الحضارة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/الحضارة/ منبر الأمة الإسلامية Thu, 25 Apr 2024 19:45:27 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.2 https://www.al-ommah.com/wp-content/uploads/2021/02/منبر-الأمة-الإسلامية.svg الحضارة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/الحضارة/ 32 32 171170647 لا ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا https://www.al-ommah.com/%d9%84%d8%a7-%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%86%d8%a7/ https://www.al-ommah.com/%d9%84%d8%a7-%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%86%d8%a7/#respond Thu, 21 Dec 2017 16:33:12 +0000 https://al-ommah.com/?p=1045 قسم بعض الدارسين تاريخنا إلى عدة عصور، هي: عصر النشأة الذي بدأ مع قيام دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ودولة الخلفاء الراشدين. ثم عصر الترجمة، فعصر الازدهار والإبداع الفكري، وقد بلغ أوجه في عهد المأمون. عصر الانحطاط والجمود الفكري، وقد ساد في عهد المماليك والعثمانيين. ثم عصر […]

ظهرت المقالة لا ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
قسم بعض الدارسين تاريخنا إلى عدة عصور، هي:

  • عصر النشأة الذي بدأ مع قيام دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ودولة الخلفاء الراشدين.
  • ثم عصر الترجمة، فعصر الازدهار والإبداع الفكري، وقد بلغ أوجه في عهد المأمون.
  • عصر الانحطاط والجمود الفكري، وقد ساد في عهد المماليك والعثمانيين.
  • ثم عصر النهضة الذي بدأ بنابليون بونابرت عندما غزا مصر عام 1798.

واعتبروا أن عصر الانحطاط تمثل بأمرين هما:

الأول: الانحطاط الفكري والعلمي، ويعني توقف العقل الإسلامي عن الإبداع العلمي والنمو الفكري.

الثاني: الانحطاط الاجتماعي، وهو تفكك المجتمع، وظهور الفردية والأنانية، وعدم فاعلية المجتمع، والروابط الاجتماعية، وانعدام القدرة على البناء ومواجهة الأزمات.

أما أبرز المتحدثين عن الانحطاط فهما كاتبان:

  • مالك بن نبي.
  • محمد عابد الجابري.

وسنعرض آراءهما وأفكارهما حول الانحطاط وأسبابه.

فقد اعتبر مالك بن نبي في كتبه التي عنونها بسلسلة “مشكلات الحضارة”  أن عوامل التعارض الداخلية في المجتمع الإسلامي قد بلغت ذروتها في نهاية “دولة الموحدين”، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت، عوامل الحضارة، بل أصبحت عناصر خامدة، ليس بينها صلة مبدعة، وقد أدى هذا التعارض إلى الانحطاط الاجتماعي الذي يتجلى في الانحطاط الأخلاقي وتفرق المجتمع الذي يؤدي إلى الفشل من الناحية الأدبية.

ثم جاء محمد عابد الجابري الذي طرح أراءه عن الانحطاط العلمي، وتوقف الأمة عن الإبداع في سلسلة كتبه عن العقل العربي وأبرزها كتابان ” تكوين العقل العربي” و “بنية العقل العربي”.

لقد درس الجابري في كتابه” بنية العقل العربي” الأنظمة التي شكلت العقل العربي، وحددها بثلاثة، وهي: البيان، العرفان، البرهان. واعتبر أن هذه الأنظمة المعرفية تداخلت مع بعضها، وأصبحت تشكل تلفيقاً معطلاً، واعتبر أزمة أبي حامد الغزالي التي أدت إلى اضطرابه واعتزاله وغيابه عن الساحة العلمية لمدة عشر سنين، مثالا على هذا التداخل التلفيقي بين الأنظمة المعرفية الثلاثة وعدم استطاعته التوفيق بينها.

وقد أشار الجابري إلى لحظتين متميزتين في تاريح العقل العربي:

الأولى: تمتد من بدايات عصر تشكيل العقل العربي إلى لحظة الغزالي التي كان فيها العقل منتجا ومبدعا.

الثانية: ما بعد لحظة الغزالي التي تعطل فيها العقل العربي، وأصبح جامدا وغير مبدع وغير فعال ومنتج، وبدأ الانحطاط العلمي منذ تلك اللحظة.

والسبب في ذلك هو أن التداخل التلفيقي بين الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، وعدم قدرة العقل العربي على التوفيق بين هذه الأنظمة توفيقا سليما.

ومن المؤكد أن النظر الفاحص لتاريخنا ينفي أقوال مالك بن نبي،  ومحمد عابد الجابري، ويؤكد أنه لم يكن هناك انحطاط بالمعاني التي حددناها وهي موات جانبين: الجانب الجماعي والاجتماعي من جهة، والجانب العقلي والعلمي من جهة ثانية.

أما بالنسبة للناحية الاجتماعية والجماعية فمن المعلوم أن الأمة  بعد عهد الموحدين (515-667هـ) استطاعت أن تصد الهجومين الصليبي والتتري المغولي، وتنهيهما، فقد صد المماليك الهجوم المغولي التتري وانتصروا عليهم في معركة عين جالوت عام 1260م التي قادها المملوكي قطز، ثم أكمل المماليك انتصارات صلاح الدين الأيوبي، فطردوا الصليبيين من عكا في ساحل فلسطين في عام 1291م وكانت تلك الانتصارات بقيادة المملوكي الأشرف خليل.

ثم جاءت الخلافة العثمانية، وبسطت نفوذها على العالم العربي، وخاض السلطان سليم معركة مرج دابق عام 1516م، وقتل السلطان قانصوه الغوري، وأنهى وجود آخر حاكم مملوكي لمصر، كما دخل مصر عام 1517م، وبعد ذلك صارت الخلافة العثمانية أقدر على مواجهة أوروبا، بعد أن أمنت ظهرها بقيادتها للعالم العربي.

ثم توجهت الخلافة العثمانية إلى محاربة أوروبا واستطاعت بسط نفوذها على أوروبا الشرقية من بلاد اليونان والبلغار والصرب، ووصلت إلى فيينا وسط أوروبا مرتين الأولى عام 1529م، والثانية عام 1683م.

أما الناحية العلمية فإن الإبداع لم يتوقف في عصر المماليك والعثمانيين، ففي مجال العلوم النقلية فإن عصر المماليك شهد حضور عدد كيبر من العلماء الكبار من أمثال ابن تيمية والعز بن عبدالسلام. والقرافي وابن حجر العسقلاني وابن منظور والقلقشندي الذين كتبوا  عشرات الكتب التي تعتبر مراجع في التاريخ الفكري والديني للأمة في مجال الرد على المنطق اليوناني والفلسفة، والتأصيل لعلوم السنة النبوية، وتدوين المعاجم والتفسير، وشرح الحديث، والتاريخ و في مجال تبيان عدم تعارض العقل والنقل الخ….، كما تم اختراع وابتكار عدد من العلوم  في هذه الفترة التاريخية، فقد ابتكر ابن خلدون علم العمران، كما ابتكر الشاطبي علم المقاصد.

وفي مجال العلوم العقلية، فقد أشار الدكتور جورج صليبا في كتاب” الفكر العلمي العربي: نشأته وتطوره”  الذي درس علم الفلك في الحضارة الإسلامية، وهو من أرقى المتخصصين في علم الفلك في العصر الحديث، فوجد أن علم الفلك لم يشهد  انحطاطا في عصري المماليك والعثمانيين، بل شهد اختراعاً لنظريات جديدة، وردوداً على بطليموس، ورقياً فاق العصور السابقة، وذكر أسماء متعددة في هذا المجال، ومنها: شمس الدين الخفري (ت 957هـ)، الذي كان يقيم في دمشق، وكان معاصرا لكوبربنيكوس، والذي كان يتحلى بمقدرة رياضية ودراية في دور الرياضيات في صياغة العلوم، ندر أن يوجد مثلها في أعمال الذين أتوا قبل القرن السابع عشر.

واقترح جورج صليبا أن تدرس العلوم المختلفة من رياضيات وكيمياء وفيزياء وصيدلة وطب في عهدي المماليك والعثمانيين دراسة تفصيلية، كما درس هو علم الفلك، وأكد أن الدارسين سيجدون اختراعات وابتكارات وتقدماً في العلم الذي يدرسونه، ينفي صفة الانحطاط عن عصري المماليك والعثمانيين.

أما العلوم الدنيوية فقد اكتشف العثمانيون وجود الجراثيم والميكروبات، وقاموا بمحاولات للطيران العادي والطيران النفاث، كما كانت المدفعية العثمانية أقوى مدفعية بلا منازع حتى عام 1700م، كما صنع العثمانيون في زمن محمد الفاتح (1432 – 1481 م) مدافع جبارة تستطيع خرق سور من الحجر سماكته إثنا عشر متراً، واخترع العثمانيون المدافع المتحركة ومدافع الهاون واستعملوها لأول مرة زمن السلطان سليم الأول.

وكانت صناعة السفن متقدمة أيضاً والأسطول العثماني ظل حتى عام 1868 ثالث أقوى أسطول في العالم بعد الأسطولين الإنكليزي والفرنسي، كما اكتشف العثمانيون أمريكا قبل كريستوفر كولومبوس، واكتشفوا القطب الجنوبي ورسموا تضاريسه بالتفصيل.

كما أنشأ العثمانييون أول جامعة للطب في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي سموها (دار الطب)، ثم تم إنشاء المجمع الطبي في القرن الخامس عشر ومن رواده شرف الدين الصابونجي الأماسي العالم في الأدوات الجراحية والمطور لها، وداود الأنطاكي صاحب الدراسات عن المخ والكتاب الشهير حول الأدوية الطبيعية، وأخي جلبي صاحب الأبحاث حول المسالك البولية، وطبيب التوليد الشهير عياشلي شعبان، والعالم النفساني مؤمن السينوبي صاحب كتاب من 25 مجلدا حول الأمراض العقلية والنفسية والعصبية.

لم يكن هناك عصر انحطاط في تاريخنا، بمعنى موات الجانبيين: العقلي والعلمي من جهة، والاجتماعي والجماعي من جهة ثانية، بل هناك ضعف وبعض الوهن والتأخر الذي أصابنا في الجانبين العلمي والاجتماعي الجماعي بالمقارنة مع العصور السابقة، وكان بالإمكان تدارك ذلك الضعف والتأخر لولا مداهمة الاستعمار الغربي لمعظم بلادنا واحتلالها في القرن التاسع عشر والعشرين، وزيادة حجم التأخر والضعف، ثم التخطيط لتدمير وحدتنا الثقافية، وتفتيت وحدتنا الاجتماعية والعرقية والسياسية، ونجح في ذلك  في كثير من المواضع والأماكن بكل أسف.

تحقيب وتقسيم التاريخ الإسلامي

من أين جاءنا هذا التحقيب والتقسيم لتاريخنا؟ أعني تحقيب تاريخنا إلى عصرنشأة، ثم عصر ازدهار، ثم عصر انحطاط، ثم عصر نهضة، لقد جاء هذا التقييم من الغرب وقام به المستشرقون من الغرب، والمتغربون من أبناء جلدتنا في الشرق، الذين أسقطوا تاريخ أوروبا على تاريخنا.

فقد عرف تاريخ أوروبا هذا التحقيب فعرف وجود عصر انحطاط، وهي العصور الوسطى التي سادت فيها الكنيسة، والطبقة الإقطاعية، ثم جاء عصر النهضة الذي أنقذ أوروبا من خرافات الكنيسة، وأطلق العقل من إساره، وبدأت الاختراعات العلمية، وأنهى دولة الحق الإلهي ليبدأ الحكم الجمهوري القائم على حرية الرأي والانتخابات.

وعلى سنة تقليد الغرب، وإسقاط كل قضاياه على تاريخنا، وكان هذا التحقيب لتاريخنا الذي يبدأ بعصر نشأة، ثم ينتهي بعصري انحطاط ونهضة، كما هو عند الغرب، مع أن الدراسة الموضوعية للتاريخ تبين وتؤكد أنه ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا.

الخلاصة:

تحدث بعض الدارسين عن وجود عصر انحطاط في تاريخنا بمعنى: موات الناحيتين العلمية والاجتماعية في حضارتنا، وبخاصة في العهدين المملوكي والعثماني، وقد بيّنا خطأ هذا الحكم وعدم علميته وموضوعيته.

ظهرت المقالة لا ليس هناك عصر انحطاط في تاريخنا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%84%d8%a7-%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d9%87%d9%86%d8%a7%d9%83-%d8%b9%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%86%d8%ad%d8%b7%d8%a7%d8%b7-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%86%d8%a7/feed/ 0 1045
العثمانيون https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%86/#respond Wed, 13 Dec 2017 21:17:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2335 ارتسمت في عقول وذاكرة الناس والاجيال صورة سيئة عن الدولة العثمانية لاسباب تعود لكتابات المؤرخين المغرضين من المتحاملين على الاسلام من عرب وعجم او الاستعمار نفسه الغربي والحركة الصهيونية العالمية؛لكن الوجه المشرق للخلافة تناسوه عمدا لتشويه تاريخها .الدولة العثمانية الاسلامية كانت حقيقة دولة حضارية متطوّرة سبقت العالم بأسره وعلى رأسه […]

ظهرت المقالة العثمانيون أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ارتسمت في عقول وذاكرة الناس والاجيال صورة سيئة عن الدولة العثمانية لاسباب تعود لكتابات المؤرخين المغرضين من المتحاملين على الاسلام من عرب وعجم او الاستعمار نفسه الغربي والحركة الصهيونية العالمية؛لكن الوجه المشرق للخلافة تناسوه عمدا لتشويه تاريخها .الدولة العثمانية الاسلامية كانت حقيقة دولة حضارية متطوّرة سبقت العالم بأسره وعلى رأسه العالم الغربي في كثير من الاختراعات والاكتشافات الهامة، لكن المؤرخين نسبوا بعضا منها لعلماء غير مسلمين أو أن التاريخ لم ينصف العثمانيين لضعفهم في اواخر عهد الخلافة لان القوي/أو المنتصر هو عادة من يكتب التاريخ.
هذا ورغم التهميش والتعمّد في وصم الخلافة العثمانية الاسلامية العثمانية بالتخلف والرجعية، فالشمس عادة لا يمكن اخفاؤها بغربال، فهاك اخي القاريء نماذج لا غير من تلك الحضارة التي ظلمت وهمّشها المؤرخون وتطاول عليها المغرضون:

اكتشف العثمانيون أمريكا قبل كولومبوس

في 26 آب سنة 1956 عقدت في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية ندوة حول (خرائط الريّس بيري) قائد الأسطول العثماني في البحر المتوسط والخليج، اتفق كل الجغرافيين المشاركين فيها أن خرائط الريس بيري والتي سبقت كولومبوس ورسمت فيها سواحل القارة الأمريكية (هي اكتشاف خارق للعادة).
(الريّس بيري) مولود في غاليبولي ولكنه اتخذ من السويس في مصر مقراً له، حيث كان أهدى للسلطان سليم الأول في مصر عام 1517 م خريطتين هامتين جداً:

  • الخريطة الأولى هي لإسبانيا وغرب إفريقية والمحيط الأطلسي والسواحل الشرقية لأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بقياس (60 × 85 سم).
  • والثانية خريطة لسواحل الأطلسي من جرينلند إلى فلوريدا (68 ×69 سم) وهما محفوظتان في متحف (توب كابي) في استـانبول.

