الاستبداد الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/الاستبداد/ منبر الأمة الإسلامية Wed, 15 Feb 2023 18:17:30 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.2 https://www.al-ommah.com/wp-content/uploads/2021/02/منبر-الأمة-الإسلامية.svg الاستبداد الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/tag/الاستبداد/ 32 32 171170647 عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a7%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a7%d9%86/#respond Thu, 14 Mar 2019 00:05:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2070 أطلق كثير من الكتاب على تاريخنا الإسلامي أنه تاريخ استبداد، وصنفوا في ذلك كتبا ودراسات ونظريات. وأرجع بعضهم سبب تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي إلى هذا المعطى. ويعود سؤال العلاقة بين الاستبداد والفكر الإسلامي ليلقي بظلاله اليوم، مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي أعادت بالفعل طرح ليس […]

ظهرت المقالة عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
أطلق كثير من الكتاب على تاريخنا الإسلامي أنه تاريخ استبداد، وصنفوا في ذلك كتبا ودراسات ونظريات. وأرجع بعضهم سبب تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي إلى هذا المعطى.

ويعود سؤال العلاقة بين الاستبداد والفكر الإسلامي ليلقي بظلاله اليوم، مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي أعادت بالفعل طرح ليس فقط إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما أيضا أعادت قراءة التاريخ السياسي العربي والإسلامي، ومقارنته بما جرى ويجري في باقي ثقافات وحضارات العالم.

فلماذا هذا الربط بين الاستبداد والفكر الإسلامي تحديدا؟ الكاتب والباحث في شؤون الفكر الإسلامي الدكتور غازي التوبة يجيب على هذا السؤال في هذا العرض المفهومي والتاريخي للاستبداد في علاقته بالأديان.

للجواب على هذا السؤال لنر أولاً: علام يقوم الاستبداد؟

ومن أجل الإجابة على السؤال السابق سنستعرض طبيعة الحكم في ثلاث حكومات في التاريخ، وهي: الحكومة الكنسية، وحكومات الملوك الإقطاعيين، والحكومة الفارسية.

طاعة الحكام في المسيحية

لقد كان موقف المسيحية منذ البداية داعياً إلى طاعة الحكام وعدم مناوأتهم، فقد أرجع القديس بولس السلطة إلى الله، فقال: “ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. ومن يقاوم السلطان ـ إذن ـ إنما يعاند ترتيب الله. والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم” وتعتبر أقوال بولس من الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي في صدد الموقف من الحكام.

ثم بعد أن أصبحت السيادة للكنيسة في القرون الوسطى، أصبح السلطان هو البابا، وعندما حاول فريدريك الثاني المطالبة لنفسه بالسلطة التامة أجابه البابا إينوسان الرابع (1243 ـ 1254م) بأن سلطة الحكومة الزمنية لا يمكن أن تُمارس خارج الكنيسة “لأنه ليس هناك من سلطة أسسها الله خارجها”، وأضاف: “إن نائب المسيح تلقى سلطة ممارسة قضائه بواسطة المفتاح الأول على الأرض بالنسبة للأمور الزمنية، وبواسطة المفتاح الثاني في السماء بالنسبة إلى الأمور الروحية”.

ثم تمرّد الملوك الأوروبيون على سلطة الكنيسة، وفصلوا السلطة الزمنية عن السلطة الكنسية، وقد فعل ذلك فيليب الجميل الذي حكم فرنسا (1285 ـ 1314م)، وأصدر قراراً في عام 1297م فصل فيه الحكومة الزمنية عن الحكومة الدينية، وأقام سلطته على حق الملوك المقدس، أو نظرية الحق الإلهي، وتقوم هذه النظرية على أن السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته، لذلك لم يكن العرش الملكي عرشاً ملكياً فقط، بل كان ذلك العرش هو عرش الإله ذاته، فالملوك يَحِلّون محل الإله الأب، وهي مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض.

ومن الكلام السابق بدءاً من كلام الرسول بولس، مروراً بكلام البابا إينوسان، إلى كلام الملك فيليب نجد أن الاستبداد يقوم على خمسة عناصر هي: السلطة مقدسة، الحاكم مقدس، السلطة مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض، السلطة أبوية وهذا يعني أن البشر عاجزون عن تدبير أنفسهم، وهم بحاجة إلى هذه السلطة الحاكمة، والسلطة تقوم على قهر الرعية.

