلمّس الحاجات.

الخلاصة: لقد تعثّرت النهضة على مدار القرنين الماضيين لعدّة أسباب لكنّ أبرزها هو النقل الحرفي لتجارب الغرب وإسقاطها على مصر، وعدم الاجتهاد في المواءمة بين الواقع وبين تجارب الغرب، وعدم الإبداع في هذه المواءمة.

ظهرت المقالة مسيرة النهضة العربية: مصر نموذجًا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/feed/ 0 144
عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/#respond Thu, 24 Mar 2005 17:11:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2193 تأرجح موقف النهضة من الدين بين التوفيق والإقصاء فكان الموقف التوفيقي بين الدين والحضارة الغربية في القرن التاسع عشر، ثم أصبح الموقف إقصاء الدين في القرن العشرين على يد الفكر القومي والاشتراكي، ودفعت الأمّة ثمناً غالياً لهذا الموقف من جهودها وأوقاتها وأموالها وأبنائها إلخ…، والأهمّ من ذلك أنّ النهضة لم […]

ظهرت المقالة عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
تأرجح موقف النهضة من الدين بين التوفيق والإقصاء فكان الموقف التوفيقي بين الدين والحضارة الغربية في القرن التاسع عشر، ثم أصبح الموقف إقصاء الدين في القرن العشرين على يد الفكر القومي والاشتراكي، ودفعت الأمّة ثمناً غالياً لهذا الموقف من جهودها وأوقاتها وأموالها وأبنائها إلخ…، والأهمّ من ذلك أنّ النهضة لم تتحقّق في الأمّة، وأننا لم نسر في الاتجاه الصحيح.

وفي القرن الحادي والعشرين بدأت الحرب على الدين ساخنة بشكل غير طبيعي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001م، فهل ستنجح هذه الحرب في إقامة النهضة من خلال إقصاء الدين وإبعاده؟ 

هذا ما حاولت الإجابة عليه من خلال مقال نشرته في جريدة “الحياة” بتاريخ 24 آذار (مارس) 2005/ في صفحة “أفكار” تحت عنوان “عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر” أُعيد نشره في هذا الموقع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر

تأرجح الموقف من الدين الإسلامي عند دعاة النهضة خلال القرن الماضي بين موقفين:

الأول: اعتبر أنّ الدين لا يحول بين المسلمين وبين النهضة وأنّ المشكلة تكمن في نقل التنظيمات الغربية، وفي فتح باب الاجتهاد، وفي المواءمة والتوفيق بين المعطيات الشرعية ومعطيات الحضارة الغربية.

الثاني: يعتبر أنّ الدين الإسلامي يحول بين المسلمين وبين النهضة لذلك يجب عزله وتجاوزه وتأويل المتعارض منه بما يتفق مع معاني الحضارة الغربية.

        وانطلق أتباع الموقف الثاني من المشابهة بين أوروبا والعالم الإسلامي، فأوروبا نهضت عندما نبذت الدين وعزلته في الكنيسة، ومنعته من أن يتدخّل في شؤون الحياة، وحصرته في زاوية العبادة الشخصية، وكذلك على المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه من أجل النهضة والانبعاث والارتقاء وامتلاك الحضارة، فعليهم أن يحصروا الدين في المسجد، ويجعلوه منظّماً لعلاقة الفرد بربه فحسب.  ناسين أنّ الذي جعل أوروبا تنبذ الدين هو تعرّض المجتمع الأوروبي لأزمات وجودية بنيوية ظهرت في أمرين:

الأول: تعارض الدين مع العقل عندما غالطت الكنيسة الحقائق العلمية من مثل دوران الأرض حول الشمس، وأفتت بكفر القائلين بتلك الحقائق.

الثاني: تعارض الدين مع الفطرة عندما احتقرت الكنيسة الدنيا والشهوات، واعتبرت أنّ الخلاص يكون بنبذ الدنيا وقتل الشهوات، واعتبرت أنّ العلاقة الجنسية مع المرأة نجس، وأن الفوز بالآخرة يكون بالابتعاد عن الشهوات والإقلاع عن الزواج والدخول في عالم الرهبنة.

        لكن هل هذه المشابهة والمقاربة بين أوروبا والعالم الإسلامي صحيحة؟ لا أظنّ ذلك، لأنّ الوقائع التاريخية تشير إلى أننا لم نعان مثل تلك الأزمتين الوجوديتين البنيويتين وإنما هما خاصتان بالغرب، لذلك فإنّ سحب نتائجهما على الدين الإسلامي توسيع خاطئ.

        برز الموقف الأول خلال القرن التاسع عشر وقامت قيادات في اسطنبول ومصر وتونس بالتوفيق والمزاوجة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، فأصدر السلطان العثماني خط كلخانة عام 1938م والخط الهمايوني الشريف عام 1856م، وقد دعا الخطان إلى الإقرار بحقوق الإنسان، وإلى العمل بالحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، وإلى المساواة بين الطوائف، وتنفيذ حق المواطنة لجميع الأفراد في الخلافة العثمانية إلخ…، كما أصدر السلطان دستوراً  للخلافة العثمانية عام 1876م وأجرى انتخابات على أثره في كل أنحاء الخلافة، وتكوّن مجلس المبعوثان الذي كان بمثابة برلمان للخلافة إلخ…، وأصدر الخديوي في مصر قرارات مشابهة لما عمله السلطان في الآستانة، فأصدر قراراً بتشكيل مجلس شورى القوانين، وأرسل البعثات التعليمية إلى فرنسا، وأقرّ تعليم البنات، وطوّر الجيش المصري وزوّده بأحدث الأسلحة إلخ…، وأصدر الباي في تونس عهد الأمان في عام 1857م، وكان مقدمة لإصدار الدستور في عام 1861م، ولإنشاء مؤسسات من مثل: مجلس الجنايات والأحكام العرفية، ومجلس التحقيق، ومجلس الشورى.

        لكنّ الموقف من الدين تغيّر في القرن العشرين، وأصبح الموقف الثاني هو الغالب، وراجت مقولاته التي تعتبر أنّ الدين هو العقبة أمام النهضة، وهو السبب في التأخّر والتخلّف، وترافق ذلك مع سيادة الفكر القومي بشقيه: التركي والعربي بعد الحرب العالمية الأولى، أما في المجال القومي التركي فاعتبر كمال أتاتورك أنّ الأمّة التركية أمّة طورانية، وأنّ الإسلام طارئ عليها، وأنّ عليها أن تفرز روابطها العرقية مع الأتراك في شرق أوروبا، وأنّ عليها أن تنبز الدين الإسلامي لتدخل عالم الحضارة والحداثة، لذلك ألغى الخلافة العثمانية، وفصل الدين عن الدولة، وألغى التشريعات الإسلامية، وألغى الحجاب، وفرض اللباس الغربي والبرنيطة، وأعلن الأذان باللغة التركية إلخ…

        أمّا في المجال القومي العربي فقد قامت بعد الحرب العالمية الأولى دول قومية عربية في العراق وسورية والأردن وفلسطين واعتبرت هذه الدول أنها أجزاء من أمّة عربية تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، وليس الدين عاملاً في تشكيل هذه الأمّة، لذلك اتجهت الحكومات الوطنية في هذه الدول إلى بناء الإنسان والإدارة والاقتصاد والجيش والمجتمع والفنون والتربية بمعزل عن الدين وتوجيهاته وأحكامه لأنّ الدول القومية والوطنية في الغرب لا تعطي دوراً للدين، ويمكن أن نسحب الحكم السابق على الدولة المصرية التي اعتمدت نوعاً آخر من القومية تقوم على البعد الجغرافي وهي القومية المصرية الفرعونية، لكنها تعاملت مع الدين بنفس طريقة تعامل الدولة القومية العربية.