هاتان الخريطتان هما أقدم خريطتين في العالم تظهر فيهما القارة الأمريكية.

الريس بيري كان على معرفة بوجود أمريكا وشكل سواحلها وتضاريسها قبل اكتشافها من قبل كولومبوس وهو قال في كتابه الشهير الضخم: ((البحرية)) ما يلي:

“إن بحر المغرب – اسم المحيط الأطلسي في تلك الأيام – بحر عظيم يمتد بعرض 2000 ميل تجاه الغرب من ميناء سبته وفي الجانب الآخر من البحر توجد قارة هي قارة أنتيليا (أي الدنيا الجديدة)”.

وقد كتب الريس بيري هذا الكتاب وكتب أن القارة الجديدة اكتشفت عام 870 هجري أي عام 1465 ميلادي أي قبل رحلة كولومبوس لاكتشاف أمريكا بحوالي 27 سنة.

طبعاً من المعروف تاريخياً أن كولومبوس اعتمد على خرائط عربية أندلسية وبحارة عرب وحتى على اسطرلاب عربي في رحلته الشهيرة (راجع شمس العرب تسطع على الغرب للباحثة الألمانية زيغريد هونيكه)، ولكن أيضاً، كان مساعد كولومبوس في تلك الرحلة واسمه (رودريجو) شخصاً رافق الريس بيري في البحر ورافق عم الريس بيري وهو (الريس كمال) لفترة طويلة.

ومن المعروف أن البحارة في سفينة كولومبوس أعلنوا العصيان وثاروا على كولومبوس وأرادوا قتله عندما تأخر اكتشافهم لليابسة ووصولهم لأمريكا فوقف رودريجو حائلاً بينهم وبين كولومبوس ودافع عنه قائلاً:

“لا بد أن تكون في هذه المياه أرض لأنني تعلمت ذلك في استـنبول ومن الكتب البحرية العثمانية وأنا واثق أننا لا بد أن نصل إلى الأرض التي نبحث عنها، ذلك لأن البحارة العثمانيين لا يقدمون معلومات خاطئة وهم لا يكذبون”.

وبعد ثلاثة أيام من حديثه هذا وصلوا إلى اليابسة. (راجع العثمانيون في التاريخ والحضارة – د. محمد حرب).

القطب الجنوبي اكتشفه العثمانيون ورسموا تضاريسه بالتفصيل

يقول العالم والراهب الجزويتي لاين هام مدير مركز الأرصاد في ويستون بأمريكا: ((خرائط الريس بيري صحيحة بدرجة مذهلة للعقل خاصة أنها تظهر بوضوح أماكن لم تكن قد اكتشفت حتى أيامه في القرن السادس عشر الميلادي… إن الجانب المذهل في مكانة بيري هو رسمه لجبال أنتاركتيكا بتفاصيلها في ما رسمه من خرائط مع أن هذه الجبال لم يكن أحد قد تمكن من اكتشافها إلا في عام 1952 أي في النصف الثاني من القرن العشرين. وكيف؟ بعد استخدام أجهزة متقدمة عاكسة للصوت، أما قبل القائد العثماني الريس بيري يعني حتى القرن السادس عشر الميلادي لم يكن أحد يعرف أن أنتاركتيكا موجودة))
ويقول إريك فون دانكين في كتابه (عربات الآلهة): ((إنه بمقارنة صور الأرض التي التقطتها المركبات الفضائية مع تلك الخرائط التي كان القائد البحري العثماني الريس بيري قد رسمها في بدايات القرن السادس عشر، اتضح التشابه المذهل بين صور مركبات الفضاء وبين خرائط بيري))
ويقول العالم الفرنسي لاروش في موسوعته التي نشرها عام 1963 إن بيري كتب عن كروية الأرض قبل رحلة ماجلان ورسم خرائط لأمريكا “وإن هذا أمر يعلو ويتفوق كثيراً على علم الجغرافيا في ذلك القرن وعلى علم الجغرافيا لدى الغربيين”.

اكتشاف العثمانيون لوجود الجراثيم والميكروبات

الشيخ (آق شمس الدين) شيخ السلطان محمد الفاتح كان عالماً في الطبيعيات وطبيباً ماهراً. اهتم بالأمراض المعدية التي كانت تفتك بملايين الناس في ذلك الزمان..

وألف كتاباً حول ذلك باللغة التركية أسماه (مادة الحياة)، وضع فيه تعريفاً للجراثيم والميكروبات قبل لويس باستور بأربعة قرون، وقد قال في كتابه:

“من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الأشخاص تلقائياً، فالأمراض تنتقل من شخص إلى آخر بطريق العدوى. هذه العدوى صغيرة ودقيقة إلى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة، لكن هذه العدوى تحصل بواسطة بذور حية صغيرة”.

محاولات للطيران والطيران النفاث:

يحدثنا الرحالة والعالم العثماني الشهير أوليا جلبي الذي ذهب في رحلة لمدة 44 سنة زار فيها 23 بلداً يحدثنا عن شخص اسمه (أحمد جلبي هزار فن) وقف على مكان مرتفع في ميدان (أوق) باستانبول مرتدياً أجنحة من ريش النسر وذيلاً وطار في اتجاه الريح في تجربة للطيران، وقد قام بهذا العمل ثماني مرات ثم صعد أخيراً فوق برج (غالاطة) في العاصمة العثمانية وطار من قمة البرج مع اتجاه الرياح التي حملته حتى نزل في ميدان (دوغانجلير) بحضور السلطان مراد الرابع الذي كافأه بكيس مملوء من الذهب.. ويحدثنا أوليا عن شخص آخر يدعى حسن جلبي ركب جهازاً يمكننا وصفه بأنه أول صاروخ بدائي، ركبه وأشعل تلاميذه الفتيل فاشتعل البارود في داخله وصفر الصاروخ وانطلق طائرا في الجو وعليه أستاذهم، وعندما نفد البارود الموجود في الجهاز أفلته الأستاذ وبسط جناحين من ريش النسر وحاول الطيران بهما هكذا حتى سقط في البحر.. وأيضاً انطلق السلطان وراءه إلى شاطئ البحر وكافأه بمرتب مقداره سبعون (أقجة).

الصناعة العثمانية

حتى عام 1700 كانت المدفعية العثمانية هي أقوى مدفعية في العالم بلا منازع وقد صنع العثمانيون زمن محمد الفاتح (1432 – 1481 م) مدافع جبارة تستطيع خرق سور من الحجر سماكته إثنا عشر متراً، واخترع العثمانيون المدافع المتحركة ومدافع الهاون واستعملوها لأول مرة زمن سليم الأول. وكان هناك في الجيش العثماني الواحد ما لا يقل عن إثني عشر ألف جمل لجر المدافع الثقيلة جداً.
وصناعة السفن كانت متقدمة أيضاً والأسطول العثماني ظل حتى عام 1868 ثالث أقوى أسطول في العالم بعد الأسطولين الإنكليزي والفرنسي
يعتقد البعض أن الجيش العثماني كان مجموعة من الحفاة العراة الجوعى ولكن هذه شهادة من الجنرال النمساوي كونت فارسكلي الذي أمضى حياته كلها في محاربة العثمانيين، يقول: ((وصل التنظيم الاقتصادي العثماني إلى درجة عالية بحيث لم يكن يعادلها نظير في الحكومات (الغربية) .. من أسباب القدرة على الحركة العسكرية الموفقة للجيش العثماني هي جودة الأطعمة وعنايتهم بالحيوانات وهذه كلها أكثر دقة مما هي عليه عندنا وهي أكثر جودة في التنظيم…)) (العثمانيون في التاريخ والحضارة – د. محمد حرب)

المجمع الطبي العثماني

تم إنشاء أول جامعة للطب عند العثمانيين في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي سموها (دار الطب) ثم تم إنشاء المجمع الطبي في القرن الخامس عشر ومن رواده شرف الدين الصابونجي الأماسي العالم في الأدوات الجراحية والمطور لها. وداود الأنطاكي صاحب الدراسات عن المخ والكتاب الشهير حول الأدوية الطبيعية. وأخي جلبي صاحب الأبحاث حول المسالك البولية. وطبيب التوليد الشهير عياشلي شعبان. والعالم النفساني مؤمن السينوبي صاحب كتاب من 25 مجلدا حول الأمراض العقلية والنفسية والعصبية.. وقد خصص العثمانيون مشافي خاصة لهذه الأمراض في ذلك الوقت الذي كان الأوربيون فيه يحرقون المرضى العقليين والنفسيين بالنار بحجة إخراج الشيطان منهم بل استمروا في ذلك حتى القرن الثامن عشر.

يقول الدكتور الفرنسي (آبينج كرافت) في كتابه عن علم الأمراض العقلية الصادر في باريس سنة 1898: “إن أوروبا قد تعلمت من العثمانيين معالجة المصابين بالأمراض العقلية”.

في القرن الخامس عشر بدأ الأطباء العثمانيون في معالجة المرضى النفسيين والعصبيين بالموسيقى، وهو أمر لم يقم به الأطباء في عصرنا إلا في الولايات المتحدة بدءاً من سنة 1956.

كلمة أخيرة

أنا لا أدافع عن العثمانيين هنا .. أنا أدافع عن العقل العربي وضرورة معرفته بحقائق الأمور، وعن الموضوعية في نظرتنا للتاريخ، وعن ضرورة احترام عقولنا من قبل من يكتب عن العثمانيين ويشيطنهم ويجعلهم شراً مطلقاً.. العثمانيون لم يكونوا شراً مطلقاً بل هم مثل بقية الأمم.. العثمانيون لهم سلبياتهم ولهم إيجابياتهم.

وبالنسبة لتاريخهم لا بد أن ندرك أن الدولة العثمانية مرت بعدة مراحل وهي أخذت في الانحدار منذ تسللت المرأة اليهودية روكسلان إلى قصر السلطان سليمان القانوني وجعلته يتزوجها ثم جعلته يقتل ابنه ولي العهد ثم استلم أولادها الحكم وابتدأ التخريب يأكل جسم الدولة العثمانية واستمرت الدولة بالانحدار إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي حاول إنقاذها من براثن يهود الدونمة والمنظمات الماسونية لكنه لم ينجح في ذلك وحاول تحديث الدولة مستعيناً بخبرات ألمانية وفي عهده بالذات دخلت الكهرباء وخطوط الهاتف إلى سورية وكذلك التلغراف وخدمة البريد والترام الكهربائي وسكك الحديد والقطارات وأوائل الطائرات والطباعة وأسطول السفن الحديدية التجارية وأوائل السيارات وكذلك تم تعبيد الطرق ورصفها بالحجارة وتغطية الأسواق التجارية كسوق الحميدية.

وافتتحت المدارس والبنوك الخاصة والعامة كالبنك السلطاني والبانق السوري الفلسطيني وبنك مرقدة والمشافي الكبيرة كمشفى الغرباء في دمشق، وجرى أول عرض جوي لطيارين عثمانيين في سماء دمشق حيث رأى الناس لأول مرة طائرة تطير.. وبإمكانكم الإطلاع على تفاصيل دخول هذه التقنيات وعدد من الصناعات والتجارات والحرف إلى سورية في كتاب (خطط الشام) لمحمد كرد علي .. وكتاب معجم الصناعات الدمشقية .. ومنتخبات التواريخ لدمشق لمحمد أديب تقي الدين الحصني.. وغيرها من المصادر المختصة.

وقد تجنب السلطان عبد الحميد إدخال الدولة العثمانية في أي حرب لمعرفته بنتائجها الكارثية ورغم أن الروس زحفوا إلى مقربة من استانبول فقد سالمهم وتدبر أمرهم وهو رفض الدخول في حرب عالمية إلى جانب أي طرف وفقط بعد أن أقيل السلطان عبد الحميد تمكن يهود الدونمة من توريط الدولة العثمانية في الحرب العالمية مما أدى إلى كل ذلك الفقر والمجاعات والكوارث والهزائم والثورات الشعبية وبالتالي وقوع المجازر والإعدامات والفظاعات التي مارسها يهود الدونمة (مثل جمال السفاح) في حق مختلف الشعوب في محاولة لإثارة الشعوب على العثمانيين وفرط الدولة من داخلها وهو ما حدث بالفعل.

وهدفهم كان واضحاً للعيان (فإسرائيل) لا يمكن أن تقوم على جزء من امبراطورية إسلامية كبيرة كالدولة العثمانية ولذلك كان لابد من جعل تلك الامبراطورية تمرض ثم تموت وجعل الدول الاستعمارية الكبرى تتقاسم تركتها، وتزرع بالقوة هذا الكيان الغريب بين أوصالها .. بهذه المناسبة دعونا أخيراً نسجل كلمة عرفان للسلطان عبد الحميد الذي دفع عرشه وحريته ثمناً لموقفه الشريف في رفض بيع فلسطين للصهاينة وفي منع هجرة أي مستوطن يهودي إليها رغم المبلغ الهائل الذي عرضه عليه (تيودور هرتزل) و(قره صوه) مرات ومرات ورغم الترهيب والترغيب الذي تعرض له وانتهى بالانقلاب العسكري عليه والإطاحة به.