الاستبداد في الدولة الفارسية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الفارسية، فهو يمثل الذروة في تطويع الشعوب للمستبدين، وخير ما يعبّر عن هذه المنظومة الثقافية الفارسية هو “عهد أردشير” الذي كتبه أردشير لولده، واعتبرت هذه المنظومة أن الدين طاعة رجل، وأن طاعة السلطات من طاعة الله، واعتبرت ـ أيضاً ـ أن الملك عنصر أساسي وضروري في الأخلاق الكسروية، وطاعته هي القيمة المركزية في هذه الأخلاق، وقد دمجت الثقافة الكسروية في النهاية “الدين والطاعة والسلطان” في حزمة واحدة.

من خلال المقارنة بين المنظومة الثقافية للكنيسة والملوك الإقطاعيين من جهة وبين المنظومة الكسروية من جهة ثانية نجد كثيراً من التشابه في عناصر الاستبداد، فنجد أن السلطة مقدسة والحاكم مقدس عند كلتيهما، وأنهما متطابقتان في بقية العناصر وهي: أن السلطة مطلقة، وأبوية، وقهرية.

استبداد الدولة الإسلامية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الإسلامية فهو يختلف عن الاستبداد الذي عرضنا عناصره فيما سبق، فهو لا يعطي القدسية للحاكم ولا للسلطة وقد دل على ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلمته التي ألقاها عند توليه الخلافة: “أيها الناس لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

وقد أوضح أبوبكر الصديق في كلمته إلى المسلمين الذين انتخبوه أنه حاكم بشر، وأن سلطته بشرية، وأنها محددة بشرع الله وطاعة الله ورسوله، وأنه مسموح الاعتراض عليه، وقد بقي هذا الفهم راسخاً عند المسلمين على مدار القرون، وهو أساس المنظومة الثقافية الإسلامية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهناك عشرات الأدلة على ذلك، وقد اتضح هذا في مسيرة العلماء ـ رحمهم الله جميعاً ـ على مدار الأربعة عشرة قرناً، منهم على سبيل المثال لا الحصر أئمة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة، مالك بن أنس، الشافعي، أحمد بن حنبل إلخ…

ولذلك ليست سلطة الحاكم مطلقة في الحكم الإسلامي بل مقيدة بالشريعة الإسلامية المعلنة، ويمكن أن يعترض المسلمون على بعض تصرفات الحاكم، بل هذا واجبهم، وسلطة الحاكم لا تقوم على قهر الشعب لأن هناك تواصلاً ثقافياً بين الحاكم وبين الشعب قام على اللقاء في الحقائق التي طرحها القرآن الكريم في مختلف المجالات: الإنسان، والكون، والحياة، وما قبل الحياة، وما بعد الموت إلخ..

حرص الإسلام على “الشورى” وأمر بها، فقال تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” (الشورى 38) “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” (آل عمران 159) ومع ذلك فإن الدولة الإسلامية عرفت نوعاً من الاستبداد، فما هي أبرز صفات هذا الاستبداد؟

من خلال استقرائنا لوقائع التاريخ الإسلامي، نجد أن أبرز صفات الاستبداد السلطاني، وهي:

  • الاستبداد السلطاني لا يشاور الآخرين: فكان الحاكم المتغلب يصرف أمور الحكم دون مشاورة واسعة، كاملة وتامة لأهل الحل والعقد والرأي في زمانه.
  • الاستبداد السلطاني لا يشارك الآخرين: كان الحاكم المتغلب لا يجعل الآخرين يشاركونه في قرارات الحكم، وينفرد وحده بتصريف أمور الحكم.

استبدادهم واستبدادنا

 

إذن هناك خلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفته المنظومتان الثقافية الفارسية والأوروبية من جهة، والمنظومة الثقافية الإسلامية من جهة ثانية، لذلك كان الإصلاح بالنسبة للمنظومتين الأوليتين لا يتم إلا بالثورة على تلكما المنظومتين وتدميرهما والمجيء بغيرهما، وهو ما حدث في الثورة الفرنسية عام 1789م، أما بالنسبة لاستبداد الدولة الإسلامية فيحتاج إلى تغيير شخص الحاكم، وليس تغيير المنظومة الثقافية، وهذا ما حصل في عدة مراحل من التاريخ الإسلامي.