        ساد الفكر الاشتراكي في المنطقة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وعزّز الموقف الثاني في معاداة الدين، واعتبر الدين الإسلامي الأصل في التخلّف لأنه يخدّر الطبقات الفقيرة ويبعدها عن وعي واقعها بترويج الأوهام الغيبية من جنة ونار وملكوت أخروي، واعتبر أنّ طبقة رجال الدين منحازة إلى الأغنياء و الملاّك، وأنّ الفكر الديني مناقض للفكر العلمي إلخ… لذلك دعا إلى استئصال الدين الإسلامي من وعي الناس وحياتهم، وكانت تلك الدعوة ذروة الامتداد للتيار الثاني، فماذا كانت نتيجة المزاوجة بين التيارين القومي والاشتراكي؟ وماذا كانت نتيجة الدعوات إلى استئصال الدين الإسلامي من كيان المجتمع؟ كانت النتيجة فشل هذين التيارين وانبثاق الصحوة الإسلامية في السبعينات، والمناداة بتمكين الإسلام في حياة الناس، وبرزت عدّة مظاهر إسلامية منها: العودة إلى الحجاب، وازدحام المساجد بالمصلّين، وانبثاق ظاهرة البنوك الإسلامية، ورواج الكتاب الإسلامي، وسيطرة الإسلاميين على بعض الاتحادات الطلابية والمهنية والنقابية، وفوز الإسلاميين بنسبة جيدة من المقاعد البرلمانية في بعض الدول العربية إلخ…

        لكننا نرى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م انبعاثاً جديداً لمقولات الموقف الثاني، ومن الدين الإسلامي، وحياة جديدة لها، لكنها أضافت لها مقولات أخرى من مثل أنّ الدين الإسلامي هو سبب الإرهاب، وأنه مضاد للتحديث، وأنه يناقض الديمقراطية، وأنّ المجتمعات الإسلامية هي المجتمعات الوحيدة التي لم تتقبّل الحداثة الغربية، وأنها القلعة الوحيدة المتبقّية في العالم والممتنعة عن بركات الحضارة الغربية، وأبرز من طرح تلك المقولات برناردلويس في عدد من الكتب التي ألّفها حول المنطقة العربية والإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر، وكذلك فرانسيس فوكوياما الذي دعا في مقال كتبه في “نيوزويك” إلى فرض العلمانية على العالمين: العربي والإسلامي من أجل إنهاء بؤر التعصّب التي يحفل بها الواقع الإسلامي، والتي فرّخت الإرهاب العالمي.

        ترافق نداء الكاتبين السابقين: برنارد لويس وفرانسيس فوكوياما مع سيل من الكتابات العربية تؤيّد ما قاله الكاتبان الغربيان، وتدعو إلى تجفيف المنابع، وتعديل المناهج، ومراقبة أجهزة الإعلام، وغربلة كتب التاريخ، وتجديد الدين إلخ… فهل ستقوم نهضة في القرن الحادي والعشرين مع استبعاد الدين وعزله؟ أم أنها ستفشل كما فشلت سابقتها في القرن العشرين؟

لا نريد أن نستبق الوقائع والأحداث ونصدر أحكاماً عليها، لكننا ندعو فقط إلى الاستفادة من التجربة السابقة التي امتدّت طوال القرن العشرين وانتهت إلى الفشل وكلّفت الأمّة الكثير من الجهود والأوقات والأموال والدماء والعناء والآلام إلخ…

 

ظهرت المقالة عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/feed/ 0 2193
عن الحرية والأحرار: العراق نموذجاً https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/ https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/#respond Mon, 23 Aug 2004 20:05:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2559 لا شك أنّ الاستبداد مشكلة كبيرة تواجه أمّتنا على مدار القرنين الماضيين، ولكنْ هل الاستبداد مشكلة خارجية أم مشكلة داخلية؟ هل هو واقع موضوعي خارجي؟ أم مشكلة ذاتية داخل الإنسان؟ هل يكفي أن تعطي الدولة الحريات للأفراد، وتمنحهم حق التعبير وحقّ التصويت وحقّ إصدار الصحف ليصبح الأفراد أحراراً؟ هل يكفي […]

ظهرت المقالة عن الحرية والأحرار: العراق نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لا شك أنّ الاستبداد مشكلة كبيرة تواجه أمّتنا على مدار القرنين الماضيين، ولكنْ هل الاستبداد مشكلة خارجية أم مشكلة داخلية؟ هل هو واقع موضوعي خارجي؟ أم مشكلة ذاتية داخل الإنسان؟ هل يكفي أن تعطي الدولة الحريات للأفراد، وتمنحهم حق التعبير وحقّ التصويت وحقّ إصدار الصحف ليصبح الأفراد أحراراً؟ هل يكفي ذلك؟ أم لابدّ إلى جانب ذلك من تنشئة الأفراد على تحمّل المسؤولية، وامتلاء الذات، وحبّ الحرية، والنفور من العبودية، وتخليصهم من أمراض السلبيّة وعدم الفاعلية إلخ…

        ليس من شكّ بأن الاستبداد هو الأمران معاً: ظروف خارجية تكبّل يدي الإنسان وقدميه وتغلق فمه، وحالة نفسية تشلّ إرادته وعقله وتدعوه إلى الاستمتاع بالقيد إلخ…، ويؤكّد ذلك ما حدث مع العبيد في أمريكا، فبعد أن حرّرهم ابراهام لنكولن، ثاروا على محرّريهم وطلبوا العودة إلى حالة العبودية، لأنّ حياتهم في نطاق العبودية أسهل لهم وأيسر عليهم منها في نطاق الحرية، وهذا يدلّنا على أنّ تغيير الظرف الخارجي لا يكفي وحده لتتحقّق الحرية للإنسان، بل لابدّ من تحرير النفسية الداخلية للإنسان ليكون مؤهّلاً للاستمتاع بالحرية والتصرّف كحرّ مستقلّ.

        برزت مشاريع للنهضة في منطقتنا العربية بعد الحرب العالمية الأولى تدعو إلى تحرير المجتمع والإنسان، وإنهاء الاستبداد من حياة المواطنين، وتجسّدت تلك المشاريع في أنظمة ديمقراطية بكل معنى الكلمة، ويمكن أن نمثّل على ذلك بما حدث في العراق وفي مصر، فقد أقرّت الدولة العراقية بعد ثورة العشرين في العراق بحقوق الحريّات الفرديّة، وإنشاء الأحزاب، وإصدار الصحف، واختيار النوّاب إلخ…، وأقامت نظاماً ملكيّاً دستوريّاً، وجعلت الوزارة محاسَبَة من قِبَل البرلمان، واعتمدت نظام الحرية الاقتصادية إلخ…، والمستغرَب أنّ كل هذه الإنجازات والأنظمة أزيلت بسهولة في الستينات، وحلّ مكانها نظام ديكتاتوري بقيادة صدّام حسين، فما السبب في ذلك؟ لاشكّ أنّ هناك عدّة أسباب ولكنّ أبرزها هو أنّ النظام الديمقراطي للعراق كان نظاماً للحرية بدون أحرار، فكان لابدّ من أجل بناء الأحرار من خطوتين: الأولى: معالجة الأمراض الموروثة والتي تؤسّس للاستبداد في البناء النفسي للفرد. الثانية: رسم خطوات من أجل بناء نفسي لفرد حرّ. وفي الحالتين لابدّ من الرجوع إلى الإسلام لأنه من أهم الموارد الثقافية التي تبني الفرد إنْ لم يكن أهمّها على الإطلاق في محيط الأمّة، لكنّنا نجد أنّ الدولة العراقية لم تقم بأيّ من الخطوتين بسبب ايديولوجيا القومية العربية التي رسّخها ساطع الحصري في العراق، والتي استبعدت أيّ دور للدين الإسلامي في إقامة النهضة، مقلّدة أوروبّا في عدائها للكنيسة، متجاهلة الفروق الجذرية بين منهجيّة الإسلام ومنهجيّة الكنيسة. إنّ استبعاد الإسلام هو الذي جعل النهضة في العراق لا تستفيد منه، في معالجة الأمراض الموروثة، ولا تستفيد منه في بناء الأحرار، لذلك تحقّق الشرط الموضوعي والحرية ولم يتحقّق الشرط الذاتي.

        والآن بعد سقوط الديكتاتورية في العراق في التاسع من ابريل “نيسان” عام 2003م، وسعي الجميع إلى بناء مجتمع الحرية يجب الإنتباه إلى الخلل السابق في النهضة، وعدم الاقتصار على بناء نظام للحرة فقط، بل يجب أن نبني نظاماً للحرية مع بناء أفراد أحرار، ولن يكون هذا إلاّ بتجاوز الخطأ السابق في النهضة وهو القفز على الإسلام واستبعاده، لأنه لا يمكن أنْ نبني أفراداً أحراراً دون الاستفادة من حقائقه في معالجة الأمراض الموروثة من الاستبداد من جهة، وفي التأسيس لبناء نفسي لفرد حرّ من جهة ثانية.