اهتم العثمانيون منذ البداية بالمؤسسات العلمية فمنذ وضع حجر اساس الدولة في بداياتها أمر أورخان غازي بإقامة مدرسة بجانب الجامع الكبير في ازنيق عام 1331م وفيما بعد أُسست مدرسة أخرى في بورصة عام 1335م، وخلال عهود مراد الأول ومحمد الجلبي ومراد الثاني شهدت الحركة العلمية في الدولة إزدهاراً تدريجياً حيث راح كل سلطان يقيم مؤسسات علمية في شتى بقاع الدولة العثمانية حيث كانت هذه المؤسسات عاملاً مهماً لإنتشار الثقافة الإسلامية في مناطق الروميلي خلال فترة قصيرة، وفي عهد السلطان محمد الفاتح أسس مدارس (صحن الثمان) في إسطنبول وسميت بهذا الإسم نسبتاً لعددها حيث كانت ثمان مدارس أُقيمت بجانب جامع الفاتح وقد قسمت هذه المدارس إلى مدارس عالية ومتوسطة وإبتدائية وكان يُدرس فيها شتى أنواع العلوم والشريعة، وإن المدة التي كان يدرس فيها الطالب لم تكن محسومة بل كانت مرتبطة بالفترة الزمنية التي ينهي فيها الطالب دراسة الكتب التي يتعلمها فإن لم يرى المعلم أن الطالب قد أتقن ما تعلمه لم يكن ينتقل إلى كتاب آخر ،ويعود هذا الإهتمام البالغ في التعليم لدى الفاتح منذ صغره حيث تربى ونشأ على حبه وشغفه بالعلم، وتربى على يد كبار العلماء وتأثر بهم كالشيخ (آق شمس الدين)، فهو كما قال عنه المؤرخ علي الآقسكي:

كان الشيخ آق شمس الدين “عالماً وجامعاً في نفسه كل ما يجب توافره فيمن يتولى الحكم من الأوصاف والمزايا…، وكان الفاتح عالماً كبيراً في العلوم الشرعية ومحباً لسائر العلوم والفنون”.

وإن هذه الصورة لتتضح في وصيته لابنه وهو على فراش الموت؛ فقد جاء فيها:

“… وبما أن العلماء هم بمنزلة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظِّم جانبهم وشجعهم، وإذا سمعت بأحدٍ منهم في بلد آخر فاستقدمه إليك، وأكرمه بالمال”.

في عهد السلطان سليمان القانوني وعلى أثر شعور الدولة بضرورة التطور في العلوم الرياضية والطبية أقام السلطان أربع مدارس لعلوم الرياضيات ومدرسة للطب ومدرسة دار الحديث.

وفي عام 1557م تم إنشاء كلية السليمانية بإشراف المعمار سنان، و حسب ما روى المؤرخ (باجوي) عمل في بناء الكلية 3523 عامل وتم صرف مبالغ كبيرة عليها وتم نقل مختلف أنواع الأحجار والأعمدة إليها من جزيرة بوزجه وازميت وغزة ولبنان وغيرها من المدن، وقُسّمت الكلية إلى 15 قسم من بين أقسامها الجامع ومدرسة الطب ومشفى الأمراض العقلية ومدرسة الحديث والمطبعة ودار الضيافة وضريح المعمار سنان.
وفي عام 1901م أمر السلطان عبد الحميد الثاني بتأسيس أول مدرسة طبية في دمشق، وتم تأسيس مدرسة الحقوق في بيروت عام 1913م التي نُقِلت إلى دمشق بعد اندلاع الحرب العالمية.
يجدر بالذكر أن المدارس الرسمية في فلسطين حتى نهاية العهد العثماني كانت لجميع الطوائف حيث بلغ عددها (776) مدرسة منها:

  • 413 مدرسة عربية إسلامية.
  • 250 مدرسة مسيحية.
  • 113مدرسة يهودية.

وهذه الإحصائيات تشير بوضوح إلى أن الدولة العثمانية سمحت لجميع الطوائف بممارسة حقها في التعليم لا كما يشاع عنها.

كان الهدف الأساسي من تأسيس مثل هذه المؤسسات العلمية هو إنشاء جيل واعي مفكر قادر على قيادة المجتمع والمضي به إلى الأفضل، فهدفت إلى توفير فئة من الإداريين وفئة أخرى من المدرسين الذين يمكنهم متابعة العملية التعليمية مستقبلاً وإعداد القضاة والحكام في الولايات المختلفة للإمبراطورية العثمانية ،وقد أدت هذه المدارس مهمتها خلال تلك المرحلة.

ظهرت المقالة العثمانيون أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%86/feed/ 0 2335
الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a/#respond Sat, 09 Dec 2017 17:55:55 +0000 https://al-ommah.com/?p=1041 لقد هزمنا الغرب عسكريا منذ القرن التاسع عشر، فاحتل عدن 1839، والجزائر عام 1830، ومصر عام 1882، وتونس عام 1881، وليبيا عام 1911 وبلاد الشام والعراق عام 1917، وأسقط الخلافة العثمانية عام 1924، لكنه لا يعني أنه متفوق علينا حضارياً. لأن الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري ولا يرتبط […]

ظهرت المقالة الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد هزمنا الغرب عسكريا منذ القرن التاسع عشر، فاحتل عدن 1839، والجزائر عام 1830، ومصر عام 1882، وتونس عام 1881، وليبيا عام 1911 وبلاد الشام والعراق عام 1917، وأسقط الخلافة العثمانية عام 1924، لكنه لا يعني أنه متفوق علينا حضارياً.

لأن الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري ولا يرتبط به ارتباطاً صحيحاً، فنحن قد انتصر الصليبيون علينا، واحتلوا أرضنا في نهاية القرن الحادي عشر، واحتلوا القدس عام 1099م ، لكنهم لم يكونوا أرقى منا حضارياً، بل كنا أرقى منهم فهم استفادوا من احتلالنا، وكان احتكاكهم بنا سبباً في نهضة أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

فقد تأثر المسيحيون الذين جاءوا في الحملات الصليبية بالمسلمين في أمر الدين، وأدى ذلك إلى انبثاق المذهب البروتستنتي على يد مارتن لوثر عام 1517، نتيجة احتكاك المسيحيين بالمسلمين، وتأثرهم بالديانة الإسلامية في عدة أمور منها: تواصل العابد بالنص الديني، وعدم الحاجة إلى وسيط، وعدم وجود تماثيل وأيقونات في مكان العبادة إلخ…، وقد كان هذا المذهب البروتستنتي عاملاً رئيسياً في تشكيل النهضة التي جعلت أوروبا تنتقل من العصور الوسطى وهي عصور الانحطاط والظلام إلى عصر العلم والتقدم والفتوحات العسكرية.

وكذلك انتصر علينا المغول التتر، واحتلوا بغداد 656ه-1258م، ولكنهم لم يكونوا أرقى منا حضارياً، بل أثّرنا فيهم، ودخلوا الإسلام وتشكلت منهم الدولة الإيلخانية في مرحلة لاحقة، ودافعت عن الدين الإسلامي والأمة الإسلامية من جهة الشرق.

لقد فسّر بعض الدارسين تغلب الغرب علينا في العصور الأخيرة بتفوقه الحضاري علينا، وربطوا بين الانتصار العسكري والتفوق الحضاري، وهذا ليس صحيحاً، بل كنا متفوقين عليه حضارياً، ولم يغلبنا عسكرياً نتيجة التفوق الحضاري، بل غلبنا عسكرياً نتيجة خلل في الميزان الاقتصادي بيننا وبينه، وهذا ما سأوضحه في السطور التالية.

لقد كان هناك صراع بين أوروبا والخلافة العثمانية، وكانت الغلبة للخلافة العثمانية على أوروبا، واحتلت معظمها، حتى وصلت جيوشها إلى فيينا عام 1529م. لكن التوازن بدأ يختل لصالح الغرب، فمتى بدأ الاختلال في التوازن العسكري بيننا وبين الغرب؟ ومتى بدأت تلحقنا الهزائم العسكرية؟

لقد بدأ الاختلال في التوازن بيننا وبين الغرب منذ اكتشاف اسبانيا لأمريكا في عام 1492، فقد جعل الاكتشاف ثروة الغرب واقتصاده وأمواله ترجح على ثروة واقتصاد وأموال الخلافة العثمانية، وذلك بسبب نقل الأطنان من الذهب والفضة إلى دول أوروبا من الأمريكيتين، وأدى ذلك إلى اختلال الميزان الاقتصادي بين أوروبا والخلافة العثمانية، وأدى هذا الاختلال إلى تطورين آخرين، هما:

  • القدرة على الإنفاق على العلماء والتجارب العلمية: وأدى ذلك إلى اكتشافات علمية من مثل: الآلة البخارية، ثم الكهرباء الخ….، وكان قد سبق ذلك تأثر العقل الأوروبي بالعقل الإسلامي حيث نقل روجر بيكون(1219-1292م) فكرة التجريب من الأندلس إلى أوروبا والتي تعتبر أصل الدخول إلى الاختراعات العلمية، وانعدامها يلغي القدرة على أي اختراع علمي.
  • القدرة على الإنفاق العسكري: وأدى ذلك إلى أن تمتلك أوروبا ترسانة من الأسلحة أكثر مما تمتلكه الخلافة العثمانية، فامتلك الغرب سفناً حربية ومدافع، وبنادق أكثر مما عند الخلافة العثمانية، وامتلك عددا أكبر من الجيوش والجنود والمقاتلين، مما أهّل الغرب للانتصار على الخلافة العثمانية والعمل على طردها من أوروبا من خلال تحريك شعوب أوروبا للثورة على الخلافة العثمانية من مثل الشعب اليوناني والصربي والسلافي والبلغاري والأرمني إلخ… في القرن التاسع عشر، وأدت هذه الثورات إلى مواجهة بين أساطيل الخلافة العثمانية التي تعاونت مع الأسطول المصري وبين أساطيل الدول الثلاث الكبرى آنذاك روسيا وانجلترا وفرنسا، والتي انتهت بتدمير الأسطولين العثماني والمصري في معركة نافارين عام 1827. واستغل الغرب الضعف العسكري للخلافة العثمانية والتفوق العسكري الذي امتلكه فاحتل عدداً من البلدان العربية في القرن التاسع عشر والعشرين كما ذكرنا في بداية المقال.

ومما يؤكد أن أمتنا كانت أرقى حضارياً من الغرب، هو أنه عندما أقدمت فرنسا على استعمار الجزائر عام 1830، واستهدفت فرنستها كانت نسبة الأمية في فرنسا أكثر منها في الجزائر، وأنه كان ثلث مباني مدينة الجزائر أوقافا، ولا شك أن هذين مقياسان واضحان على مدى الرقي الحضاري الذي كانت تتسم به أمتنا وبلادنا.

من الواضح أن العامل العسكري كان سبب انتصار الغرب علينا الذي جاء من غناه الاقتصادي وهو عامل خارجي، ومن الواضح أن الغرب لم يكن أرقى منا حضارياً في لحظة انتصاره، لكني أقر بأننا كنا نعاني من ضعف وتأخر في المجالات الثقافية والسياسة والاجتماعية، نتيجة تداخل بعض العوامل الخارجية في منظومتنا الثقافية مثل “العرفان الهرمسي” الذي يعطّل بعض جوانب الفاعلية العقلية والنفسية عند الفرد المسلم من جهة، ومثل علوم الفلسفة التي تداخلت مع بعض أمور العقيدة فعطّلت الأخذ بالسببية عند الفرد المسلم من جهة ثانية.

ومنذ أن استعمر الغرب بلادنا واتجه إلى تدمير عناصر القوة في بنائنا الفكري والاجتماعي والسياسي، وزيادة ضعفنا، ووضع لذلك خططاً واسعة، و نفذها من أجل جعلنا ضعافاً ومتخلفين في كل المجالات السياسية والفكرية والثقافية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعقلية والخلقية إلخ….

ونحن سنتناول مصر كنموذج من أجل توضيح بعض الأعمال التي قام بها المستعمر الانجليزي من أجل تحيق الأهداف التي تحدثنا عنها سابقا، ويمكن أن نجد الأعمال نفسها أو ما يماثلها في أقطار أخرى استعمرت من قبل مستعمرين آخرين.

من الواضح أن انكلترا استعمرت مصر عام 1882، وقد بدأ الاستعمار حملة تشكيك واسعة بكل الثوابت التي قامت عليها أمتنا، ومن ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية، واللغة العربية، ودور أمتنا الحضاري.

وقام بذلك الدور من التشكيك عدد كبير من المستشرقين منهم جب، وجولد تزيهر وبول كراوس وهنري لامنس إلخ…، كما قام بذلك رهط من الكتاب العرب أمثال: طه حسين، وعلي عبدالرازق، وسلامة موسى ولويس عوض إلخ….

وقد لعب الاستعمار دورا آخر في تفكيك الوحدة السياسية، ففكك بلاد الشام إلى أربع دول هي: سورية، لبنان، الأردن، فلسطين. وحرك الطوائف  في أكثر من مكان مثل: لبنان وسورية والعراق ومصر إلخ… كما حرك العرقيات من أمثال: الأكراد والأمازيج إلخ…

أما على مستوى الفرد فقد حاول تغريب الفرد، وقد نجح في اقتلاع عدد من أفراد الأمة من جذورهم الثقافية، وفشل مع آخرين، وجاءت دعوة طه حسين في كتاب” مستقبل الثقافة في مصر” خير معبر عن هذه الدعوة عندما قال:” يجب علينا أن نأخذ الحضارة الغربية حلوها ومرها”.

وقد نهب الاستعمار اقتصاد المنطقة وخيراتها وأبرزها البترول، فاستخرجه من العراق والخليج والسعودية وابتاعه بأبخس الأثمان إلى سبعينيات القرن الماضي، كما جعلت انجلترا مصر أرضا لزراعة القطن من أجل أن تعزز انجلترا صناعة النسيج عندها. كما جعل الاستعمار الجزائر أرضاً لزراعة العنب من أجل صناعة الخمور وتصديرها إلى فرنسا.