فعندما جاء عمر بن عبد العزيز إلى الحكم عام 99 للهجرة انتهت كل مفاعيل الاستبداد السابق، وعادت الأمور إلى وضعها الطبيعي في كل المجالات: المالية والاجتماعية والسياسية إلخ، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وصف بالخليفة الراشد الخامس، ووصف كذلك بأنه مجدد المائة الأولى من تاريخ أمتنا، من أجل الأعمال التي قام بها.

وقد نقل التاريخ -كذلك- أن حاكماً آخر أصلح الأمور وسار فيها بأحسن ما يمكن من الإصلاح والبعد عن الاستبداد وهو نور الدين زنكي حتى لقب بالخليفة الراشد السادس، وقد نقل لنا التاريخ -أيضاً- عن حكام كثيرين أقاموا مجالس للشورى في عدة مجالات، منها: القضاء، والمال، والجيش إلخ… وقد كان هذا في عهد المماليك، وكانت هناك أيام محددة لاجتماع السلطان مع هذه المجالس للتشاور معها فيما يتعلق بأمور الحكم.

مع وجود الاستبداد، فإن حضارتنا أفرزت عدة أنظمة ومؤسسات للتقليل من مفاعيل ذلك الاستبداد وآثاره على الفرد والمجتمع، وأبرز هذه الأنظمة والمؤسسات، هي:

1ـ القرآن الكريم هو الدستور:

جاء مفهوم الاستبداد من النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، حيث كان يملك الإقطاعي فيه الأرض ومن عليها من بشر وحيوان ونبات وشجر، ويتحكم فيهم حسب أهوائه ومزاجه وحسب ما يروق له دون وجود لقانون يرسم أفقاً أو حداً لتصرفاته وأعماله، لذلك عندما جاءت الثورات التي انبثقت عن المرحلة البرجوازية وحملت معها الدستور، اعتبرت هذه الوثيقة (الدستور) التي تحدّد بعض جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتبيّن واجبات الحاكم والمحكوم وحقوقهما، اعتبرت نهاية لعهد الاستبداد لأنها انتقلت في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من العلاقة غير المحددة بأية قواعد أو ضوابط إلى العلاقة المحددة ببعض القواعد والضوابط.

لكن هذه الخاصية كانت موجودة منذ اللحظة الأولى في تاريخنا، حيث كان القرآن الكريم دستوراً لأمتنا لم يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل فصّل علاقة الحاكم بالمحكوم وبيّن واجبات الحاكم، من مثل: وجوب الشورى، وإقامة الصلاة، وجباية الزكاة وتوزيعها في مصارفها المحدّدة، ونشر الدين، وتحديد العقوبات التي يمكن أن يوقعها الحاكم على المحكومين من مثل: حد السرقة، وحد الزنا، وحد الحرابة،  وحد شرب المسكرات إلخ… وبيّن واجبات المحكوم من مثل: الطاعة طالما أن الحاكم مطيع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح للحاكم، ودفع الزكاة، والاستجابة لداعي الجهاد، إلخ.

إذن هذه التحديدات التي شرعها الإسلام في مجالات الحاكم والمحكوم وفي العلاقة بينهما وفي علاقتهما بالآخرين أزالت سبباً رئيسياً من أسباب الاستبداد.

2ـ بناء المسلم على عدم القابلية للاستبداد بل معاداته ومحاربته:

بنى الإسلام المسلم على معاداة الاستبداد، والاستعداد لمواجهته وذلك من خلال قصة موسى عليه السلام التي وردت في القرآن الكريم 136 مرة، والأرجح أن الحكمة من وراء ذلك توضيح أمر المستبدين، وإجلاء صور استبدادهم ومساوئه وآثاره، والتحذير منه، ليس ذلك فحسب بل قصد القرآن الكريم من ذكر تلك القصة، والحديث عن تفاصيلها، تعليم المسلم كيفية مواجهة أولئك المستبدين، وتعليم المسلم كيفية الانتصار عليهم، وذلك من خلال ثلاث خطوات وضحها القرآن الكريم، وهي:

  • تشريح صورة المستبد.
  • الأمر بمواجهة هذا المستبد.
  • الزاد الذي يحتاج المسلم في المواجهة.