ظهرت المقالة عن الحرية والأحرار: العراق نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/feed/ 0 2559
من سقوط القدس إلى سقوط بغداد: هل يمكن أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن نهوض؟ https://www.al-ommah.com/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af/ https://www.al-ommah.com/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af/#respond Mon, 14 Apr 2003 19:09:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2717 دعا “المحافظون الجدد” وأبرزهم ديك تشيني نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ورامسفيلد وزير الدفاع، وكوندليزا رايس مستشارة الأمن القومي في حكومة بوش إلى جعل القرن الحادي والعشرين أمريكياً، كما كان القرن العشرون أمريكياً أيضاً، ومن قبله كان القرن التاسع عشر انكليزياً، والقرن الثامن عشر فرنسياً. وقد تجاوب معهم جورج بوش […]

ظهرت المقالة من سقوط القدس إلى سقوط بغداد: هل يمكن أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن نهوض؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
دعا “المحافظون الجدد” وأبرزهم ديك تشيني نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ورامسفيلد وزير الدفاع، وكوندليزا رايس مستشارة الأمن القومي في حكومة بوش إلى جعل القرن الحادي والعشرين أمريكياً، كما كان القرن العشرون أمريكياً أيضاً، ومن قبله كان القرن التاسع عشر انكليزياً، والقرن الثامن عشر فرنسياً.

وقد تجاوب معهم جورج بوش وتبنّى دعوتهم وسياستهم، وهم من أجل تحقيق استراتيجيتهم تلك وضعوا عدة قواعد، أبرزها: الضربة الاستباقية التي تقوم على عدم انتظار مبادرة الخصم بالاعتداء على أمريكا، بل يجب ضرب الخصم وهو في مرحلة التفكير، وقبل أن يعد عدته وهو ما طبقه “المحافظون الجدد” في عدوانهم على العراق في العشرين من مارس/آذار 2003م.

والآن بعد أن نجح “المحافظون الجدد” في إسقاط النظام العراقي، ونجحوا -بالتالي- في إرساء الخطوة الأولى من أجل جعل القرن الحادي والعشرين أمريكياً، هل نستطيع – نحن – بالمقابل أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن نهوض؟ وما هي الخطوات المطلوبة لنحقق ذلك النهوض؟

        الخطوة الأولى من أجل تحقيق النهوض هي أن نعترف بأن القرن العشرين كان قرن سقوط بالنسبة لأمتنا، بدأ هذا السقوط بسقوط القدس عام 1917م بأيدي القوات الانكليزية، وانتهى بسقوط بغداد عام 2003م بأيدي القوات الأمريكية، وبينهما وقعت النكبة عام 1948م وقامت دولة إسرائيل، ثم حدثت النكسة عام 1967م واحتلت إسرائيل الجولان وسيناء والضفة الغربية، ولم تتحقق الوحدة.

وقامت أنظمة استبدادية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، وبلغت الأمية في نهاية القرن 40٪ في العالم العربي، وتعثر بناء الاقتصاد المستقل، ودخلت كثير من شرائح المجتمع تحت خطر الفقر إلخ… يجب أن نعترف بكل هذا، إن هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى في جعل القرن الحادي والعشرين قرن نهوض، لأن الاعتراف بالسقوط هو الذي يجعلنا نعي خطوات النهوض، ونحددها في القرن الحادي والعشرين.

        بعد هذا الاعتراف من الواجب أن تعيد التيارات الرئيسية في الأمة، ومن ضمنهم تيّاري القوميين والإسلاميين، النظر في كل المفردات التي تداولتها في القرن العشرين في مجال الأهداف والبرامج والوسائل إلخ… وتخضعها للنقد والتمحيص والغربلة لمعرفة موضع الخلل فيها من أجل الولوج في مرحلة جديدة ذات مفردات جديدة تكون مناسبة بشكل أوفى.

        ومن أبرز الملاحظات التي يمكن أن يسجلها الدارس على فترة السقوط السابقة في القرن العشرين، ضعف التحليل في دراسة ظواهر المجتمع العربي الإسلامي، وغلبة نقل الأحكام والمفاهيم والنظريات سواء من الحضارة الغربية أم من تراثنا القديم، وإلصاقها بتلك الظواهر، مما أدى إلى فشل في معالجة الواقع من جهة، وإلى زيادة أمراضه وسلبياته من جهة ثانية، لذلك يجب الاعتماد في القرن الحادي والعشرين على تحليل الظواهر، وتحديد العلاج المناسب لها بناء على هذا التحليل، والابتعاد عن نقل النظريات والمفاهيم والأحكام دون تحليل الواقع وغربلته وتمحيصه.

        ومن العناصر التي يجب إيلاؤها أهمية كبيرة في القرن الحادي والعشرين: الإنسان العربي المسلم، ورصد الأسباب التي يمكن أن تعيد له الفاعلية النفسية والاجتماعية والعقلية، وتضعه في مناخ الإبداع، فقد كان أحد الأسباب الرئيسية للسقوط في القرن العشرين هو عدم إعطائه العناية الكافية في دراسة أوضاعه، وفرز السلبي منها والإيجابي فيها، ومعالجة السلبي وزيادة الإيجابي، بل توجهت الأقلام والأفكار والجهود إلى بناء الدولة القطرية من أجل السيطرة على الإنسان العربي المسلم وكتم أنفاسه، ورصد تحركاته وسكناته.

        وفي كل مراحل بناء النهضة في القرن الحادي والعشرين يجب إعطاء عناصر الوحدة الثقافية في الأمة انتباهاً واهتماماً، ويجب عدم التفريط بها والمحافظة عليها لأنها ستكون رصيداً لأي بناء وحدوي تتجه إليه الأمة في المرحلة القادمة، ونقول ذلك لأن القرن العشرين شهد تفريطاً في عناصر الوحدة الثقافية وتمزيقاً لها، عندما أخدت بعض الحركات بايديولوجيا التغريب في بعض المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية، دون أن تكون هناك ظروف تستدعي ذلك.

        هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه أمتنا بكل شرائحها، أن تجعل القرن الحادي العشرين قرن نهوض بعد أن كان القرن العشرون قرن سقوط، فهل تستجيب لذلك التحدي؟ وهل يمكن أن تحقق ذلك؟ هذا ما نأمله ونرجحه.

ظهرت المقالة من سقوط القدس إلى سقوط بغداد: هل يمكن أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن نهوض؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af/feed/ 0 2717
لماذا لم ننهض؟ https://www.al-ommah.com/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d9%85-%d9%86%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%9f/ https://www.al-ommah.com/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d9%85-%d9%86%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%9f/#respond Tue, 19 Jan 1999 04:51:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2673 إن الأوضاع التي نعيشها، والتردّي الذي نراه، والأزمات الداخلية التي تطحن مجتمعنا، والاضطراب الذي يلف حياتنا، والتمزق الذي يشمل دولنا، والعدو الصهيوني الذي يهدد وجودنا، والضياع الذي يشمل قسماً كبيراً من أبناء أمتنا، والجوع الذي يزحف إلى شعوبنا، والاستعمار الذي يبتز قياداتنا، والتبعية التي استنزفت خيراتنا إلخ… كل ذلك يجعلنا […]

ظهرت المقالة لماذا لم ننهض؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
إن الأوضاع التي نعيشها، والتردّي الذي نراه، والأزمات الداخلية التي تطحن مجتمعنا، والاضطراب الذي يلف حياتنا، والتمزق الذي يشمل دولنا، والعدو الصهيوني الذي يهدد وجودنا، والضياع الذي يشمل قسماً كبيراً من أبناء أمتنا، والجوع الذي يزحف إلى شعوبنا، والاستعمار الذي يبتز قياداتنا، والتبعية التي استنزفت خيراتنا إلخ… كل ذلك يجعلنا نقرر أننا لم ننهض، مع أن مشروع النهوض بدأ قبل حوالي مائتي سنة حسب أقوال منظري الانحطاط والنهوض، والسؤال الذي يترتب على الاعتراف بهذه الحقيقة، هو: لماذا لم ننهض؟ وهذا السؤال يستدعي سؤالاً آخر هو: ما المجال الذي يجب أن نبحث فيه حتى نعثر على جواب السؤال السابق؟