لذلك فإن التأخر والفقر الاقتصادي، والتفتيت الثقافي والتجزيء السياسي، الذي نجم في القرنين الأخيرين والذي جاء نتيجة الاستعمار الغربي جعل عالمنا العربي يعيش تخلفاً كبيراً، ويتراجع في كل شيء إلى الوراء، وهو يفوق التخلف والتراجع الذي وقع خلال اثني عشر قرنا السابقة من تاريخ أمتنا ومنطقتنا.

الخلاصة: انتصر الغرب علينا عسكرياً في القرنين التاسع عشر والعشرين، واحتل معظم البلدان العربية، لكن ذلك لا يعني تفوقه الحضاري، وكان انتصاره العسكري ناتجاً من اختلال الميزان الاقتصادي بين الخلافة العثمانية وأوروبا، بعد اكتشاف إسبانيا لأمريكا عام 1492، فنقلت أوروبا الأطنان من الذهب والفضة من الأمريكيتين، مما جعلها قادرة على تضخيم ترسانتها العسكرية من أساطيل وأسلحة ومدافع وجنود وجيوش، وجعلها تنتصر على الخلافة العثمانية وتحتل بلادنا، ثم زاد ضعفنا بعد استعمار الغرب لنا، نتيجة المخططات التي رسمها في مجال النهب الاقتصادي، والتفتيت الثقافي، والتجزيء السياسي.

رابط المقال من موقع الجزيرة نت الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري

ظهرت المقالة الانتصار العسكري لا يلزم منه التفوق الحضاري أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b3%d9%83%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d9%8a/feed/ 0 1041
تجديد الدين.. الفكرة والواقع https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/#respond Mon, 28 Sep 2015 01:40:21 +0000 https://al-ommah.com/?p=545 إن تجديد الدين أمر طبيعي، وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها” (أبو داود في سننه)، ويختلف الباعث الذي يدفع إلى هذا التجديد من عصر إلى آخر. ويمكن أن نأخذ نموذجا لهذا […]

ظهرت المقالة تجديد الدين.. الفكرة والواقع أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
إن تجديد الدين أمر طبيعي، وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها” (أبو داود في سننه)، ويختلف الباعث الذي يدفع إلى هذا التجديد من عصر إلى آخر.

ويمكن أن نأخذ نموذجا لهذا التجديد من التاريخ ونمثل عليه بالشافعي رحمه الله، فقد سمي بمجدد المئة الثانية ولقب بـ”ناصر السنة”، وقد كان السبب في ذلك أن هناك صراعا بين أهل الرأي وأهل الحديث بلغ أوجه في القرن الثاني للهجرة، وقد تعمقت الهوة بينهما، وقد تعصب كل فريق لاجتهاده وحكمه وأدواته التي استخدمها لإصدار فتواه، وكادت تحدث فتنة، ولكن الشافعي -رحمه الله- وضع “الرسالة” التي أصل فيها لعلم أصول الفقه، وضبط العلاقة بين أهل الرأي وأهل الحديث، وأعاد للحديث الشريف مكانته، وأعطاه قيمته الحقيقية، وقنن للقياس.

ولهذا استحق أن يكون مجدد القرن الثاني من قرون الهجرة بعد أن جاء هذا الاستحقاق حصيلة العلم الذي أخذه من مالك بن أنس رحمه الله في المدينة عندما درس على يده “الموطأ”، وتقصى “الحديث” عند أهل المدينة ثم ذهب إلى العراق، والتقى محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله، وأخذ عنه علمه الذي كان مثالا لمدرسة الرأي، ثم عاد إلى مكة وكتب “الرسالة” في الأصول، وكان هذا الكتاب “الرسالة” تقعيدا لعلم جديد هو “علم أصول الفقه”، وهو علم امتازت به أمتنا، وهو غير موجود عند الأمم الأخرى.

من المهم أن ننتبه إلى أن تجديد الدين لا يأتي بقرار حكومي، بل هو حصيلة وعي الطبقة العلمائية في الأمة، وانتباهها للمشاكل التي تواجه الأمة، ثم تضع الحلول المناسبة لها بشكل تلقائي من خلال وعي حقائق الدين ومن خلال فهم واقع الأمة ومن خلال إبداع قواعد التجديد وأحكامه التي تحتاجها الأمة وتستدعيها ظروفها وأحوالها.

أما الآن فإن الحضارة الغربية تمثل التحدي الأكبر للدين الإسلامي والأمة والحضارة الإسلامية، لأنها تقوم على أصول مناقضة -في كثير من الأحيان- للأصول التي تقوم عليها أمتنا وحضارتنا، لذلك فإن أي تجديد يجب أن يكون إما ردا على الحضارة الغربية التي تريد أن تفرض نفسها علينا وتلغي كياننا، أو يجب أن يكون في إيجاد توافق معها في موضوع من المواضيع لصوابية رأيها في هذا الموضوع.

فعلى سبيل المثال يعترف الإسلام بأن الكون مبني على عالمين، هما: عالم الغيب وعالم الشهادة، في حين أن الحضارة الغربية تعترف بعالم الشهادة فقط ولا تعترف بعالم الغيب وما فيه من روح وجنة ونار وملائكة وشياطين.. إلخ، وتعتبر ذلك خرافات وأوهاما.

ومن أمثلة الاختلاف أن الإسلام يقوم على نقل متمثل بالقرآن الكريم والسنة المشرفة، وهما وحيان من الله سبحانه أوحى الله بهما إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ويقوم على عقل يتعامل مع هذا النقل، كما يتعامل مع الكون المحيط به، في حين أن الحضارة الغربية تقوم على عقل يتعامل مع الكون المادي المحيط به فقط ولا تعترف بأي نقل.

ومن أمثلة الاختلاف أن الإسلام يعتبر أنه دين ودولة، في حين أن الحضارة الغربية تعتبر أن الدين لا علاقة له بالدولة ويجب ألا يتدخل بها، وقد سبقتها إلى هذا أوروبا المسيحية في القرون الوسطى.

ومن خلال رصد التطورات الفكرية التي حدثت خلال القرنين الماضيين في ساحات الأمة الثقافية نجد أن محاولات التجديد لم تتوقف، ويمكن أن نقسمها إلى سلبية وإيجابية، فالسلبية: ما يأتي في إطار تطويع نصوص الإسلام لصالح الحضارة الغربية، والإيجابية: ما يأتي في إطار تحديد موقف من بعض مفاهيم الحضارة الغربية والبناء عليه، وسنضرب أمثلة على نوعي التجديد في السطور التالية.

أولا: المحاولات السلبية في التجديد

الأولى: يمكن أن نعتبر محاولة محمد عبده في مجال تضييق الفجوة بين عالم الغيب وعالم الشهادة لصالح عالم الشهادة ومن ثم لصالح المادية الغربية مثالا على ذلك.

فقد ورد في سورة الفيل حديث القرآن الكريم عن الطير الأبابيل الذي أرسله الله تعالى على جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة فرماه بحجارة من سجيل، فأهلكه الله مع الفيلة التي جاء بها، فقال تعالى ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل:1-5].

لقد أول محمد عبده ذلك الطير الأبابيل بأنه طير من جنس البعوض أو الذباب، وحجارة السجيل بأنها طين يابس من الذي يسمونه -الآن- الميكروب والتي هي جراثيم الجدري أو الحصبة.

وقد أول محمد عبده الجن بالميكروب والجراثيم فقال “وقد قلت في المنار غير مرة أنه يصح أن يقال إن الأجسام الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى الميكروبات تصح أن تكون نوعا من الجن”.

كما أول محمد عبده خلق عيسى عليه السلام بـ”اعتقاد قوي استولى على قلب مريم فأحدث الحمل بها، وكثيرا ما يكون الاعتقاد بالمرض مسببا له”.

ولكن توجه محمد عبده التجديدي بشكل عام لقي تراجعا على يد تلميذه محمد رشيد رضا، وهو في الحقيقة تصويب وتصحيح لما مثله محمد عبده من استسلام لمعطيات الحضارة الغربية المادية وترويجها.

الثانية: أصدر علي عبد الرازق كتاب “الإسلام وأصول الحكم” بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 على يد الإنجليز، وقد اعتبر علي عبد الرزاق في ذلك الكتاب أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء داعيا ولم يجئ حاكما، وأن الخلافة التي برزت في التاريخ الإسلامي كسلطة وحكومة وأحكام وجيوش وقتال ودول إنما هي من اختراع المسلمين، وافتئات على الإسلام والرسول ولا علاقة للإسلام بها، وهو في هذا الاجتهاد يلغي الدولة من أجل أن يوافق المسلمون الحضارة الغربية فيما انتهت إليه من أحكام حول علاقة الدين بالدولة.

وقد كانت ردود الفعل واسعة على علي عبد الرازق فلم يقبل كلامه، وقد ألفت عدة كتب في الرد عليه، وأبرزها “الإمامة العظمى” لمحمد رشيد رضا، ثم قدمت دعوى قضائية بحقه في محاكم القاهرة، وتم سحب الكتاب من الأسواق، ثم جرد المؤلف من شهادته الأزهرية.

الثالثة: تناول محمد عابد الجابري العلاقة بين النقل والعقل في كتابيه “مدخل إلى القرآن الكريم” و”تفسير القرآن الكريم”، وقد ضيق مجال النقل وضخم دور العقل من أجل صالح الحضارة الغربية التي تقوم على العقل وحده كما هو معروف.

وقد انطلق محمد عابد الجابري من اعتبار القرآن الكريم معجزة عقلية، وهو في هذا مصيب، ولكنه أخطأ عندما اعتبر أن القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يعترف بكل المعجزات الأخرى، من مثل: انشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكليم الحجر له صلى الله عليه وسلم، وحنين المنبر له، وانبثاق الماء بين يديه، ثم سقايته لجيش كامل، وطرح البركة في طعام قليل، وإطعامه عددا كبيرا من الناس.

وقد استكمل ذلك بأنه لم يعترف بالجانب الآخر من النقل، وهو السنة المشرفة التي وضحت القرآن الكريم وفسرته، وزادت عليه في بعض أحكامها، وفي هذا تضييق للنقل لصالح العقل، ومن أجل خدمة الحضارة الغربية وترويجها التي تقوم على العقل وحده.

ثانيا: المحاولات الإيجابية للتجديد في الدين

الأولى: رد محمد قطب على فكرة “نسبية الحقيقة” التي تقوم عليها الحضارة الغربية في كتاب “التطور والثبات في حياة البشرية” فذكر أنه ليس كل شيء متطورا في حياة البشرية، وليس كل شيء ثابتا، بل هناك قضايا ثابتة، وهناك قضايا متطورة ومتغيرة، ووضح بعد ذلك أن الثابت ما يتعلق بالعقيدة من توحيد وعبادة، وأحكام الأسرة من طلاق وزواج وميراث استنادا إلى قوله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء:1].

الثانية: تحدث أبو الأعلى المودودي عن “القومية” التي انبثقت في الغرب بعد سقوط إمبراطوريات القرون الوسطى، واعتبرها “قومية عنصرية”، وبين أنها انتكاس ورجوع إلى الوراء في العلاقات الدولية: من الإطار الإنساني إلى الإطار العنصري الضيق.

وأوضح أن الإسلام طرح بديلا عن ذلك وهي “القومية الحضارية”، وقد تمثلت “القومية الحضارية” في أمة الإسلام التي تمازجت فيها مختلف الأعراق والأجناس تحقيقا لقوله تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: 13].

الثالثة: كتب الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة، ودعا إلى توسيع المقاصد وعدم حصرها في المقاصد الخمسة التي وضحها الشاطبي في كتاب “الموافقات”، وهي: مقاصد حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

لذلك اقترح بعض العلماء اعتماد مقاصد أخرى للدين من مثل مقاصد: الحرية والعدل والمساواة والتي يمكن أن نستفيدها من تطورات الحضارة الغربية، ولقي هذا التوجه قبولا لدى عموم علماء الأمة، ليس هذا فحسب بل زاد الاهتمام بعلم المقاصد بسبب الكتابات الواسعة عن علم المقاصد لدى الطاهر بن عاشور وغيره من الكتاب.

الخلاصة: التجديد في الدين أصل من أصول الحضارة الإسلامية، وقد قام علماء متعددون بمهمة التجديد في التاريخ الماضي، وإن الحضارة الغربية هي التحدي الأكبر الذي يواجه -الآن- الدين والأمة والحضارة الإسلامية، وقد قامت عدة محاولات للتجديد والاجتهاد في العصر الحديث، وقد رصدنا بعض محاولات التجديد السلبية في ثنايا المقال، كما رصدنا بعض محاولات التجديد الإيجابية.

رابط المقال من الجزيرة نت تجديد الدين.. الفكرة والواقع

ظهرت المقالة تجديد الدين.. الفكرة والواقع أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/feed/ 0 545
إنسانية الإسلام وعالميته https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/ https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/#respond Sun, 19 Apr 2015 03:23:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2461 لقد خلق الله سبحانه وتعالى آلاف المخلوقات لكن الانسان كان أكرمها فقال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء، 70) لذلك يعتبر الإسلام الانسان أكرم المخلوقات، لذلك أسجد الله له الملائكة، فقال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ […]

ظهرت المقالة إنسانية الإسلام وعالميته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد خلق الله سبحانه وتعالى آلاف المخلوقات لكن الانسان كان أكرمها فقال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء، 70) لذلك يعتبر الإسلام الانسان أكرم المخلوقات، لذلك أسجد الله له الملائكة، فقال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” (الأعراف، 11).

ومما يجدر الانتباه إليه أن هذا التكريم للانسان، وإسجاد الملائكة له جعل علماءنا يستقرؤون الشريعة التي نزلت في القرآن والسنة، فوجدوا أن كل ما أنزله الله على رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- من أوامر ونواه وتحليل وتحريم وآداب وأخلاق ومبادئ وقيم يدور حول خمسة مقاصد، هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

ولو تأملنا هذه المقاصد لوجدناها أهم العوامل التي تحقق إنسانية الإنسان، وتحقق حياته البشرية بشكل سليم، فهي تدور حول حياته وماله وعقله ونسله وهذا يدل على أن الإسلام دين الإنسانية، فلن تجد نظامًا ولا أمة ولا دولة جعلت مدار وجودها وحياتها على هذه الأمور التي تقيم الحياة الإنسانية.