فرعون.. الصورة الأوضح للاستبداد

لقد وضح القرآن الكريم صورة فرعون كأجلى صورة، وذكر أنه اتصف بالانفراد بالرأي وفرضه على الرعية، فقال تعالى: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” (غافر، 29). واتصف فرعون بأن علاقته بشعبه هي علاقة قهر وقتل واستعباد واستعلاء …. فقال تعالى: “قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ” (الأعراف، 127). وكذلك اتصف فرعون بالاستئثار بأموال مصر فقال تعالى: “وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الزخرف، 51).

ففي مجال تعليم المسلم مواجهة أولئك الطغاة المستبدين كان موسى عليه السلام هو المثال الأوضح في هذا الصعيد، فقد أمره الله أن يذهب إلى فرعون ويواجهه، فقال تعالى: “هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى” (النازعات، 15- 19). وقال تعالى: “اذْهَبَا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى*فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى *قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى*قَالَ لَا تَخَافَا ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى” (طه، 43- 46).

فكان الدرس الأول الذي تعلمه موسى عليه السلام من كلام الله هو الاستجابة لأمر الله في مواجهة المستبدين، مع خوفه عليه السلام من بطش فرعون، لكن الله بين له العدة التي يمكن أن تقيه في تلك المواجهة وهي استحضار معية الله كما وضحت الآيات السابقة، لذلك عندما لحق فرعون موسى عليه السلام، وخوّفه قومه من وصول فرعون إليهم، استنكر موسى عليه السلام تخويفهم له بلحاق فرعون بهم، وأجابهم بأن الله معه سيهديه ويحفظه من جيش فرعون، قال تعالى: “فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ? إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” (الشعراء، 61- 62).

تبين لنا قصة موسى عليه السلام مع فرعون أمرا أساسيا، وهو أن بناء الإنسان هو اللبنة الأولى في مواجهة الطاغوت المستبد، وهذا البناء يقوم على البناء النفسي السليم وعلى معرفة الله ـ سبحانه وتعالى ـ المعرفة الحقة بكل قوته وقدرته وعلمه وجبروته سبحانه وتعالى، ثم يأتي استحضار معيته في هذه المواجهة، لأنه لن يكون هناك صمود وانتصار دون حصول هذا البناء النفسي.

3 ـ اتساع النطاق المدني في حضارتنا:

لقد أفرزت حضارتنا عدة مؤسسات مدنية قللت من آثار الاستبداد، وهي:

أ ـ طبقة العلماء التي قادت الأمة إلى جانب الأمراء:

تميزت فترة الخلافة الراشدة بأن الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ كانوا أمراء الأمة وعلماءها في الوقت نفسه، لكن العهد الأموي شهد ظهور قيادتين للأمة هما: قيادة الأمراء وقيادة العلماء، ثم استمر الأمر على هذا المنوال في العهود التالية: العباسية، والمملوكية، والعثمانية، وقد كانت قيادة الأمراء تأخذ شرعيتها من التزامها بالشريعة الإسلامية، ثم يأتي دور طبقة العلماء ليعلنوا سلامة التزام قيادة الأمراء الجديدة بالشريعة وهذا ما يمكن أن نعتبره أول عامل يقلل من آثار الاستبداد ـ كما وضحنا ذلك في بداية الحديث ـ لأنه كان يحدّد علاقة قيادة الأمراء برعيتها، ويوضح واجبات وحقوق الطرفين:

الراعي والرعية، كما أنها (أي قيادة الأمراء) لم تكن تنفرد بقيادة جماهير المسلمين، بل كانت قيادة العلماء تشاركها في هذه القيادة من جهة، وتحاسبها على كثير من تصرفاتها من جهة ثانية مما يقلل من آثار الاستبداد السيئة، ولا أريد أن أعدد أسماء العلماء الذين ساهموا في قيادة المسلمين على مدار التاريخ الماضي أو أعدد المواقف التي تشير إلى محاسبتهم الأمراء، فالتاريخ مملوء بشواهد تدل على الأمرين السابقين، والأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى تعداد أو تدليل، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: أبو حنيفة، مالك بن أنس، أحمد بن حنبل، العز بن عبد السلام، ابن تيمية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن قيادة العلماء لم تبق في صورة أشخاص إنما تحوّلت إلى أشبه ما يكون بالمؤسسة مع مرور الزمن فأصبحت هذه القيادة تحتوي عدة وظائف في العهد العثماني، منها: شيخ الإسلام الذي كان يسكن عاصمة الخلافة استامبول، ويأتي ترتيبه الثاني في البروتوكول  الرسمي بعد الخليفة وقبل الصدر الأعظم الذي هو رئيس الوزراء، ومنها أيضاً: القضاة، والفقهاء، ونقباء الأشراف، وخطباء المساجد وأئمتها، والمؤذنون والخدمة، والقرّاء، والوعّاظ إلخ. 