          يقترح بعض الدارسين التاريخ العثماني مجالاً للبحث، ويقترح بعضهم الآخر الانطلاق من مصر في عهد محمد علي باشا وجعلها نموذجاً للمقارنة مع اليابان، ويوجه بعض الدارسين بحثه إلى الجانب الديني من حياتنا الاجتماعية ويحمّل الموروثات الدينية المسؤولية، ولكن الأصوب والأجدى – في تقديري – هو البحث في الفكر القومي العربي الذي قاد مشروع النهضة خلال القرن الماضي، فهو الذي ساد العراق والحجاز وبلاد الشام بعد الحرب العالمية الأولى، وحكم مصر بعد وصول جمال عبدالناصر إلى قيادتها عام 1952م وأبعد الفكر القومي الفرعوني الذي سيطر عليها إثر ثورة 1919م التي قادها سعد زغلول، ثم نشر عبدالناصر بعد ذلك الفكر القومي العربي في كل العالم العربي، وقاد رجالات الفكر القومي العربي الدول العربية، وتبوّأ مفكرو الفكر القومي العربي عرش التنظير لها، وتحكمت نظريات الفكر القومي العربي في تربية الأجيال العربية، وسيطرت شعارات الفكر القومي العربي على أجهزة الإعلام العربية من صحف وإذاعات ومنتديات، وملأ الفكر القومي العربي العقول والقلوب بمعطياته، ووجّه الفكر القومي العربي الفنون والآداب حسب مقولاته إلخ…

          فما الذي استهدفه الفكر القومي العربي الذي ساد المنطقة خلال القرن الماضي وقادها؟ وما وسائله لتحقيق أهدافه؟ وما مدى نجاحه في تحقيق تلك الأهداف؟

          استهدف الفكر القومي العربي تكوين أمة عربية ذات حضارة مستقلة متميزة وكانت أداته في ذلك الفكرة القومية التي اتفقت دراساتها على أن هناك نوعين من العوامل تتداخلان في تشكيل الأمة هما:

          العوامل الموضوعية: وهي اللغة والتاريخ، والجنس الواحد، والإقليم الواحد، والمصالح المشتركة، والآمال الواحدة، والعادات والتقاليد الواحدة، والثقافة الواحدة إلخ…

          العوامل الذاتية: وهو وعي الأفراد بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة تدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية المتميزة (1).

          عندما بدأ الفكر القومي نشاطه في نهاية القرن التاسع عشر اصطدم بأن هناك أمة إسلامية قائمة وكان الجنس العربي لا يعاني أية مشكلة فيها ، بل هو أحد أطرافها الرئيسيين ، لذلك يلحظ الدارس لتاريخية الفكر القومي العربي اختلافاً كبيراً بين أهداف الفكر القومي المطروح في نهاية القرن التاسع عشر وبين أهداف الفكر القومي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية ، فلم يكن تشكيل أمة مستقلة ومنفصلة عن الأمة الإسلامية واضحاً في تلك المرحلة بل أقصى ما كان يطالب به الفكر القومي هو إصلاحات متنوعة ضمن الخلافة العثمانية ، ويدل على ذلك أن المؤتمر العربي المعقود في باريس من 18-23 يونيو/حزيران 1913م تناول مسألتين هما : أولاً : حقوق العرب في الامبراطورية ، وثانياً : الإصلاح الإداري على أساس اللامركزية(2) ، وكانت البيانات التي ألقاها المندوبون للمؤتمر العربي في الأيام الستة والمناقشات التي تلتها تدور حول ضرورة الاصلاح على أساس اللامركزية ، ولم يبحث المؤتمر قضية الانفصال عن العثمانيين ولم يطالب بشيء منه .

          استهدف الفكر القومي العربي بعد سقوط الخلافة العثمانية تكوين أمة عربية، لكنه وجد بأن كل العناصر الموضوعية التي يريد أن يصوغ منها الأمة العربية مرتبطة بالإسلام ارتباطاً وثيقاً، وتدور حوله، وتتغذى منه، فلو أخذنا التاريخ لوجدناه مرتبطاً بمعارك الإسلام مع أعدائه، وبانتصار المسلمين وهزيمتهم، وبقوّة دولة المسلمين وضعفها. ولو أخذنا اللغة العربية لوجدناها أصبحت لغة الأمة الإسلامية والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية ، وأصبحت مرتبطة بالقرآن الكريم فالجهود التي بذلت في وضع قواعد النحو ، وفي تنقيط الحروف العربية وتشكيلها ، وفي وضع أصول معاجم اللغة استهدفت خدمة آيات القرآن الكريم من أن يدخلها التحريف واللحن ، ومن أجل أن تفهم على الوجه الصحيح ، وقد كان معظم الذين قاموا بتلك الجهود والابتكارات من غير العرب وليس لسانهم العربية ، إنما اهتموا باللغة العربية وأفرغوا جهودهم للمحافظة عليها لأنها لغة دينهم وقرآنهم ورسولهم (صلى الله عليه وسلم) (3) . ولو نظرنا إلى عامل الثقافة لوجدناه منوطاً بموازين الإسلام وتوجيهاته وقيمه، ولو دققنا في العادات والتقاليد لوجدناها منبثقة من تعليمات القرآن الكريم وسنّة الرسول (ومن أوامر الإسلام ونواهيه ومن الحلال والحرام اللذين أقرهما الشرع، ولو تفحصنا الفنون لوجدناها مرتبطة بقيم الجمال الإسلامية، ولو دققنا في الآمال المشتركة لوجدناها مرتبطة بحب الإسلام وبالرغبة في صموده وانتصاره وبموالاة المسلمين ومعاداة الكافرين إلخ…

          لقد اتضح لنا من العرض السابق أن الفكر القومي فشل في تشكيل أمة عربية لأن الساحة لم تكن خالية بل هناك أمة إسلامية عريقة متجذرة يعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام ، صحيح أن الأمة الإسلامية فقدت قيادتها السياسية بسقوط الخلافة لكن بقيت جماهير المسلمين مؤمنة بالإسلام ، ملتفة حول قرآنه ، معظمة لرسوله ( صلى الله عليه وسلم)، مرتبطة بتعاليمه ، تابعة لعلمائه ، توّاقة إلى عودة أحكامه ، محبّة لتاريخه ، متعلقة بصحابته ، فرحة بتقدم المسلمين ، حزينة لانكسارهم وتأخرهم إلخ… وقد أدى فشل الفكر القومي في تكوين أمة إلى أننا لم ننهض لأن تكوين أمة هي البداية الحقيقية لأية نهضة ، فقد نهضت إيطاليا وألمانيا عندما كونتا أمة ، وكانت تكوين الأمة بدايتها للانطلاق الحضاري .       

          لقد شغل الفكر القومي العربي المنطقة خلال القرن الماضي بنقل الحضارة الغربية ، وهذا أمر طبيعي لأنه لم يكن يملك أي نموذج تاريخي خاص به في كل مراحله ، فنقل النموذج الديمقراطي الرأسمالي قبل الستينات ، ثم نقل النموذج الاشتراكي بعد الستينات فعرف مجتمعنا قبل الستينات الاقتصاد الرأسمالي ، وتشكيل الأحزاب ، والبرلمانات المنتخبة، وبروز المبادرة الفردية في بناء الاقتصاد ، وانتشار الاقتصاد الاستهلاكي ، وبروز المذهب الوضعي إلخ… ثم عرف مجتمعنا بعد الستينات النظام الاشتراكي ، والديمقراطية الموجهة ، ومقولات صراع الطبقات ، وسيطرة طبقة العمال والفلاحين ، ونمو القطاع العام وضمور القطاع الخاص ، وواقعية الأدب ، وبروز النزعات المادية في تفسير التاريخ إلخ…

          وقد أدى قيام الفكر القومي العربي إلى نقل النموذج الغربي بشقيه على مدار القرن الماضي إلى تصدي القيادات الإسلامية له، ووقوع معارك فكرية عنيفة بين الطرفين (4) حول الدين والعلم، والعروبة والإسلام، والحكم المدني والحكم الديني، والسفور والحجاب، والتراث والحداثة إلخ…

          وقد دعا الفكر القومي العربي في تلك المعارك إلى إبعاد الدين عن شؤون الحكم والاقتصاد والسياسة، ودعا إلى إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية، ودعا إلى إبعاد الدين عن نطاق حياتنا المدنية، ودعا إلى تحرير المرأة وسفورها إلخ… ولم يقف الأمر عند الصراع الفكري بل تعداه إلى تضييق القيادات القومية على العلماء والمتدينين حيناً، وإدخالهم السجون والمعتقلات والبطش بهم حيناً آخر. 