وحتى المعاني الجديدة التي طرأت في حياتنا المعاصرة والتي جاءت إلينا من الحضارة الغربية نجدها داخلة تحت مقصد من المقاصد الخمسة السابقة. فلو أخذنا شعارات: حق الحرية، وحق الحياة، وحق التنقل، وحق إبداء الرأي إلخ …، لوجدناها تحت مقصد حفظ النفس، وقس على ذلك كل المعاني الأخرى.

لذلك نستطيع أن نؤكد أن ما طرحه الإسلام من تعليمات ومبادئ وقيم وأخلاق إنما هي لبناء الحياة الإنسانية خير بناء، وإن إنسانية الدين الإسلامي حقيقة مقررة وقائمة من خلال ماطرحته آيات القرآن الكريم والسنة المشرفة.

كما كان الإسلام دينًا إنسانيًا كذلك هو دين عالمي، وقد تحقق أفق العالمية في التاريخ، لأنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بُعِث إلى الناس كافة وليس للعرب وحدهم، قال سبحانه وتعالى: “وما أرسلناكَ إلا رَحمةً للعالمين”(الأنبياء،107)، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: “وما أرسلناك إلا كافَةً للناسِ بشيراً ونذيراً” (سبأ،28)، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: “قُلْ يا أَيُّها الناسُ إني رَسولُ اللهِ إليكم جَميعاً” (الأعراف،158). وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في أحد أحاديثه فقال: “فُضّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون” (رواه مسلم).

وقد تحقق أفق العالمية لأنّ القرآن الكريم كتاب الله إلى الناس جميعاً فقال سبحانه وتعالى: (إنْ هو إلا ذِكْرٌ للعالمينَ) [ص:87]، ولأنّ الإسلام أقام الرابطة بين الناس على أساس الإيمان بالله ولم يقمها على جنس أو نسب أو قبيلة فقال سبحانه وتعالى: “إنما المؤمنونَ إخوةٌ” [الحجرات:10]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس إنّ أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى”.

لذلك مزجت الأمة الإسلامية مختلف الأجناس والأعراق والقبائل والشعوب في بوتقتها، وهذا المزج هو ما حلم به الفيلسوف أرسطو وتلميذه القائد العسكري اسكندر المقدوني، وسعى إلى تحقيقه بمزج العرقين: اليوناني والفارسي في بابل من خلال زواج اسكندر المقدوني بابنة كسرى ملك الفرس، وزواج كبار ضباطه بشريفات الأسر الفارسية، لكن هذه المحاولة انتهت بوفاة الاسكندر المقدوني، ولم يتحقق أفق العالمية كما أراد أرسطو.

وقد أثمرت عالمية الإسلام حضارة عالمية كان للعرب دور بارز في بداية ظهور الإسلام ولفترة وجيزة، لكن الشعوب الأخرى شاركتهم بعد ذلك في كل عناصرها العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية…الخ، لذلك نجد أنّ الصرح العلمي في الحضارة الإسلامية بناه علماء من العرب والفرس والهنود…الخ، وأنّ الأرض الإسلامية دافعت عنها قبائل وأسر سلجوقية وزنكية وكردية وتركمانية وشركسية وعثمانية…الخ، وأنّ القيادة السياسية تسلمها العرب والبربر والترك والفرس…الخ.

ومما ساعد في تحقيق هذه الحضارة العالمية اعتبار الإسلام الأمة الإسلامية مع أمم الأنبياء السابقين أمة واحدة فقال سبحانه وتعالى: “وإنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُم فاتَّقونِ” (المؤمنون،52)، وقال سبحانه وتعالى: “إنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدةً وأنا رَبُّكُم فاعْبُدونِ” (الأنبياء،92)، وقد جاء الوصف بالأمة الواحدة في السورتين بعد حديث تفصيلي عن معظم الأنبياء السابقين ومنهم: موسى، وهارون، وإبراهيم، ولوط، وإسحاق، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام.

ومما عزز هذه العالمية إفراد مساحة تشريعية خاصة في التعامل مع أهل الكتاب: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام؛ إذ أباح الإسلام أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم فقال سبحانه وتعالى: “وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (سورة المائدة: من الآية 5.

إن الإسلام دين إنسانية وعالمي ولقد تحققت إنسانية الإسلام وعالميته في الواقع التاريخي ولقد بلغت هذه الإنسانية والعالمية آفاقًا لم تعرفها الحضارات الأخرى وهي جديرة بأن تكون محل بحث تفصيلي لكي نحسن فهم واقعنا، ونحسن التعامل معه حاضرًا ومستقبلاً.

ظهرت المقالة إنسانية الإسلام وعالميته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/feed/ 0 2461
أحكام خاطئة في حق أمتنا وحضارتنا https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86%d8%a7/ https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86%d8%a7/#respond Thu, 01 Jan 2004 03:15:41 +0000 http://onlinedawa.org/alommah/?p=5 يندهش المتابع للساحة الثقافية من حجم المبالغات في الأحكام الخاطئة التي تطلق على أمتنا وتاريخنا وحضارتنا من مثل: حضارتنا اندثرت من قرون. العقل الإسلامي تعطّل منذ زمن طويل. تاريخنا تاريخ استبداد. دخلت الأمة عصر الانحطاط منذ العصر العباسي الثاني، بدأت النهضة مع قرع مدافع نابليون لأبواب مصر. المسلمون متخلّفون في […]

ظهرت المقالة أحكام خاطئة في حق أمتنا وحضارتنا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
يندهش المتابع للساحة الثقافية من حجم المبالغات في الأحكام الخاطئة التي تطلق على أمتنا وتاريخنا وحضارتنا من مثل:

تأتي دهشة المتابع للساحة الثقافية من تلك الأحكام لعدة أمور:

أولها: إطلاق كتّاب مرموقين لتلك الأحكام، مع أنه لا يليق بمثلهم أن يصدروا تلك الأحكام.

ثانيها: مجاراة كثير من الإسلاميين لأولئك الكتّاب المرموقين في أحكامهم، وقبولهم بتلك المقولات والعمل على ترويجها.

ثالثها: لا نجد أي جهد عملي مبذول في تمحيص التاريخ أو الوقائع الحضارية من أجل الوصول إلى تلك الأحكام، بل جاءت تلك الأحكام نتيجة نظرة سطحية وخارجية إلى أوضاع أمتنا وتاريخنا وحضارتنا.

رابعها: كثير من تلك الأحكام خاصة بالتاريخ الغربي وحضارته تمّ إسقاطها على تاريخنا وحضارتنا دون مراعاة لخصوصية حضارتنا وتاريخنا وهويّتنا.

خامسها: عدم النظر إلى الإيجابيّات التي تمتلكها أمتنا، وإمكانيّات المقاومة التي تتّصف بها، والتي أدّت إلى إفشال التغريب خلال القرنين الماضيين.

        لاشك أن تلك الأحكام الخاطئة تترك أثراً كبيراً من الاضطراب في رؤية القارئ العربي والمسلم، لأحوال أمتنا ومسيرتها، لذلك على القارئ أن لا يستسلم لتلك الأحكام إلا بعد أن تكون مقترنة بالتمحيص العلمي والتدقيق التاريخي من جهة، وكذلك على الكتّاب المسلمين أن يتصدّروا لتلك المقولات بالردّ والتفنيد من جهة ثانية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ظهرت المقالة أحكام خاطئة في حق أمتنا وحضارتنا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%ad%d9%82-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%88%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%aa%d9%86%d8%a7/feed/ 0 5
بماذا امتازت حضارتنا؟ https://www.al-ommah.com/%d8%a8%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7_%d8%a7%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%b2%d8%aa_-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9_%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%a8%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7_%d8%a7%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%b2%d8%aa_-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9_%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9/#respond Mon, 16 Jul 2001 04:14:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2469 العالمية يلحظ الدارس لأوضاع الحضارة الإسلامية امتيازها بإنجازات لم تنجزها الحضارات الأخرى، ومن هذه الإنجازات: تحقيق العالمية وامتزاج الشعوب بين بعضها بعضاً. وإعطاء الفرصة لكل الأعراق والأجناس والشعوب من أجل أن تساهم في تكوين الحضارة الإسلامية وتقديم ما تحسنه من أجل استمرارها. ويؤكد ذلك استعراض القائمين على كل فن من فنون […]

ظهرت المقالة بماذا امتازت حضارتنا؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>

العالمية

يلحظ الدارس لأوضاع الحضارة الإسلامية امتيازها بإنجازات لم تنجزها الحضارات الأخرى، ومن هذه الإنجازات:

  • تحقيق العالمية وامتزاج الشعوب بين بعضها بعضاً.
  • وإعطاء الفرصة لكل الأعراق والأجناس والشعوب من أجل أن تساهم في تكوين الحضارة الإسلامية وتقديم ما تحسنه من أجل استمرارها.

ويؤكد ذلك استعراض القائمين على كل فن من فنون الحضارة، أو عِلْمٍ من علومها، أو مجال من مجالاتها، فسنجد ذلك الفن أو العلم أو المجال مملوءاً بأسماء من كل الأجناس والأعراق والشعوب كالعرب والفرس والترك والكُرد إلخ…

والسبب في ذلك بسيط ومعروف ويعود إلى:

  • أن الدين الإسلامي ليس ديناً خاصاً بالعرب.
  •  لم يبعث الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم للعرب وحدهم.
  • لم ينـزل القرآن الكريم من أجل هداية العرب وحدهم، إنما الدين الإسلامي والرسول محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم لكل الأجناس والأعراق والشعوب.

وقد وردت عدة آيات تبرز المعنى السابق منها قوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء،107)، وقوله تعالى أيضاً: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (الأعراف،158) وقوله تعالى عن القرآن الكريم: (إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف،104).

وقد تحققت العالمية في واقع الحضارة الإسلامية بسبب آخر هو جعل الإسلام التقوى ميزان التفاضل وليس الجنس، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات،13).

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” (رواه أحمد).

وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام نجح في تحقيق العالمية والدمج بين الأعراق والأجناس والشعوب حيث فشلت في ذلك قيادات ومجتمعات أخر.

وأبرزها الاسكندر المقدوني الذي قصد إلى تحقيق العالمية في فتوحاته بتوجيه من أرسطو المعلّم الأول، لذلك أنشأ الاسكندر المقدوني مدناً كالإسكندرونة والإسكندرية من أجل أن تكون مراكز علمية تصدّر حضارة واحدة هي الحضارة الهلّينستية.

وحاول دمج العرقين اليوناني والفارسي في حفل الزواج الكبير الذي أقامه في بابل، وتزوج فيه ابنة كسرى أنوشروان، كما زوّج  ضباطه بنات رجال الدولة الفارسية. لكن أحلام الاسكندر المقدوني وأستاذه أرسطو من قصد دمج العرقين اليوناني والفارسي من أجل خلق حضارة عالمية تبخرت بعد وفاته ولم يتحقق منها شيء على أرض الواقع.

وتتضح قيمة حضارتنا العالمية إذا قارنّاها بواقع الحضارة الغربية التي أعلت من شأن الجنس الأبيض وحكمته في كل شؤون الحضارة الغربية ولم تتح للأعراق والشعوب والأجناس أن تأخذ دورها.

ففي أمريكا مثلاً التي قامت على خليط من الشعوب والأجناس والأعراق والتي يفترض أن تكون فرصة الأعراق والأجناس والشعوب الأخرى كبيرة. جاء جميع الرؤساء الأمريكيين من الجنس الأبيض، ومن العرق الأنغلوساكسوني، ومن المذهب البروتستانتي باستثناء رئيسين:

  • واحد جاء من المذهب الكاثوليكي هو الرئيس جون كيندي.
  • والثاني جاء من العرق الأسود وهو الرئيس أوباما.

سعة الإعمار

ومن الأمور التي امتازت بها حضارتنا سعة الإعمار الذي طال الإنسان والحيوان والزراعة والتجارة والصناعة والعلوم والفنون والبناء إلخ…. وقد جاء ذلك من أن الدين الإسلامي لم يحتقر الدنيا، ولم يعتبرها دنساً يجب الابتعاد عنه, أو يجب إهماله من أجل الفوز بالآخرة، بل اعتبر إعمارها والتمتع بطيباتها عبادة ومجلبة للأجر كالصلاة والصيام بشرط توجّه القلب إلى الله عند القيام بذلك.

ويوضح ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم محرضاً على الإعمار: “إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل” (رواه أحمد).

ويوضحه أيضاً إعطاء المسلم الأجر الأخروي على قضاء الشهوة الخاصة التي اعتبرت دنساً يجب الابتعاد عنه في الأديان الأخرى، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : “إن في بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر. قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر” (رواه مسلم).

ويوضحه تصريح الرسول بمحبوباته من الدنيا فكانت النساء إحداها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة” (الجامع الصغير).

كما اعتبر الإسلام جلب المنفعة للناس سبباً وطريقاً إلى حب الله تعالى، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله” (الجامع الصغير).

ويتصل بالإعمار تحريم الإسلام الرهبانية التي تعني الانقطاع عن الدنيا والالتفات إلى الآخرة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل” (رواه أحمد).

ويتصل بذلك أيضاً تحريم تعذيب الجسد وقتل الطاقات، فقد نقلت الأحاديث أن ثلاثة من الصحابة سألوا إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم عن عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم فتقالّوها

وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال أحدهم: فإني أصلّي الليل أبداً،

وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر،

وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً،

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني” (رواه البخاري).

خيرية الأمة الإسلامية

ومن الأمور التي امتازت بها حضارتنا إيجاد الآلية التي تجدد المجتمع، وتصحح الأخطاء، وتقوّم الانحرافات وذلك من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد اعتبر القرآن الكريم أن خيرية الأمة الإسلامية جاءت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال تعالى:

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران،110).

وقد وضح القرآن الكريم أيضاً أن لعن بني اسرائيل جاء لأنهم قصّروا في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة،78-79).

وقد اعتبر الفقه الإسلامي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد من المسلمين فإن ذلك يكون سبباً في إثم الجميع.

وقد حذر الإسلام من نزول العذاب وإصابته الجميع إذا لم يقم المسلمون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم” (رواه أحمد). وقال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال،25).