وكان هؤلاء يأخذون رواتبهم من خلال الأوقاف، وكان القضاة يقومون بالإضافة إلى قضائهم في الخصومات الشخصية والتجارية، بتثبيت مشايخ الحرف وفض منازعاتهم، وكان القضاة بمثابة حكام شرعيين للأمة، وكانوا يقومون بدور صلة الوصل بين الوالي والأهالي، فينقلون أحكام الوالي إلى الأهالي، وينقلون رغبات الأهالي وطلباتهم إلى الوالي.

ب‌ ـ التنظيمات الحرفية:

فمن دراسة الحرف والصناعات نجد أن كل حرفة كانت تختار شيخها المناسب بإرادتها الذاتية المحلية، وكانت سلطة شيخ الطائفة تشمل إدارة شؤون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشاكلهم، والإشراف على تنفيذ اتفاقاتهم، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقات، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه، وكان الوالي يتصل بأصحاب الحرفة عن طريقه.

وكان هناك “شيخ مشايخ الحرف أو شيخ التجار” وكان يعيّن بإجماع التجار ويشترط فيه أن يكون صاحب دين وأخلاق أهلاً للمشيخة لائقاً بها، وأن يختاره ويرضى به كامل التجار، وأن يوافق القاضي والسلطان على تعيينه، وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى، ولا يتم أي تغيير إلا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم يُنتخبون بحضوره ويُزكّون بتزكيته.

ت ـ مؤسسة الحسبة:

نشأت الحسبة في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي، ثم تطوّرت فأصبح يرأسها محتسب ومعه محتسبون معاونون، مهمتهم المحافظة على الآداب والأخلاق والنظافة والحشمة ومنع الغش وعدم الاختلاط. وقد كانت مؤسسة الحسبة تهدف أن تجعل الأخلاق الإسلامية سجية وطبعاً ليبقى المجتمع محافظاً على شخصيته وهويته.

ث ـ مؤسسة الأوقاف:

أما الأوقاف فقد شغلت ثلث ثروة العالم الإسلامي، وقامت بدور اجتماعي وثقافي واقتصادي كبير، فقد أنشأت المدارس والمكتبات، وأنفقت على العلماء وطلاب العلم، كما كلفت بعض العاملين بنسخ الكتب من أجل إيقافها على طلاب العلم، كما أنشأت الأوقاف المستشفيات التي كانت تعالج الناس مجاناً، كما أنشأت الخانات التي كانت تؤوي الناس على الطرقات، كما أوقفت الدور التي تساعد الفقراء وتؤويهم وتطعمهم إلخ. وقد مثلت مؤسسة الأوقاف إحدى أزهى حلقات تاريخنا الإسلام.

الخلاصة

هناك اختلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفه الغرب وفارس، وبين الاستبداد السلطاني الذي عرفته الدولة الإسلامية، ومع ذلك أفرزت الحضارة الإسلامية عدة أنظمة ومؤسسات تقلل من مفاعيل الاستبداد على الفرد والمجتمع.