          وقد ترتبت عدة نتائج على نقل النموذجين الديمقراطي الرأسمالي والاشتراكي الشيوعي، منها:

          1- ضياع قسم من أبناء الأمة لعدم التحاقهم بالتغريب من جهة ولعدم استطاعتهم القيام بواجبات الانتماء إلى أمتهم الإسلامية من جهة ثانية.

          2- استغراب قسم من أبناء الأمة وانسلاخهم الكامل عن أمتهم واتباعهم النموذج الغربي في العادات والسلوك والثقافة.

          3- النجاح في تفكيك جانب من كيان الأمة الإسلامية، وترسيخ القطرية، وبروز الولاءات الإقليمية مما يهدد بفلتان الجانب المدني في حياتنا الاجتماعية، ويهدد وجودنا أخطر تهديد، لذلك نرى انهزاماتنا تتوالى أمام أعدائنا اليهود، ويترسّخ السقوط وينتفي النهوض.

          والسؤال الآن: على ضوء التحليل السابق الذي وضح لنا عدم استطاعة الفكر القومي تكوين أمة عربية تكون قاعدة للنهوض، وعلى العكس منذ ذلك أصبح عمله الأساسي منصباً على التصادم مع الأمة الإسلامية وتفكيك عناصر بنائها، فما هو أول واجباتنا من أجل النهوض؟ أول الواجبات إيقاف عبث الفكر والمناقحة القومي العربي بالأمة الإسلامية، والحفاظ على ما تبقى من كيانها وعناصر وجودها والدفاع عنه في وجه الاقتلاع الحضاري الذي تمارسه الحضارة الغربية، وتدعيم حقائق الدين الإسلامي في عقول المسلمين وقلوبهم، والمنافحة عنها بدفع الأباطيل التي يروجها المستغربون، وتهيئة المناخات الصحية للسلوك الإسلامي، وإحياء مشاريع الأوقاف الإسلامية وتوسيعها من أجل تدعيم الجانب المدني والاجتماعي والعلمي في حياة المسلمين.

          الخلاصة: كان الفكر القومي العربي عاملاً رئيسياً في أننا لم ننهض، لأنه قاد المنطقة خلال القرن الماضي ففشل في تكوين أمة عربية لأنه لم يكن يملك عناصر تكوينها، لذلك كان عمله خلال الفترة الماضية التصادم مع الأمة الإسلامية وتفكيك بنائها ونقل النموذجين الرأسمالي والشيوعي فكانت النتيجة بروز الإقليمية وضياع قسم من أبنائها وتغريب قسم آخر.     

الـــهوامش:

(1) ساطع الحصري، ما هي القومية؟ ص 251.

(2) المؤتمر العربي الأول المنعقد في قاعة الجمعية الجغرافية في شارع سان جرمان، ص10.

(3) لا يحتّم وجود لغة عربية انبثاق أمة عربية فتوليد أمة عربية أعقد من ذلك بكثير، لذلك فإن المفكرين القوميين يقولون: تملك كثير من الشعوب لغة واحدة ولم يتولد عنها أمة واحدة، والعكس صحيح أيضاً: تملك كثير من الشعوب أكثر من لغة وكوّنت أمة واحدة

(4) حاول كثير من المفكرين القوميين الالتفاف على موقف الفكر القومي العربي المعادي للدين بأن هذا موقف أشخاص وليس في صلب النظرية القومية، لكن الحقيقة أن اتجاه الفكر القومي العربي إلى الحضارة الغربية لنقل نموذجها سيجعله تلقائياً في صف العداء للدين الإسلامي.  

ظهرت المقالة لماذا لم ننهض؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d9%85-%d9%86%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%9f/feed/ 0 2673
قراءة متأنية في مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة” https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/#respond Thu, 05 Jun 1997 02:42:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2625 قراءة متأنية في مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة”كثيراً ما يسمع المسلم بكلمة “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة” وتأتي الكلمة الأولى تعبيراً عن الحكم العثماني وقد يمدّها البعض لتشمل الحكم المملوكي، وقد أصبح ذكر هذه الكلمة مرتبطاً بسلسلة من صور العجز والفقر والجهل والخرافة والأوهام والتسلط والقذارة والتأخر إلخ… وتأتي […]

ظهرت المقالة قراءة متأنية في مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة” أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
قراءة متأنية في مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة”
كثيراً ما يسمع المسلم بكلمة “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة” وتأتي الكلمة الأولى تعبيراً عن الحكم العثماني وقد يمدّها البعض لتشمل الحكم المملوكي، وقد أصبح ذكر هذه الكلمة مرتبطاً بسلسلة من صور العجز والفقر والجهل والخرافة والأوهام والتسلط والقذارة والتأخر إلخ… وتأتي كلمة “عصر النهضة” معبرة عن العصر الحديث وتبدأ بحملة نابليون وقد ارتبطت هذه الكلمة بالتخلص من الأمراض السابقة وبناء مجتمع قوي وغني ومتعلم وعقلاني وديمقراطي إلخ… فمن أين جاءت هذه التقسيمات؟ وما مدى صحتها؟ ومن أبرز من نظّر لها؟ وما تقويمنا لها؟

مصدر مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة”:

من أين جاءت هذه التقسيمات؟ جاءت هذه التقسيمات من “المستغربين”(1) الذين جعلوا الحضارة الغربية مقياساً لكل الحضارات ، وجعلوا المراحل التي مرّت بها الشعوب الغربية أصلاً لمراحل كل الشعوب ، فمن المعلوم أن الغرب مرّ بمرحلة تاريخية سميّت “العصور الوسطى” وهي “عصور الظلام” و “عصور انحطاط” بالنسبة له ، وسبب ذلك سيطرة الكنيسة والإقطاع ، واحتكار السلطة من قبلهما ، وكبت حريّات الناس ، وحجر الكنيسة على التفكير العلمي ، وإجبار المجتمع على معتقدات مليئة بالأوهام والخرافات واللاعقلانية ، وتململ الطبقة البورجوازية الوليدة ، وغياب أي دور حضاري للمجتمع ، كل ذلك الركام من الأخطاء والتناقضات ولّد “عصر النهضة” الذي دعا إلى العلم والعقل وإلى نبذ الدين الذي ربطه بالخرافة والأوهام ، ودعا إلى إطلاق الحريّات مقابل الكبت السابق ، ودعا إلى العقد الاجتماعي الذي ينظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم مقابل السلطة المطلقة السابقة التي كانت لرجال الدين والإقطاع ، كما تولّدت أمم جديدة مثل : الأمة الفرنسية ، والأمة الإيطالية ، والأمة الألمانية ، نتيجة تفكك النظام الإقطاعي الأوروبي ونتيجة ضعف سيطرة الكنيسة على أوروبا ، هذا ما حدث في الغرب نتيجة ظروف موضوعية وتاريخية عاشتها أوروبا ، أما “المستغربون” عندنا فقد اعتبروا مجيء نابليون لاحتلال مصر عام 1898م بداية “عصر للنهضة” ، فكان لا بدّ من استنبات فترة ظلام في تاريخ أمتنا لكي تمر بمرحلة النهضة قياساً على المراحل التي مرّت بها الحضارة الغربية ، فسمّوا الفترة الأخيرة التي سبقت نهضتهم عصر الانحطاط ؛ ووصفوا العصرين: المملوكي والعثماني بأنهما عصرا انحطاط ، فما تقويمنا لهما ؟

تقويم العصرين: المملوكي والعثماني:  