وقد وضّح الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه أنه لابد للمسلم من أن يرتقي سلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أقل درجاته وهي الإنكار القلبي للمنكر لأن ذلك أضعف الإيمان.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” (رواه مسلم وأحمد). وفي رواية أخرى: “وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”.

أسباب تعثر ميزات حضارتنا

 

تعثر العالمية

تعثرت الميزة الأولى في حضارتنا وهي دمج الأعراق والأجناس والشعوب في العصور الأولى. عندما لجأ الأمويون إلى سياسة التفرقة على أساس قبلي إذ كانوا يقدمون القيسية مرة، واليمانية مرة أخرى، مما أدى إلى بروز الشعوبية التي تخفض من شأن العرب.

ثم زالت تلك الظاهرة بمجيء العباسيين حيث أخذت  الأجناس الأخرى غير العربية دوراً كبيراً. وكان العرق الفارسي هو الأول في الحظوة إذ اعتمد العباسيون على تجنيد الفرس في إزالة الدولة الأموية. ثم انفتح الباب لبقية الأعراق، فبرز الأتراك، ثم تبعهم البويهيون والسلاجقة والزنكيون والأكراد إلخ…

وبلغ التمازج بين الأعراق والأجناس والشعوب ذروته في الفترة المملوكية إذ تسلّمت فيها أكثر من عشرين جنسية المناصب الأولى في الدولة. ثم انتقل منصب الإمامة الكبرى وهي الخلافة إلى العرق التركي والتي بقيت فيهم أربعمائة عام من 1516م إلى 1924م.

تعثر سعة الإعمار والخيرية في الأمة الإسلامية       

وبالنسبة للميزتين الأخريين في حضارتنا وهما سعة الإعمار وخلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أضعفهما انتشار التصوف ورسوخه في المجتمع الإسلامي.

فقد دعا التصوف إلى:

  • إهمال الدنيا.
  • تعذيب الجسد.
  • قتل الشهوات.
  • الانصراف عن المجتمع ومساوئه.
  • التوجه إلى الخلاص الفردي من خلال مقولة “دع الخلق للخالق”.

وكلها مقولات تتعارض مع الحقائق والمبادئ التي نادى بها الإسلام مما أدى إلى تقليص حجم البناء الحضاري في المجتمع الإسلامي، وإلى ضعف فاعلية تصحيح الانحرافات، وإلى فرز أمراض أخرى أبرزها:

  • الخطأ في فهم القضاء والقدر.
  • التوكل وحلول التواكل والكسل محلهما.

ولكن التصوف انحسر تأثيره في القرن الماضي بسبب العلماء المجددين الذين بيّنوا مخالفته لحقائق الدين الإسلامي من جهة، وبسب الاحتكاك بالحضارة الغربية التي تقوم على مبادئ مناقضة للتصوف من جهة ثانية.

ميزة حضارتنا الإسلامية : ايجاد الآلية التي تجدد المجتمع من موقع سعورس

ظهرت المقالة بماذا امتازت حضارتنا؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a8%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7_%d8%a7%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%b2%d8%aa_-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9_%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9/feed/ 0 2469
هل تجنبت أمتنا منزلقات الأمم السابقة؟ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa/#respond Wed, 09 May 2001 03:47:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2733 هل تجنبت أمتنا منزلقات الأمم السابقة؟ التوحيد كان التوحيد أبرز حقيقة دعا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أثار استغراب المشركين واستنكارهم لذلك قالوا: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عُجاب) (ص،5). وتذكر الروايات أنه لما نزلت آية (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) […]

ظهرت المقالة هل تجنبت أمتنا منزلقات الأمم السابقة؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
هل تجنبت أمتنا منزلقات الأمم السابقة؟

التوحيد

كان التوحيد أبرز حقيقة دعا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أثار استغراب المشركين واستنكارهم لذلك قالوا: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عُجاب) (ص،5).

وتذكر الروايات أنه لما نزلت آية (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (البقرة،168).

تساءل المشركون: كيف يسع الناس إله واحد؟

فأنـزل الله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنـزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها بث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (البقرة،164).

وبيّن الله لهم في هذه الآية أن هذه الظواهر الكونية على اختلافها وتنوعها وكثرتها لا تناقض بينها ولا تصادم مما يدل على الله الواحد الأحد الذي يجمع بينها ويصرّفها ويسيّرها.

وهذا يحتاج إلى تدبر وتعقل، ويحتاج إلى قوم يستخدمون عقولهم استخداماً صحيحاً وسليماً.

عرض حقيقة التوحيد

واستكملت المصادر الإسلامية من قرآن وسنة عرض حقيقة التوحيد، ففصلت الحديث عن صفات الله وأسمائه وأفعاله، ومَن الذين يحبهم الله ومَن الذين يبغضهم الله، وكيف يمكن للعبد أن يستجلب رضوان الله تعالى، وكيف يمكن أن يتجنب غضبه سبحانه وتعالى إلخ…

كما وضّحت – تلك المصادر – بشكل جليّ أن العلاقة بين الإنسان وبين الله هي علاقة عبودية وليست شيئاً غير ذلك.

قال تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز) (فاطر،15-17).

وإذا أراد الإنسان أن يحوز على رضا الله فعليه أن يعبّد ذاته إلى الله.

قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) (الإسراء،23).

وقال أيضاً: (ألر. كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت من لدن حكيم خبير. ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير) (هود،1-2).

وقال تعالى أيضاً: (قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب) (الرعد،36).

وقد حقق الرسول صلى الله عليه وسلم هذه العبودية خير تحقيق، لذلك نعته القرآن الكريم في رحلة الإسراء والمعراج بـ “عبده” فقال تعالى:(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (الإسراء،1).

وعندما يعبّد الإنسان ذاته لله تعالى يكون منسجماً مع الكون المحيط به, إذ تعبد المخلوقات الموجودة فيه الله، وقد عبر القرآن الكريم عن هذه  العبادة بالتسبيح.

فقال تعالى: (تسبّح له السماواتُ السبعُ والأرض ومن فيهن، وإنْ من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء،44).

وعبّر القرآن الكريم عن هذه العبادة بالسجود أيضاً.

فقال تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال) (الرعد،15).

كما عبّر القرآن الكريم عن ذلك باستسلام المخلوقات طوعاً وكرهاً فقال تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً) (آل عمران،83).

كما بيّن القرآن الكريم خضوع السماء والأرض لله وطاعتهما له.

فقال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) (فصّلت،11).

كما وضّح القرآن الكريم خضوع المخلوقات غير العاقلة لله تعالى.

فقال تعالى: (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (النحل،49).

ووضّح القرآن الكريم أن الدعوة إلى التوحيد كانت رسالة الأنبياء السابقين إلى أممهم.

فقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل،36).

ألغى الإسلام الواسطة بين الله وبين عباده لذلك دعا القرآن الكريم العباد إلى دعاء الله مباشرة دون واسطة.

قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقرة،186).

كما أمر الله العباد بدعائه سبحانه وتعالى

فقال: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر،60).

لذلك نعى القرآن الكريم على المشركين توسيطهم الأصنام إلى الله مع ادعائهم عدم عبادتهم لها فقال: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر،3).

لذلك رفض وجود طبقة لرجال الدين، ويكون بذلك قد منع أية جهة أو شخص من ممارسة دور بين العبد وربّه.

ولما كان التوحيد هو الأصل الأبرز الذي دعا إليه الإسلام كان الشرك هو الذنب الأبرز الذي حذّر منه فقال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (النساء،116).

الشرك

وبيّن عدم استقامة دعوى الشرك، ومثّل على ذلك باستحالة انتظام الكون في حال وجود أكثر من إله فقال تعالى:

(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء،22).

وقال أيضاً: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) (المؤمنون،91).

التجارب التاريخية للأمم السابقة

لم يكتف الإسلام بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، بل دعم ذلك بعرض التجارب التاريخية للأمم السابقة، فبيّن أبرز الأخطاء التي وقعت فيها، وكانت المسيحية أقربها عهداً ومكاناً بالمسلمين.

لذلك نعى القرآن الكريم على النصارى غلوّهم في المسيح عليه السلام وتأليههم إياه فقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم) (المائدة،73).

وقال أيضاً: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) (المائدة،17).

وبيّن أن تأليه المسيح عليه ناتج عن اتباع ضلالات قديمة فقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل) (المائدة،77).

ثم لفت القرآن الكريم الأنظار إلى تناول عيسى وأمه الطعام فقال تعالى: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام) (المائدة،75).

وقد ذكرت آيات متعددة أن المسيح وصف نفسه بعبد الله سواء عند ولادته أو في كبره، قال تعالى: (فال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً) (مريم،30).

وسينفي يوم القيامة أن يكون قد طلب من الناس أن يتخذاه وأمّه إلهين من دون الله،قال تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك وأنت علام الغيوب)

(المائدة،116).

وقد أجرى القرآن الكريم ذلك النقد الواسع من مختلف الجوانب لمقولة حلول الله في المسيح لكي يحصّن الأمة الإسلامية من أن تقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الأمم السابقة.

والسؤال الذي يرد الآن: هل استطاعت الأمة الإسلامية أن تتجنب المنـزلقين السابقين اللذين وقعت فيهما الأمم السابقة وهما:

  • فكرة حلول الله في العبد أو الكون
  • عدم توسيط أحد بين العبد وبين الله

التصوف

يجد الدارس لمسيرة الأمة الإسلامية انتشار التصوف بشكل كبير في مختلف مناطقها، ويجد ترويج التصوف لهاتين الفكرتين، فقد استهدف التصوف من المجاهدات الكثيرة التي يؤديها المتصوف إلى أن تجعل العبد يتّحد بالله أو أن تجعل الله يحل بالعبد أو أن يكتشف المتصوف وحدة الوجود.

وقام مشايخ التصوف بدور الواسطة بين العبد وربّه إذ ألزموا المتصوف باتباع الشيخ، ومن لا شيخ له فشيخه الشيطان، وألزموه بالاستسلام له كما يكون الميت بين يدي المغسّل، وعظموا مشايخهم واعتقدوا أن لهم تأثيراً في الأسباب، وأقاموا عليهم الأضرحة والمشاهد، واتخذوهم واسطة إلى دعاء الله.

ترويج المنزلقات

فما السبب الذي جعل هذه الأمور تروج في الأمة الإسلامية مع كل الحقائق التي أبرزها الدين الإسلامي حول مبادئ العلاقة بين المسلم والله وأنها علاقة عبودية وحول عدم قبول أية واسطة بين العبد وبين الله؟

السبب في ذلك عدة أمور:

الأول: اتباع التصوف أسلوب الإسرار، وإخفاء الجوانب المتعلقة بحلول الله في العبد، وعدم الإعلان عنها في عرضه لآرائه وأهدافه وحقيقة وجهات نظره، وأحلّوا دم من أباح هذه الأسرار.

الثاني: الجفاف الذي عرفته كتب العقيدة المتأخرة في قواعد العقيدة الإسلامية من مثل شرح العقائد النسفية للتفتازاني، وشرح جوهرة التوحيد للباجوري، وشرح العقائد العضدية إلخ…

فركزت تلك الكتب على الجوانب العقلية في العقيدة وعلى الرد على الفرق الأخرى دون إبراز الجانب المعنوي والنفسي في العقيدة والذي يتحدث عن حب الله والخوف منه وتعظيمه إلخ…

الثالث: إغفال كتب العقائد المتأخرة الحديث عن الشرك وصوره وأنواعه.

فلو تصفحنا أي كتاب فيها لا نجد فيها شيئاً من ذلك مع أن القرآن عندما دعا إلى التوحيد حذّر من الشرك بنفس المقدار.

الرابع: اقتصار كتب الفقه على صورة العبادة وإطارها من ركوع وسجود وقيام وقراءة إلخ…

دون الحديث عن الجوانب النفسية والمعنوية فيها من مثل الاطمئنان والخشوع والتعظيم والرجاء والإخبات إلخ…

أدرك الغزالي هذا النقص في ساحة العقائد والفقه فملأه بكتاب “إحياء علوم الدين“، ولكن ملأه لصالح التصوف، لذلك كان الكتاب المذكور سابقاً أكثر الكتب رواجاً خلال القرون السابقة لأنه عالج وجعاً، وسد فراغاً.

ظهرت المقالة هل تجنبت أمتنا منزلقات الأمم السابقة؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%aa/feed/ 0 2733
علام قامت الحضارة الإسلامية؟ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9/#respond Fri, 15 Dec 2000 03:32:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2550 شكّل القرآن الكريم أساس الكيان الحضاري للمسلمين، فكان مرجعهم في كل شؤونهم، فاستمدوا منه أحكامهم التشريعية، وأخذوا منه تصوراتهم الدينية، واستندوا إليه في أحكامهم الفقهية إلخ… وقد كان ذلك تطبيقاً لبعض آيات القرآن الكريم التي وصفت القرآن الكريم بأنه تبيان لكل شيء، قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) […]

ظهرت المقالة علام قامت الحضارة الإسلامية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>

شكّل القرآن الكريم أساس الكيان الحضاري للمسلمين، فكان مرجعهم في كل شؤونهم، فاستمدوا منه أحكامهم التشريعية، وأخذوا منه تصوراتهم الدينية، واستندوا إليه في أحكامهم الفقهية إلخ… وقد كان ذلك تطبيقاً لبعض آيات القرآن الكريم التي وصفت القرآن الكريم بأنه تبيان لكل شيء، قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) (النحل،89)، وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة،15)، وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل،44)، (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) (النحل،64).