رابط المقال من موقع عربي 21 عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب

ظهرت المقالة عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a7%d9%86/feed/ 0 2070
لا قابلية للاستبداد عند المسلمين https://www.al-ommah.com/dictatorship/ https://www.al-ommah.com/dictatorship/#respond Thu, 07 Mar 2019 17:21:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=1453 الشيخ غازي التوبة في حلقة استوديو التاسعة على فضائية القناة التاسعة بعنوان “هل يعود الريبع العربي من بوابة السودان والجزائر” يقول أن الأمة حية ومؤثرة وفاعلة، وأن الاستبداد لديه منظومتين هما: المستبد وثقافة الاستبداد ديننا الإسلامي جعل المسلم محصنا وليس لديه قابلية للاستبداد وهذا سببه القرآن الكريم

ظهرت المقالة لا قابلية للاستبداد عند المسلمين أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
الشيخ غازي التوبة في حلقة استوديو التاسعة على فضائية القناة التاسعة بعنوان “هل يعود الريبع العربي من بوابة السودان والجزائر” يقول أن الأمة حية ومؤثرة وفاعلة، وأن الاستبداد لديه منظومتين هما: المستبد وثقافة الاستبداد

ديننا الإسلامي جعل المسلم محصنا وليس لديه قابلية للاستبداد وهذا سببه القرآن الكريم

ظهرت المقالة لا قابلية للاستبداد عند المسلمين أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/dictatorship/feed/ 0 1453
الاستبداد المعاصر.. مصادره وهزيمته https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%af%d8%b1%d9%87-%d9%88%d9%87%d8%b2%d9%8a%d9%85%d8%aa%d9%87/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%af%d8%b1%d9%87-%d9%88%d9%87%d8%b2%d9%8a%d9%85%d8%aa%d9%87/#respond Thu, 24 Nov 2016 20:33:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2052 لقد مثل الربيع العربي ثورة على الاستبداد المعاصر الذي كان موجودا في عدد من أنظمة البلاد العربية مثل نظام حسني مبارك في مصر، ونظام زين العابدين بن علي في تونس، ونظام القذافي في ليبيا، ونظام الأسد في سوريا، ونظام على عبد الله صالح في اليمن..إلخ. لقد أذل الاستبداد المعاصر الشعوب […]

ظهرت المقالة الاستبداد المعاصر.. مصادره وهزيمته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد مثل الربيع العربي ثورة على الاستبداد المعاصر الذي كان موجودا في عدد من أنظمة البلاد العربية مثل نظام حسني مبارك في مصر، ونظام زين العابدين بن علي في تونس، ونظام القذافي في ليبيا، ونظام الأسد في سوريا، ونظام على عبد الله صالح في اليمن..إلخ.

لقد أذل الاستبداد المعاصر الشعوب في العالم العربي وأفقرها، وجعلها تلهث وراء لقمة العيش، وملأ حياتها خوفا ورعبا من أجهزة المخابرات التي زرعها في كل جنبات الوطن، وربط بها كل تحركات المواطن من بيع وشراء واستثمار وسفر وتوظيف وتعلم..إلخ، وحول حياته إلى كوابيس مستمرة لا يصحو من كابوس حتى ينام على كابوس آخر.

وإذا تفحصنا هذا الاستبداد الذي ثارت عليه الشعوب العربية وحللنا العوامل التي قام عليها، لوجدنا أنه قام على أسوأ ما جاءنا من العصر الحديث من مفاهيم وأفكار ومبادئ، وكذلك استورد أسوأ ما هو موجود أو قائم في العصور القديمة، ومع الرصيد الضخم الذي يمتلكه الاستبداد المعاصر من أسوأ مفاهيم العصر الحديث والعصور القديمة، فإنه انهزم أمام إرادة الشعوب، وظهرت سوءاته في الربيع العربي، فما هي مصادره من مفاهيم العصر الحديث؟ وما هي مصادره من العصور القديمة؟ وكيف انهزم أمام ثورة الشعوب؟

ولا: مصادر الاستبداد من مفاهيم العصر الحديث
لقد جملت أنظمة الاستبداد نفسها، فارتبطت بأحدث المبادئ والمفاهيم والأفكار التي قامت عليها أوروبا في العصر الحديث من مثل العلمانية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية والحرية..إلخ، لكنها اختارت أسوأ ما في هذه المبادئ والمفاهيم والأفكار فطبقتها، ولم تأخذ الجوانب المشرقة والإيجابية منها.

ففي مجال العلمانية، هناك علمانيتان فرنسية يعقوبية وأخرى أنجلوساكسونية، الأولى: تتدخل في عقائد الأفراد وسلوكهم، وتفرض عليهم مبادئ معينة وسلوكا معينا، والثانية: لا تفعل ذلك.
واختارت الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي -بكل أسف- العلمانية الفرنسية اليعقوبية وأبرزها: نظام البعث في سوريا والعراق، والقذافي في ليبيا، وبو رقيبة في تونس، وكمال أتاتورك في تركيا..إلخ.