ليس العصران : المملوكي والعثماني عصري انحطاط بحال من الأحوال ، لأن هذين العهدين كانا يشكلان دولتين من دول الأمة الإسلامية التي كانت موجودة وقائمة وفاعلة ومؤثرة قبل ذلك بسبعة قرون ، وقد استمرت الأمة الإسلامية في هذين العهدين في أداء دورها الحضاري ورسالتها الدينية المرتبطة بالقرآن الكريم ، وتطبيق التشريعات الإسلامية ، والمحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية ، وأداء دورها في تنمية العلوم والآداب والزراعة والتجارة والصناعة إلخ… ولم تكن تعاني هذه الأمة أزمات وجود كالتي شهدتها أوروبا في “العصور الوسطى” مثل : التناقض بين العلم والدين ، وكبت العقل البشري ، ووجود طبقة رجال الدين إلخ… لكنها كانت تعاني من بعض الأمراض والأخطاء والانحرافات التي كان يتصدى لها العلماء والمصلحون : كالشرك ، والبدع ، والتصوف الذي يقول بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود ، والقول بالباطن والظاهر في فهم القرآن الكريم ، والنعرات الجاهلية التي تدعو إلى تعظيم القبائل والأجناس ، والطعن في السنة النبوية إلخ… وجهود ابن تيمية في عهد المماليك تمثل نموذجاً صارخاً في تشخيص هذه الأمراض والأخطاء ومعالجتها ، إذن كانت أمتنا تعاني من بعض الأمراض ولم تكن تعاني أزمة وجود  ، ومما يؤكد ذلك تفحص آثار هذين العهدين ، فقد استطاع المماليك أن يصدّوا الهجوم المغولي في معركة عين جالوت ، هذا الهجوم الذي يعد الأخطر على الأمة الإسلامية ، والذي أسقط الخلافة العباسية في عام 656هـ ، كما استطاع المماليك أن ينهوا الوجود الصليبي من سواحل بلاد الشام ، وأن يلاحقوه في البحر الأبيض المتوسط ، وأن ينهوه من الجزر التي كان الصليبيون يتخذونها كقواعد لغزو الشواطئ الإسلامية كجزيرة رودس وقبرص ، ومع هذا الجهد العسكري الضخم كان التزامهم بالإسلام وقيمه وتشريعاته مستمراً ، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين الرسمية وكانوا يهتمون بنشرها وترسيخها ، وقد بلغت العلوم المختلفة أوجها ، ويمكن أن يسمى عصرهم بالعصر الموسوعي لأنه أُلفت فيه عدد من الموسوعات في العلوم المختلفة : الأدب والفقه والتاريخ والجغرافيا إلخ… ، ويكفي هذا العصر فخراً أنه عاش فيه أشخاص عظام مثل : ابن تيمية ، وابن حجر العسقلاني ، والعز بن عبد السلام ، والنووي إلخ…

أما العثمانيون فهم الذين حفظوا للأمة وجودها بعد أن حاول البرتغاليون والأسبان الالتفاف عليها من جهة المحيط الهندي بعد أن سقطت الأندلس في أيديهم عام 1491م، وخططوا لغزو الأماكن المقدسة في الحجاز، فتصدى العثمانيون لهم وتغلبوا عليهم، كما تصدّوا للغربيين عموماً في البحر الأبيض المتوسط.

وتجلّت عبقرية العثمانيين في الأمور العسكرية، فقد كانت المدفعية العثمانية أقوى مدفعية في العالم حتى عام 1700م، وفي عهد محمد الفاتح (1432م-1481م) كانت الطوبخانة المتحركة (يعني مصنع المدافع المتحركة) تنقل على (000 12) جمل وتتحرك إلى مكان المعركة لتصب وتصنع المدافع المطلوبة للمعركة.

أما مدافع الهاون فقد استخدمت لأول مرة في التاريخ في عهد الفاتح، وكان السلطان سليم هو أول من استخدم المدافع غير ثابتة الاتجاه والتي يمكن تحريكها بيسر، وكان ذلك في أوائل القرن السادس عشر الميلادي مظهراً لدقة الاختراع العلمي، أما الأسطول العثماني فقد كان حتى عام 1868م هو الأسطول الثالث في العالم بعد الأسطولين الانجليزي والفرنسي(2) .

لم تكن الخلافة العثمانية قوة عسكرية فحسب، لكنها خلافة ذات غيرة على الإسلام، وذات غيرة على اللغة العربية فقد قرر العثمانيون تدريس اللغة العربية لغة أولى في جميع المعاهد التعليمية من أولها إلى آخرها ودرسوا بها كافة العلوم، وكان العثمانيون أمة عمرانية من طراز رفيع وإن ما بنوه من تكايا ومدارس ومشافي وجسور ومطاعم مجانية للفقراء، وقصور وخانات وحمّامات لأكبر دليل على نزعتهم العمرانية. وإن المساجد التي بنوها وبلغوا درجة الكمال في إتقانها وجمالها والتي ما زالت قائمة من حدود النمسا إلى أقصى حدود مصر وما فيها من ضخامة وفخامة وجمال وتناسق لأكبر دليل على ما كانوا يتمتعون به من ذوق فني وحب للعمران.

وإذا تجاوزنا ناحية العمران إلى الناحية الفنية نجد الفضل يرجع إلى العثمانيين في تحسين وتجميل أنواع الخطوط وضبطها في قواعد علمية حتى غدا الخط العربي فنّاً من الفنون الجميلة(3) .

إذن كان هناك خطأ كبير في فهم هاتين الفترتين وفي تقويمهما (4) ويعود ذلك في تقديري إلى عدّة أسباب منها:

1- بروز القوة العسكرية للدولتين: المملوكية والعثمانية:

ظن بعض الدارسين أن بروز القوة العسكرية لهاتين الدولتين سيكون تلقائياً على حساب الجانب المدني في المجتمع الإسلامي ، كما حدث مع كثير من الدول والأمم التي تضخّم فيها الجانب العسكري على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والأدبية والعلمية واللغوية إلخ… لذلك سمّوه “عصر انحطاط” ، لكن ذلك الظن ناتج من الجهل بالقوانين التي حكمت تاريخنا وأمتنا وأبرزها وجود قيادتين(5) لهذه الأمة : الأولى : الأمراء : وتقوم بواجب الدفاع عن الأمة ، والثانية : العلماء : وتقوم برعاية الجانب المدني بمختلف فروعه : العلم ، والثقافة ، واللغة ، والأدب ، إلخ… ويساعدها في ذلك أوقاف واسعة تبلغ ربع ثروات العالم الإسلامي(6) .

وبالإضافة إلى خطأ تقويم دور القوة العسكرية للدولتين المملوكية والعثمانية في المجتمع الإسلامي ، تأتي هذه القوة دليلاً على حيوية الأمة الإسلامية التي تُوجد لكل مشكلة حلّها ، فقد كان الخطر الأكبر الذي يواجه أمتنا هو التهديد الخارجي والهجمات المستمرة من بعض دول أوروبا خلال العهدين المملوكي والعثماني مما اقتضى قيام دول على أسس قتالية من أجل درء هذا الخطر ، وجاءت هاتان الدولتان استمراراً للدولتين : الزنكية والأيوبية وتطويراً لهما من الناحية القتالية ومن ناحية عسكرة اقتصاد الدولة ليكون في خدمة المعركة (7) .

2- المماليك والعثمانيون ليسوا عرباً:

  اعتبر المفكرون القوميون العرب المماليك والعثمانيين أعداء مستعمرين طالما أنهم ليسوا عرباً ، ونظروا إلى إنجازاتهم على أنها هدم للكيان القومي ، وهم في هذا الاعتبار والنظرة ظالمون لأنهم لم يضعوهم في سياقهم الذي جاءوا به وهو سياق الأمة الإسلامية ، فهذه الأعراق : العرب والشركس والأتراك والفرس جميعهم أبناء الإسلام ، جمعهم الإسلام ببوتقته ، وصبغهم بعقائده ، ولوّنهم بعباداته ، ودثّرهم بعاداته ، وصاروا في النهاية جزءاً من الأمة الإسلامية التي احتوتهم ، وساهم الجميع في إعلاء شانها ، وفي بناء حضارتها ، والمدافعة عنها . إذن هم لم يعتدوا، ولم يتسلطوا، ولم يتجاوزا حدودهم، ولم يستعمروا أحداً؛ إنما قاموا بدور كانوا مدعوّين إليه بدافع انتمائهم إلى الأمة الإسلامية التي كانت أبرز ميزاتها تعايش الأجناس المختلفة، والأعراق المتباعدة، والقبائل المتنافرة، تعايشها مع بعضها، وإعمارها الأرض، وبناؤها الحضارة العالمية تصديقاً وتحقيقاً لقوله تعالى: ]يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم[ (الحجرات ،13).

وبكل أسف نجد أن بعض الكتّاب الإسلاميين تفاعلوا مع مقولة “عصر الانحطاط”، وقعّدوا لها وأبرز الكتّاب الذي قاموا بذلك مالك بن نبي، وأبرز تقعيداته في هذا المجال مفهوم “القابلية للاستعمار” الذي سألقي الضوء عليه في السطور التالية.