وقد تعامل المسلمون مع القرآن على هذا الأساس فأصبح الكتاب ركيزة في كل بنائهم الحضاري، لكن القرآن الكريم ترافق اعتماده كمرجعية لكيان المسلمين الحضاري مع أمرين اثنين بناهما الرسول صلى الله عليه وسلم هما: النفوس العظيمة، والعقول الكبيرة، وهذه الأمور الثلاثة هي الأعمدة التي ارتفع عليها كيان المسلمين الحضاري، فما السند الرئيسي الذي استند إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء النفوس العظيمة والعقول الكبيرة؟

كان التوحيد نقطة الاستناد الرئيسية في بناء النفوس العظيمة حيث قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء،25)، وتعني عبادة الله في أحد جوانبها الرئيسية: تعظيم الله، والخضوع له، والخوف من ناره ومقامه، ورجاء جنته تعالى، وحبه تعالى أكثر من كل محبوبات الدنيا، وقد جاءت الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وحج لتغذي هذه الجوانب النفسية، فعندما يصلي المسلم يفعل ذلك تعظيماً لله تعالى على خلقه العظيم، وعندما يركع يفعل ذلك طمعاً في جنته تعالى وخوفاً من ناره، وعندما يسجد يفعل ذلك حمداً لله تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وعندما يصوم المسلم ويمتنع عن أهم شهوتين هما: الطعام والنساء يفعل ذلك في سبيل محبوب أعظم هو الله تعالى، وعندما يحج المسلم إلى المسجد الحرام ويضحي في سبيل ذلك بوقته وماله وجهده يفعل ذلك تعظيماً لله تعالى وخضوعاً وامتثالاً لأوامره تعالى.

أما الآلية التي تتحقق بها العبادة فهي الهدم والبناء: هدم الشرك وبناء التوحيد، لأن كل الصيغ التي دعت إلى عبادة الله احتوت النفي والإثبات، وقدمت النفي على الإثبات، كما جاء على لسان الأنبياء نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام في سورة الأعراف مثلاً حيث قالوا جميعاً: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الآيات من سورة الأعراف)، ويؤكد ذلك أيضاً كلمة الشهادة التي يدخل المسلم الإسلام بها حيث يقول: “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”، حيث ينفي في البداية استحقاق أي إله العبادة ثم يثبتها لله تعالى.

أما بناء العقول الكبيرة فقد استند الرسول صلى الله عليه وسلم في بنائها إلى مفهومي الميزان والحكمة اللذين تحدث عنهما القرآن الكريم، حيث وردت كلمة الميزان في آيتين في القرآن الكريم، قال تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان، وما يدريك لعل الساعة قريب) (الشورى،17)، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد،25).

وقد فسّر ابن تيمية كلمة “الميزان” التي وردت في الآيتين السابقتين بأنها الأمور العقلية التي يحتاجها الناس في حياتهم والتي تجعل أحكامهم على الأشياء المحيطة صحيحة، والتي تجعل تعاملهم مع الكون سليماً، من مثل ربط الأسباب بالنتائج، والفهم، والتعليل والتحليل، وقد جاء كلامه -أي ابن تيمية- في معرض الرد على الذين كانوا يوجبون على المسلمين بناء عقائدهم على مقدمات فلسفية، فبيّن أن الله أرحم بعباده من أن يكلهم إلى الفيلسوف فلان وإلى الفلسفة العلانية من أجل بناء عقولهم، لذلك أنزل مع أنبيائه الميزان الذي يبني عقولهم من أجل أن يكون هناك تعامل صحيح مع الكتاب، لأنه دون موازين عقلية صحيحة لن يكون تعامل صحيح مع الكتاب، ولن يؤتي الكتاب ثمرته المرجوة.

ويتضح ذلك في إجابات القرآن الكريم عن الأسئلة التي وجهها المسلمون أو المشركون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (البقرة،189)، ومن مثل (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وفي إجابات الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل إجابته عن سؤال المرأة التي جاءت إلى النبي وقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: “نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء” (رواه البخاري)،

وفي خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كسفت الشمس يوم وفاة ابنه ابراهيم، وربط الناس بينهما، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة” (رواه البخاري ومسلم). ففي كل الإجابات السابقة للقرآن الكريم أو للرسول صلى الله عليه وسلم نجد البناء العقلي السليم، ففي جواب القرآن عن السؤال حول الأهلة، كان التوجيه إلى الجانب العملي المفيد للأهلة وهو أنها “مواقيت للناس والحج”، وفي جواب القرآن الكريم عن السؤال حول الروح كان التوجيه إلى التوقف عن البحث لأن هذا نطاق جديد لا يمتلك الإنسان وسائل البحث فيه وهو من أمر الله، وفي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن سؤال المرأة حول مشروعية حجها عن أمها كان التوجيه إلى التفكير العلمي في المقايسة بين ديْن العباد وديْن الله والخلوص إلى أن دين الله أحق بالوفاء، وفي خطبته صلى الله عليه وسلم بعد وفاة ابراهيم توجيه للمسلمين بالابتعاد عن التفكير الخرافي، وتوجيه إلى التفكير العلمي الذي يربط تحولات الشمس والقمر بحركة الكون وليس بحادثة وفاة أحد أو ولادة أحد حتى ولو كان ابناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما السند الثاني الذي استند إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في البناء العقلي فهو مفهوم الحكمة، فقد وردت كلمة الحكمة في عدة آيات كريمة، قال تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (الجمعة،2)، وقد امتن الله على العرب ابتعاث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) (البقرة، 151).

وقد وردت عدة أقوال في تحديد معنى كلمة “الحكمة”، فقد جاء فيها أنها السنة النبوية، وأنها الأحكام المتفق عليها بين جميع الأديان والملل، وأنها الإصابة في القول والعمل إلخ… وبغض النظر عن تحديد المعنى المقصود لكلمة “الحكمة” والذي قد يجمع بين الأقوال السابقة جميعها، فإن “الحكمة” ترتبط بشكل أولي بالفهم والإدراك والعقل إلخ…، لذلك لابد من أجل أن تتحقق الحكمة في أية قضية من أن يكون هناك فهم لعناصر القضية، وإدراك لعلاقتها بما قبلها وما بعدها، وتحليل لكيفية تطويرها إلخ…

وكل هذا يحتاج إلى تدبّر وتعقّل، وقد جاءت السنة النبوية الشريفة مليئة بالشواهد العملية على الحكمة في صورتها المثلى والتي تنتهي إلى الإصابة في القول والعمل، لذلك كانت أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم تتصف بأنها من “جوامع الكلم” أي “الألفاظ القليلة ذات المعاني الكثيرة”، وكانت أعماله صواباً دائماً، وإذا كانت خلاف الأولى في بعض أحيان قليلة نبهه الوحي إلى ما هو الأولى ليعمله، وبذلك أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة للمسلمين كما وضح الله تعالى ذلك فقال: (ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) (الأحزاب،21).

ومما يلفت النظر أن الآيات التي تحدثت عن الحكمة ربطت بين تعليم الكتاب والحكمة من جهة، والتزكية من جهة ثانية وهو أمر جديد كل الجدة، إذ المعهود سابقاً ولاحقاً أن التزكية مرتبطة بتعلم الكتاب وحده لأنه مستودع الهدى، ولكن أن تكون تزكية النفوس وتطهرها ناتجة عن تعلم الكتاب وتعلم الحكمة فهو الأمر الجديد الذي يرفع من شأن العقل، ويوجه المسلمين إلى ضرورة أن تكون عقولهم مبنية بناء سليماً ليكون التعامل السليم مع الكتاب، وينتج عن ذلك تزكية وتطهّر حقيقيّان.

بُني الكيان الحضاري للمسلمين -كما رأينا- على ثلاثة أعمدة: الكتاب والميزان والحكمة، وقد أفرزت تلك الأعمدة نفوساً عظيمة وعقولاً كبيرة، فأين حدث ذلك الخلل الذي عرقل استمرار مشروع الحضارة الإسلامية؟ قطعاً لم يحدث الخلل في الكتاب، لأنه محفوظ بحفظ الله حيث قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر،9)، وبالفعل فإن إحدى ميزات الحضارة الإسلامية أن كتابها محفوظ بفضل الله ثم بفضل جهود الصحابة الذين اجتهدوا في حفظه في صدورهم أولاً، ثم في تدوينه بين دفتي المصحف الشريف الذي يبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس ثانياً.

لكن الخلل حدث في بناء النفوس العظيمة والعقول الكبيرة، وقد كان التصوّف أحد أسباب هذا الخلل، حيث أخذت العبادة فيه منحى جديداً يقوم على تعذيب الجسد من أجل الوصول إلى الحقيقة، وهو منحى جديد لم تعرفه أصول العبادة الإسلامية التي تعتبر الاستجابة لمتطلبات الجسد عبادة، وأصدق دليل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم “وفي بضع أحدكم أجر” قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إن وضعها في الحلال كان له أجر” (رواه مسلم).

وقد أدى ذلك التصوّف إلى الاستلاب النفسي للمسلم وإلى ضعف فاعليته العقلية ممن أدى إلى خلل في تعامله مع الكتاب، لذلك نحتاج الآن مرة ثانية إلى تفعيل مفهومي الميزان والحكمة من أجل إعادة الفاعلية العقلية للمسلم المعاصر، لكي يحسن التعامل مع الكتاب حيث سيؤدي ذلك إلى التزكية المطلوبة وتتحقق دعوة ابراهيم عليه السلام عندما قال:

(ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) (البقرة،129).

الكتاب والميزان والحكمة : ثلاثة أعمدة قامت عليها الحضارة الاسلامية من موقع سعورس

 

ظهرت المقالة علام قامت الحضارة الإسلامية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9/feed/ 0 2550
عن العلاقة بين الفطرة والحضارة https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/#respond Fri, 14 Apr 2000 20:22:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2563 إنّ تلبية مطالب الفطرة أحد العوامل الرئيسية في نشوء الحضارات وحيويتها واستمراريتها، وإنّ عدم تلبية مطالب الفطرة أحد العوامل الرئيسية في أزمة الحضارة وتعثرها ودمارها، ويمكن أن نمثل بالحضارة الإسلامية على النموذج الذي يلبّي مطالب الفطرة ويحققها، ويمكن أن نمثل بحضارة أوروبا في العصور الوسطى قديماً وبالاتحاد السوفييتي حديثاً على […]

ظهرت المقالة عن العلاقة بين الفطرة والحضارة أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
إنّ تلبية مطالب الفطرة أحد العوامل الرئيسية في نشوء الحضارات وحيويتها واستمراريتها، وإنّ عدم تلبية مطالب الفطرة أحد العوامل الرئيسية في أزمة الحضارة وتعثرها ودمارها، ويمكن أن نمثل بالحضارة الإسلامية على النموذج الذي يلبّي مطالب الفطرة ويحققها، ويمكن أن نمثل بحضارة أوروبا في العصور الوسطى قديماً وبالاتحاد السوفييتي حديثاً على النموذج الذي لا يلبّي مطالب الفطرة في بعض جوانبها، فيتأزم المجتمع، ويتعثّر، ويقوده ذلك إلى الانفجار وإلى التغيير الجذري في مختلف النواحي، وهذا ما سنجتهد في توضيحه، ثم سنتطرّق إلى الحضارة الغربية في القرن الحادي والعشرين، وسنجتهد في استكشاف مدى تلبيتها لمطالب الفطرة، وسنبرز العوامل التي تخالف الفطرة الكامنة فيها.

الحضارة الإسلامية كنموذج محقّق للفطرة:

        جاء الإسلام ملبّياً للفطرة فقال I: ]فأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّينِ حَنيفاً فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها لا تبديلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلك الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ[ (الروم،30)، وزّكى القرآن الكريم ملة إبراهيم u التي هي صورة من صور اتباع الفطرة، قال I: ]ومَن يَرْغَبُ عن مِلَّةِ إبراهيمَ إلاّ مَن سَفِهَ نفسَهُ ولقدِ اصْطَفَيْناهُ في الدنيا وإنّهُ في الآخرةِ لَمِنَ الصالحينَ. إذْ قال لهُ ربُّهُ أَسْلِمْ قال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمينَ[ (البقرة،130-131)، وقال I: ]ومَنْ أحسنُ دِيناً مِمَّنْ أسلمَ وجهَهُ للهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيمَ حَنيفاً واتَّخَذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً[ (النساء، 125)، لذلك جاء أمر الله إلى الرسول r باتباع ملة إبراهيم فقال I: ]ثمّ أوحينا إليكَ أَنِ اتَّبِعْ مَلَّةَ إبراهيمَ حنيفاً وما كان مِنَ المشركين[ (النحل،123)، وإنّ المتفحص في الآيات والأحاديث يجد أنّ أبرز مظاهر الفطرة التي أشار إليها الإسلام هي: التدين، والتعلم، والشهوات المتمثلة بالنساء والأموال والزرع إلخ… أما التدين فقد عبّر القرآن الكريم عن فطريته بأنّ الإنسان عرف ربّه وهو في عالم الذر وهو في ظهر آدم وأولاده قال I: ]وإذْ أخذَ ربُّكَ مِن بَني آدمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَتَهُم وأّشْهَدَهُم على أنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قالوا بَلَى ، شَهِدْنا ، أَن تقولوا يومَ القيامةِ إنّا كُنّا عن هذا غافِلينَ[ (الأعراف،172)، وقد وصفت الأحاديث الشريفة التوحيد بأنه الفطرة، فقال الرسول r: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوّدانه أو يُمجّسانه أو يُنصّرانه” (رواه مسلم)، أما التعلّم فقد أشار القرآن الكريم إلى أنه كان السبب الرئيسي لتفضيل آدم u على الملائكة في اختياره للخلافة، وذلك بعد اعتراضهم على استخلافه بأنه يفسد ويسفك الدماء، وقد بيّن القرآن بأنّ ميزة آدم عليهم هي قدرته على التعلم وحفظ الأسماء وعجز الملائكة عن ذلك، وقد أقرت الملائكة بذلك بعد تحديهم بأن ينبئوا الله بتلك الأسماء وقد عرضت سورة البقرة كل ذلك فقال I: ]وإذْ قال ربُّكَ للملائكةِ إنّي جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أتجعلُ فيها مَن يُفْسِدُ فيها ويسْفِكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بِحمدِكَ ونُقّدِّسُ لكَ قالَ إنّي أعلَمُ ما لا تعلمونَ . وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثم عَرَضَهُم على الملائكةِ فقال أنبِئوني بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادقينَ . قالوا سبحانكَ لا علمَ لنا إلاّ ما علَّمْتَنا إنّكَ أنتَ العليمُ الحكيمُ . قال يا آدمُ أنبِئْهُم بأسمائِهِم فلمّا أنبَأَهُم بأسمائهم قال أَلَمْ أَقُلْ لكم إنّي أعلمُ غيبَ السماواتِ والأرضِ وأعلمُ ما تُبْدونَ وما كنتم تكتمونَ[ (البقرة،30-33)، أما الشهوات فهي من الفطرة وهي كثيرة منها: حب المال والذهب والفضة والثمار والزروع إلخ. . . ومنها الحب المتبادل بين الذكر والأنثى، ومنها حب الآباء والأبناء والأوطان والمساكن إلخ. . . فقد تحدثت عنها كثير من الآيات والأحاديث فقال I: ]زُيِّنَ للناسِ حُبُّ الشهواتِ مِنَ النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المُقَنْطَرَةِ  مِنَ الذهبِ والفضَّةِ والخيلِ المُسَوَّمَةِ والأنعامِ والحرثِ ذلك مَتاعُ الحياةِ الدنيا واللهُ عندَهُ حُسْنُ المآبِ[ (آل عمران،14)، وقال I: ]وتأكُلونَ التُراثَ أكلاً لَمّاً . وتُحِبّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً[ (الفجر،19-20)، وقال I: ]قُلْ إن كان آباؤكُم وأبناؤكُم وإخوانُكُم وأزواجُكم وعشيرَتُكُم وأموالٌ اقْتَرَفْتُموها وتِجارَةٌ تخشونَ كَسادَها ومساكِنُ تَرْضَوْنها أَحَبَّ إليكم مِنَ اللهِ ورسولِهِ وجهادٍ في سبيلِهِ فَتَرَبَّصوا حتى يأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ واللهُ لا يهدي القومَ الفاسقينَ[ (التوبة،24).