مفهوم “القابلية للاستعمار”:

تحدّث مالك بن نبي عن المجتمع الإسلامي بعد الموحّدين فقال: “لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم، وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وحقائق واتجاهات جديدة، فكانت تلك مرحلة الانحطاط، إذ لم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس لها فيما بينها صلة مبدعة” (8) .

اعتبر مالك بن نبي انحطاط المجتمع قديماً وأعاده إلى نهايات دولة الموحدين في المغرب ، واعتبر أن عوامل التعارض في المجتمع الإسلامي بلغت ذروتها ، وأن عناصر الحضارة : الإنسان والتراب والوقت أصبحت عناصر ميتة ، إن هذه الأحكام التي أصدرها مالك بن نبي غير سليمة وغير دقيقة ، فإن الأمة الإسلامية بقيت أمة فاعلة ستة قرون بعد التاريخ الذي حدده مالك بن نبي، ولم تعرف الأمة الإسلامية عوامل تعارض تعيق حركتها وتفجّر كيانها كالتي عرفتها أوروبا مثل : التعارض بين العلم والدين ، والتناقض بين رجال الكنيسة ورجال الحكم ، وبين العقل والدين إلخ…

لم تعرف الأمة الإسلامية شيئاً من ذلك فبقي الإنسان المسلم مبدعاً فاعلاً مؤثراً، وبقي المجتمع الإسلامي حيّاً يؤدي دوره الحضاري؛ صحيح أن الإنسان والمجتمع عرف بعض الأمراض لكن ذلك لم يعق حركتهما ودورهما على كل المستويات الداخلية والخارجية: كالبناء الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، ومقاومة الأعداء المهاجمين، وتوسيع رقعة دار الإسلام إلخ…

ثم تحدّث مالك بن نبي عن “القابلية للاستعمار” فقال: “وبهذا نفهم الاستعمار باعتباره “ضرورة تاريخية ” فيجب أن تحدث هنا تفرقة أساسية بين بلد مغزو محتل وبلد مستعمر، ففي الحالة الأولى يوجد تركيب سابق للإنسان والتراب والوقت، وهو يستتبع فرداً غير قابل للاستعمار أما في الحالة الثانية فإن جميع الظروف التي تحوط الفرد تدل على قابليته للاستعمار وفي هذه الحالة يصبح الاحتلال الأجنبي استعماراً قدراً محتوماً”(9) .

اعتبر مالك بن نبي استعمار بلادنا الإسلامية “قدراً محتوماً” و “ضرورة تاريخية” نتيجة خلل عطّل كيان الفرد والمجتمع والأمة ؛ عطّل عناصر التاريخ فيها ، وقتل عناصر الحياة فيها وهذا كلام غير صحيح بدليل أن الجزائر التي استعمرت في عام 1830م لم يأت استعمارها نتيجة خلل داخلي خاص بالجزائر لأنها كانت جزءاً من الأمة الإسلامية تعاني ما تعانيه الأمة الإسلامية ، وتتمتع بنفس المستوى الحضاري ، وتعاني نفس المشاكل التي يعانيها كل الجسم الإسلامي ، لكن استعمارها جاء نتيجة ظرف سياسي خاص يتعلّق بالخلافة العثمانية من جهة وبجغرافية الجزائر التي جعلتها على الحد الجنوبي لفرنسا من جهة ثانية. ويصدق عليها الحكم الأول الذي أصدره مالك بن نبي وهو أنها بلد مغزو ومحتل وليس بلداً قابلاً للاستعمار.

ثم تحدّث مالك بن نبي في موضع آخر عن “القابلية للاستعمار” باعتبارها عاملاً باطنياً فقال: “ونحن في هذا الفصل نريد أن نتعرض لعامل ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار وحدّد معها حركاته وأفكاره”(10) .

ثم قال “إن المستعمر يريد منا بطالة يحصل من ورائها يداً عاملة بثمن بخس فيجد منا متقاعدين، بينما الأعمال جدية تترقب منا الهمة والنشاط. وهو يريد منا جهلة يستغلّهم، فيجدنا نقاوم ذلك الجهد البسيط المبذول عندنا ضد الأميّة وهو جهد “جمعية العلماء”.

وهو يريد منا انحطاطاً في الأخلاق كي تشيع الرذيلة بيننا ، تلك الرذيلة التي تكون نفسية رجل (القلة) ، فيجدنا أسرع إلى محاربة الفضيلة التي يحاول نشرها العلماء في بلادنا، وهو يريد تشتيت مجتمعنا وتفريق أفرادها شيعاً وأحزاباً ، حتى يحل بهم الفشل في الناحية الأدبية ، كما هم فاشلون في الناحية الاجتماعية ، فيجدنا متفرقين بالسياسات الانتخابية ، التي نصرف في سبيلها ما لدينا من مال وحكمة ، وهو يريد منا أن نكون أفراداً تغمرهم الأوساخ ، ويظهر في تصرفاتهم الذوق القبيح ، حتى نكون قطيعاً محتقراً يسلم نفسه للأوساخ والخنازير فيجدنا ناشطين لتلبية دعوته .

وبذلك تكون القلّة مزدوجة، فكلما شعرنا بداء المعامل الاستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإننا نرى في الوقت نفسه معاملاً باطنياً يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا”(11) .

تحدّث مالك بن نبي عن “القابلية للاستعمار” باعتبارها عاملاً داخلياً وبيّن أن الاستعمار يريد منا البطالة والجهل والانحطاط في الأخلاق والتفرق والوساخة وأن باطننا يستجيب لكل تلك الطلبات لأننا نملك “القابلية للاستعمار”، هذا ما قاله مالك بن نبي في منتصف القرن العشرين، لكن مالك بن نبي لم يسأل نفسه: ما دور الاستعمار الفرنسي في وجود هذه الظواهر التي رصدها وبخاصة أن كلامه عن “القابلية للاستعمار” جاء بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر بأكثر من مائة سنة؟ الحقيقة أننا لا نجد أية إشارة إلى دور الاستعمار الفرنسي في توليد مثل هذه الأمراض وتعميقها ، مع أن الدراسة الفاحصة لمخططات الاستعمار الفرنسي تبيّن أنه حاول اقتلاع الشعب الجزائري اقتلاعاً كاملاً من جذوره الحضارية ، واجتهد في تغيير هويته التاريخية ، وفرض عليه التغريب بشكل قسري وكامل ، واعتبر الجزائر فرنسا ما وراء البحار ، وجاء بالمستوطنين الذين أعطاهم أخصب الأراضي ، وفرض اللغة الفرنسية ، مما جعل مالك بن نبي وهو العربي المسلم لا يعرف الكتابة بلغته العربية ، لذلك ألّف كتبه الأولى باللغة الفرنسية ، ولم يستطع الكتابة باللغة العربية إلا في مرحلة متأخرة من حياته بعد أن جاء إلى المشرق العربي وأتقن اللغة العربية فيها .

فالاستعمار إذن هو العامل الأكبر في توليد البطالة وإنسان القلّة، وفي تعميق الجهل والقذارة(12) ، وفي توسيع الانحطاط في الأخلاق، ومع هذا الوضوح في جريمة المستعمر الفرنسي في توليد وتعميق وتوسيع كل أنواع الانحطاط والأمراض والقذارات في حياة الشعب الجزائري(13) فإن مالك بن نبي لا يكتفي بعدم الإشارة إلى دور المستعمر الفرنسي في كل ما سبق بل يأتي ليقول لنا إن الاستعمار ترك غريناً مخصباً(14)!!! فبماذا نفسّر وقوعه في هذا الخطأ الشنيع؟ لا تفسير لذلك إلا بعدم قدرته التخلص من الثقافة الاستعمارية التي حجبت عنه الرؤية الصحيحة لأوضاع أمته.

عصر النهضة:

إنها مفارقة مضحكة مبكية أن يعتبر بعض أبناء أمتنا احتلال نابليون لمصر عام 1798م بداية نهضة، وبغض النظر عن هذه المفارقة فلقد استهدفت النهضة توحيد الأمة، واستقلالها، وأداء دور حضاري فعّال، وكان لا بد من أجل تحقيق هذه الأهداف من ان ينتشر العلم، ويزول الفقر، فماذا تحقق من كل هذه الأهداف بعد مائتي سنة من قيام تلك النهضة؟

لم تتحقق الوحدة بل ترسخت التجزئة بشكل لم تعرفه أمتنا خلال الألف سنة الماضية، وأصبحت الأمة مهددة أن تتمزق إلى كيانات متناقضة نتيجة بروز القطرية، وتغذيتها.

لم يتحقق الاستقلال بل ازدادت التبعية السياسية فكانت الأحلاف الغربية بعد الحرب العالمية الثانية التي استقطبت قسماً من الدول العربية، وكان الاتحاد السوفييتي الذي استقطب قسماً آخر منها، ودارت المعركة بين الغرب والاتحاد السوفييتي عن طريق استخدام معظم الدول العربية كبيادق في أتون المعركة بينهما.

لم يتحقق الدور الحضاري المنشود بسبب التبعية الحضارية والترويج للنموذجين الحضاريين: الأوروبي والسوفياتي، والنقل الحرفي للتجربتين: الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الشيوعية، واستلهامهما فقط، مما جعل الثمرة النهائية لتجربة مائتي سنة هو النسخ المشوّه لتجربة الحضارة الغربية وانعدام أية مساهمة، وانعدام أي إبداع في بناء البشرية الحضاري، والاكتفاء بالاستهلاك الحضاري.

لم يتحقق انتشار العلم، فالأمية تبلغ نسبتها الآن أكثر من 40% في العالم العربي، ولم يساهم العالم العربي مساهمة حقيقية في تنمية الإبداع العلمي، فمع وجود الجامعات الكثيرة التي غطت كل أنحاء العالم العربي، ومع وجود الكثرة الكاثرة من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا فإن نصيب العالم العربي من الاكتشافات العلمية لا يزال محدوداً، ولا يقارن بدولة واحدة مثل إسرائيل.

لم يتحقق النمو والاكتفاء الاقتصاديان، بل ما زال العالم العربي يستورد كل شيء من الطيارة إلى الإبرة، ليس هذا فحسب فإن العالم العربي لم يحقق التكامل الاقتصادي فيما بين دوله، والأهم من ذلك أن كثيراً من دوله انتقلت من مجال تصدير الحبوب إلى استيراده وهو الأمر الذي يدلّل على مدى الكارثة التي نحن عليها مقدمون.

لم تحقق النهضة شيئاً مما كان مرجوّاً منها ومأمولاً لها، بل ولّدت انحطاطاً لم تعهده الأمة خلال تاريخها الطويل وبرزت مخاطر تهدد كيان الأمة ووجودها وأبرز هذه المخاطر:

1- الوجود اليهودي:

استطاع اليهود أن يسلبوا فلسطين من العرب بعد جهود دائبة منذ القرن التاسع عشر، وتحالفات مع عدد من الدول العظمى مثل: بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية، وتمثل إسرائيل خطراً على الوجود الإسلامي لأن أطماعها ليست محدودة بفلسطين بل بإسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل من جهة، ولأنها تدّعي أن لها حقاً تاريخياً في هذه الأرض يناقض الحق التاريخي للمسلمين من جهة ثانية، ولأنها تعتبر نفسها رسول الحضارة الغربية لتمدين وتحضير المنطقة من جهة ثالثة. إذن إسرائيل ليست وجوداً عابراً بل تدعي الحق التاريخي القديم والدور الريادي الحضاري في الحاضر والمستقبل مما يقتضي وجوداً مبنياً فاعلاً دائماً على حساب الوجود الإسلامي في المنطقة. 

2- تفتيت الأمة:

قامت كيانات ودول متعددة في تاريخ الأمة الإسلامية خلال الفترة الطويلة الماضية، وتولّد عنها صراع وقتال، لكن بقيت الأمة واحدة لكننا الآن نشهد بداية تشكل كيانات إقليمية تؤدي إلى تفتيت الأمة بشكل حقيقي.

ما السبب في تعثّر النهضة وعدم تحقيق أي شيء منها؟ وما السبب في بروز هذه المخاطر على الأمة؟

السبب الرئيسي في التعثر هو أن كل مشاريع النهضة التي طُرحت جاءت من خارج كيان الأمة وسياقها الحضاري، وجاءت نقلاً من تجارب أخرى، وجاء بعضها ليبني شيئاً كان موجوداً قائماً كما حدث مع الفكر القومي بكل أنواعه : العربي والسوري والفرعوني الذي استهدف تشكيل أمة عربية أو أمة سورية أو أمة مصرية ، لكن الأمة كانت موجودة وهي الأمة الإسلامية ، لذلك لما كانت كل الأفكار القومية السابقة لا تملك عناصر تكوين أمة ، اضطرت إلى استمداد عناصرها من الحضارة الغربية في كل مجالاتها : الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلخ… ، وكانت نتيجة ذلك التصادم مع كيان الأمة الإسلامية ، والاجتهاد في اقتلاعها(15) من جذورها الحضارية ، وممارسة نفيها ، وحملها على التغريب ، مما أدى إلى تفتيتها ، وإلى بروز خطر حقيقي على وجودها تمثل في قيام دولة إسرائيل .

هذه قراءة فاحصة لمقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة”، وإني آمل في نهاية هذه القراءة الفاحصة أن أكون قد وفّقت في إلقاء الأضواء عليهما من اجل تقويم سليم لأوضاع أمتنا الإسلامية يكون دعامة لانطلاق حضاري فعّال ومثمر بإذن الله تعالى.     

الهوامش:


(1) مما يؤكد ذلك ورود هذه التقسيمات منذ نهاية القرن التاسع عشر عند جرجي زيدان في كتاب “تاريخ الآداب العربية”.

(2) محمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة، دمشق، دار القلم، 1989م، ص 418 وما بعدها. وبالمناسبة فقد وردت في هذا الكتاب تفصيلات كثيرة عن شؤون العثمانيين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية يمكن مطالعتها في صفحات ذلك الكتاب.

(3) محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العليّة العثمانية، ص735-736.

(4) هناك عدة كتب صدرت تعطي صورة متوازنة عن الخلافة العثمانية، منها:

   1- “الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها”، تأليف الدكتور عبد العزيز الشناوي.

   2- “قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين، التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي” تأليف زكريا سليمان البيومي.

(5) من أجل توضيح نشأة هاتين القيادتين انظر كتابي: “أبو الأعلى المودودي: فكره ومنهجه في التغيير، دراسة وتقويم”، ص155 وما بعدها.

(6) أحمد بن بلّة، الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر، الخطاب التوجيهي للرئيس أحمد بن بلّة، باريس 1984م، ص107.

(7) انظر تفصيلات ذلك في ص194 وما بعدها من كتاب: “ما هيّة الحروب الصليبية” للدكتور قاسم عبده محمد.

(8) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص31.

(9) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص102.

(10) مالك بن نبي، شروط النهضة، ص206.

(11) مالك بن نبي، شروط النهضة، ص207.

(12) تقول الدراسات إن نسبة الأمية كانت في فرنسا أعلى منها في الجزائر غداة احتلال الجزائر عام 1830م.

(13) آمل ألاّ يأتي أحد ويتهمنا بأننا نتعامل مع الموضوع بـ “عقليّة المؤامرة”، والتهرب من المسؤولية، وإلقاء قصورنا على الآخرين، من أجل ألاّ يكون ذلك أعود فأذكّر بالمقدمات والأفعال التي أدت إلى هذه الأمراض: الاقتلاع الوحشي للشعب الجزائري من جذوره الحضارية، التغيير القسري لهويته التاريخية، الحمل الإجباري على التغريب والأوربة، ماذا ستكون نتيجة هذه الأفعال غير تلك الأمراض وأكثر؟!! أفيدونا.

(14) انظر قوله حول “الغرين المخصب” في كتاب “الفكرة الأفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج” ص302، وانظر ردّي عليه في كتاب “الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة وتقويم” ص68.

(15) من أجل توضيح فشل الفكر القومي في تشكيل الأمة انظر مقالاً سابقاً لي في مجلة المجتمع بعنوان: ” الفكر القومي واللغة العربية: آفاق العلاقة والنتائج”، عدد1250 الصادر بتاريخ 20/5/1997م.

ظهرت المقالة قراءة متأنية في مقولتي “عصر الانحطاط” و “عصر النهضة” أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9/feed/ 0 2625