وقد وضع الإسلام البرامج التي تحقق عناصر الفطرة وتلبي نوازعها، ففي مجال التدين بيّنت آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة صفات الله التي استحق من أجلها العبادة I كالعلم والقدرة والحكمة والخبرة إلخ. . . وأوجبت التوحيد وحرّمت الشرك، وفصّلت أمور العبادة كالصلاة والصيام والحج إلخ. . . ووعدت المسلم الذي يؤدي عباداته بالثواب الجزيل، وأوعدت المسلم الذي يعصي ربه بالعذاب الشديد، ووضحت أمور الغيب كالجنة والنار والملائكة والشياطين، ورغّبت بالجنة وخوفت من النار إلخ. . .

        وفي مجال التعلم حث الإسلام على التفكير والتدبر، وامتدح ذوي الألباب والعقول، واحترم العلماء واعتبرهم ورثة الأنبياء، وحرّم الخمر وأوجب لها الحدّ لأنها تذهب بالعقل، ويكفي للتدليل على أهمية فطرة التعلّم في الإسلام إلى أنّ أول أمر أنزل إلى الرسول r هو الأمر بالقراءة التي هي بداية التعلم حيث قال له جبريل في غار حراء في أول لقاء بينهما “اقرأ” ثلاث مرات، ثم كانت أول آية في القرآن الكريم قوله I: ]اقْرَأْ بِاسْمِ ربِّكَ الذي خلقَ. خلقَ الإنسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وربُّكَ الأَكْرَمُ. الذي عَلَّمَ بِالقلمِ. عَلَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ[ (القلم،1-5).

        وفي مجال الشهوات أباح الإسلام الزواج وحض عليه، وأباح اقتناء الأموال وأباح التجارة والصناعة، وأباح امتلاك عروض التجارة والمساكن والزروع والثمار إلخ.. وقد أصدر التشريعات التي تضبط ذلك وتحدّد حلاله وحرامه وصوره، والأهم من ذلك أنّ الإسلام اعتبر قضاء تلك الشهوات جميعها عبادة فقال رسول الله r مخاطباً الصحابة: “في بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إن وضعها في الحلال كان له فيها أجر” وقال r: “إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها فإنّ له بها أجراً”.

ومن مظاهر تلبية الفطرة أنّ تكاليف الإسلام جاءت حسب الوسع فقال I:
]لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها[ (البقرة،286)، وقال I: ]فاتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُم[ (التغابن،16)، وقد جاءت الفروض بالحد الأدنى الذي هو في وسع كل إنسان، فكانت الصلاة المفروضة خمس صلوات، وكانت الزكاة ربع العشر من المال، لكن الحد الأعلى مفتوح بحسب إرادة المسلم ورغبته، فهناك السنن المؤكدة وغير المؤكدة لكل صلاة، وهناك قيام الليل، وهناك صلاة الضحى، وسنّة الوضوء إلخ. . . وهناك تصدّقُ المسلم الذي يمكن أن يصل إلى ثلث ماله. ومما يشير إلى مراعاة الإسلام للفطرة وجود الرخص كرخصة التيمم وقصر الصلاة من أجل رفع الحرج عن الأمة، قال I: ]وما جعلَ عليكم في الدينِ مِنْ حَرَجْ مِلَّةَ أبيكُم إبراهيمَ هو سَمّاكُمُ المسلمينَ مِن قبلُ[ (الحج،78).

        وقد أشار علماء الأصول وأبرزهم الشاطبي إلى أنّ استقراء جميع آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تبيّن أنّ جميع الأنبياء والرسالات جاءت لتحقيق خمسة أمور هي: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وسمّاها الضروريات واعتبر أنّ بقية أمور الدين تدور حول تلك الضروريات وسمّاها: الحاجيات والكماليات، وإذا تأملنا الضروريات الخمس التي اعتبرها الشاطبي مقاصد الشريعة والتي جاءت الرسالات لحفظها وتحقيقها نجد أنها مطابقة لأمور الفطرة التي تتطلبها النفس البشرية وهي: التدين والتعلم والشهوات إلخ. . .

        والآن: بعد أن بيّنا كيفية تحقيق الحضارة الإسلامية لمطالب الفطرة سننتقل إلى تقديم نموذجين حضاريين عن عدم تلبية مطالب الفطرة أوّلهما: أوروبا في العصور الوسطى، وثانيهما: الاتحاد السوفييتي في القرن العشرين.

أوّلاً: أوروبا في العصور الوسطى:

        لعبت الكنيسة دوراً مميزاً في أوروبا في العصور الوسطى، وكانت مبادئها وتعليماتها ذات دور فاعل فيها، وأبرز مبادئها التي ناقضت الفطرة فيها مبدآن:

الأول: القول بثنائية المقدّس والمدنّس، فاعتبرت الشهوات والجسد والمرأة والدنيا أموراً مدنّسة يجب الترفّع والابتعاد عنها، واعتبرت كل ما يتصل بالله والروح والآخرة مقدّساً يجب التوجّه إليه والحرص عليه والقيام به، واعتبرت الرهبنة هي الجسر الذي يجب أن يسير عليه المسيحي من أجل أن ينتقل من المدنّس إلى المقدّس، واعتبرت تعذيب الجسد وقتل الشهوات هو الطريق الذي يجب أن يمشي عليه المسيحي من أجل أن يحرّر جسده، لذلك ازدهرت الأديرة التي ترعى الرهبان الذين يتركون عالم الدنيا، وازدهرت الممارسات التي تعذّب الجسد من أجل الخلاص الروحي، كحمل الأثقال، والجوع، واعتزال الناس.

الثاني: القول بأنّ الله عاقب آدم فأخرجه من الجنّة لأنه أكل من شجرة المعرفة، وولّد هذا الموقف بذرة العداء للعلم، واستُكمل العداء عندما حكمت الكنيسة على بعض علماء أوروبا بالهرطقة والزندقة والموت عندما قالوا ببعض الحقائق العلمية ككروية الأرض، وبأنّ الأرض تدور حول الشمس إلخ…

        إنّ هذين المبدأين المناقضين للفطرة ولّدا أزمة في المجتمع الأوروبي، مما دفع الجماهير إلى الثورة على الكنيسة، والتمرّد على أقوالها وتعاليمها، ووضع القيود على رجال الدين فيها، وإبعادهم عن كل شؤون المجتمع والحياة، وحصر دورهم في شؤون العبادة وحدها.

ثانياً: الاتحاد السوفييتي في القرن العشرين:

        أما الاتحاد السوفييتي الذي طبق النظرية الماركسية فقد أقر الإلحاد وأنكر وجود إله ونظر إلى الإنسان نظرة مادية بحتة وهذا مخالف لفطرة الإنسان التي تقوم على التدين والتوجه إلى عبادة إله، فقد عرفت كل المجتمعات البشرية التدين والعبادة وأماكن العبادة، والأرجح أنّ الاتحاد السوفييتي كان أول دولة رعت الإلحاد بشكل رسمي، وصادم الاتحاد السوفييتي -أيضاً- غريزة حب التملك عند الإنسان، واعتبرها مكتسبة وليست فطرية، لذلك انتزع ستالين من الفلاحين مواشيهم ومزارعهم وأراضيهم وحوّلها إلى ملكية جماعية تطبيقاً للشيوعية التي تنكر غريزة حب التملك، لكن الفلاحين ثاروا عند انتزاع أملاكهم ما أدى إلى المواجهة بينهم وبين السلطة السوفياتية ومقتل 12 مليون شخصاً، مما اضطر قيادة الاتحاد السوفييتي إلى التراجع عن قانونها والإقرار بنوع من الملكية الصغيرة في دستور هذه المرحلة التي هي المرحلة الاشتراكية على أن يعقب ذلك إلغاؤها في المرحلة الشيوعية التي ستجعل كل شيء مشاعاً في المجتمع، وستجعل كل شيء ملكاً للجميع وذلك بعد انتهاء الصراع الطبقي حسب طروحاتها النظرية، ومن أغرب مواقف القيادة السوفييتية أنها عادت علم النفس (الفرويدي) لأنه اعترف بغريزة حب التملك عند الإنسان واعتبرها فطرية، وأوجدت علم نفس خاص بها يقوم على تجاهل غريزة حب التملك وإنكار فطريتها في النفس البشرية.

        لا شك أنّ سقوط الاتحاد السوفييتي ساهمت فيه عدة عوامل داخلية وخارجية ولم يكن نتيجة عامل واحد، لكن من المؤكد في الوقت نفسه أنّ تصادم الاتحاد السوفييتي مع بعض عوامل الفطرة كان أحد أهم العوامل في سقوطه وعدم استمرارية وجوده.

عوامل معاداة الفطرة في الحضارة الغربية:

        والآن: ما هو الوضع في الحضارة الغربية في القرن الحادي والعشرين؟ هل استفادت من أزماتها السابقة التي عاشتها في القرون الوسطى فصحّحت الاتجاه أم أنّ هناك عوامل تعادي الفطرة تولّدت في كيانها؟ قبل الإجابة على السؤال السابق علينا أن نستعرض مسار الحضارة الغربية بعد الانفجار الذي شهدته في العصور الوسطى، فكيف سارت الأمور؟

        لقد بقيت ثنائية المدنّس والمقدّس تحكم المجتمع الغربي، لكن بعد أن تحوّل المدنّس إلى مقدّس، والمقدّس إلى مدنّس، فأصبحت الشهوات والمرأة والدنيا مقدّسة في الحضارة الغربية المعاصرة بعد أن كانت مدنّسة في العصور الوسطى وأصبح المقدّس وهو الله والملائكة والآخرة والغيب والوحي محلّ شكّ واتهام وإقصاء بعد أن كان محلّ يقين وتقديم واحترام، لقد انتقلت الحضارة الغربية من نقيض إلى نقيض، لكنها لم تنفلت من عقال معاداة الفطرة.

        أمّا بالنسبة للمبدأ الثاني وهو تصادم الكنيسة مع العلم ثم الانتهاء إلى تأليه العقل، فإنّ هذا التأليه لم يقدها إلى اليقين، بل أصبحت نسبيّة الحقيقة هي الأصل الكبير الذي تقوم عليه الحضارة الغربية في كل المجالات: الإنسانية والاجتماعية والتربوية والخُلُقية إلخ…

        لقد انتهت الحضارة الغربية إلى أمرين: تقديس الشهوات المادية من جهة، ونسبية الحقيقة من جهة ثانية، وهما أمران مناقضان للفطرة، لأنّ تقديس الشهوات يعني استهلاك الإنسان في الشهوات، ويعني أنه لم تعد لديه فضلة من طاقة وجهد لبناء الحضارة، وذلك لأنّ الحضارة تقوم -كما قال توينبي- على الفضلة التي يوفّرها الإنسان من ضبطه لشهواته، أمّا نسبيّة الحقيقة فتعني أنه ليس هناك شيء ثابت، وأنه ليس هناك غرض ولا هدف ولا غاية من الوجود الإنساني، وأنه ليس هناك مطلقات، وأنّ كل شيء نسبي، وأنّ المادة هي التي تتحكّم في كل شيء، وأنّ كل شيء يردّ إلى المادة، وأنّ العلم والجنس والصناعة والزراعة إلخ… تستمدّ معياريّتها من ذاتها وليس من أيّ معيار أو قيمة من خارجها.

        الخلاصة: نعود إلى السؤال الذي طرحناه وهو هل هناك عوامل معادية للفطرة في الحضارة الغربية المعاصرة؟ نقول: إنّ الحضارة الغربية تملك عناصر متعدّدة تناقض الفطرة وأبرزها تقديس الشهوات من جهة، ونسبيّة الحقيقة من جهة ثانية، أمّا تقديس الشهوات فهذا يعني استهلاك الإنسان، وأمّا نسبيّة الحقيقة فهذا يعني أنه ليس هناك معظّم ولا ثابت، وهذا منافٍ لأصل من أصول الفطرة، لأنّ الفطرة تحتاج إلى معظّم وثابت تعضده وتعظّمه وتدور حوله.

        في النهاية: إنّ وعي العلاقة بين الفطرة والحضارة أمر مهم في توجّه أمّتنا لبناء ذاتها، لتبتعد عن عناصر التفجير في الحضارة الغربية، فليس كل ما في الحضارة الغربية ثواباً وخيراً وسليماً كما يدّعي أصحاب الحداثة، بل فيها ما هو خطأ وشرّ وأعوج علينا أن نتجنّبه، ونبتعد عنه في حال بنائنا لشخصيّتنا الحضارية، وأبرز الخطأ والشرّ والاعوجاج هو امتلاكها لعناصر معادية للفطرة ستعمل على نخر جسمها وإضعاف قوّتها.

 

ظهرت المقالة عن العلاقة بين الفطرة والحضارة أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b7%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9/feed/ 0 2563