فمن الواضح أن كمال أتاتورك قد طبق العلمانية الفرنسية أسوأ تطبيق، فقد فرض السفور على المرأة، وفرض “البرنيطة” (القبعة) على الرجل، وفرض ربطة العنق لكل من يدخل البرلمان، وكذلك ألغى بورقيبة التعليم الديني، وفرض البعث السوري السفور في المدارس.

وقد ربط الاستبداد المعاصر ذاته بالحداثة، فأخذ أسوأ ما فيها، وهو أدواتها القمعية وأجهزتها الرقابية، ولم يأخذ منها قيمها الإنسانية كالمساواة وحقوق الإنسان، ولم يأخذ منها أيضا إغناء الجانب المدني في المجتمع، من أجل الابتعاد عن تغول الحكومة وسلطتها، لذلك كانت دول الاستبداد المعاصر من أسوأ الدول قمعا وإرهابا وتخويفا لشعوبها، وأشدها بطشا وترويعا.

وقد ربط الاستبداد المعاصر نفسه بالديمقراطية فأخذ عنوانها ليحسن صورته، وربط ذاته ببعض آلياتها كالانتخابات مع القيام بتزويرها في أغلب الأحيان، وابتعد عن الآليات التي تحقق الأمان للمجتمع والابتعاد عن الاحتقان كآلية تداول السلطة، والقضاء النزيه، لذلك انتهت هذه الدول المستبدة بتوريث المستبد الحكم لابنه كما في سوريا واليمن ومصر، وإن لم يكن للحاكم ابن فالتوريث لزوج ابنته كما في تونس، وإن لم يكن له ولد ولا بنت فلأخيه كما في الجزائر والسودان.

وقد ربط الاستبداد المعاصر ذاته بالاشتراكية، لكنه أخذ منها أسوأ ما فيها، وهو قولها بضرورة الحزب الواحد، وبحتمية الصراع الطبقي وقيام ديكتاتورية البروليتاريا واستئصال البرجوازيين الرجعيين، لذلك قامت الأنظمة الاستبدادية في سوريا والعراق وتونس ومصر على الحزب الواحد، والتصريح بالحزب القائد، ولم تأخذ قيم العدل الاقتصادي الذي قامت الاشتراكية من أجله، لذلك أصبح الشعب أكثر فقرا في الدول التي طبقت الاشتراكية، مع أنه يفترض أن يصبح أكثر غنى وأكثر رفاها.

وقد أخذ الاستبداد المعاصر من القومية أسوأ ما فيها، وهو شوفينيتها وتعصبها العرقي المقيت، ولم يأخذ جانبها الإنساني، لذلك مارس الحكم القومي العربي البعثي الاضطهاد للأكراد في العراق وسوريا، حتى وصل الأمر إلى حد تجهيز حملة عسكرية في العراق باسم “الأنفال” في عهد البعث بعد عام 1968 من أجل محاربة الأكراد في جبال كردستان، واستعمال الكيميائي كما حصل في “حلبجة” عام 1988 من أجل القضاء عليهم.

ثانيا: مصادر الاستبداد من العصور القديمة
حفلت العصور القديمة بمفاهيم تغذي الحكومات المستبدة، وأبرز ما وصلنا من المفاهيم من الفرس وحكومات أوروبا الاقطاعية، ومن السلطة الكنسية، وتجسدت في عهد أردشير الذي كتبه أردشير ملك الفرس لولده، وتجسدت في رسالة “الصحابة” التي كتبها ابن المقفع الذي عمل لدى الأمويين والعباسيين ونقل مضمونها من التراث الفارسي والهندي، كما تجسدت في مقولات القديس بولس عن علاقة الرعية بالحاكم.

وقد نقل الاستبداد المعاصر من استبداد العصور القديمة أسوأ أقوالها وهو أن السلطة مقدسة، وأنها مطلقة، ويجب ألا تكون هذه السلطة محل اعتراض، وأنها أبوية بمعنى أن البشر يظلون قاصرين وينبغي الحجر عليهم، لأنهم لا يستطيعون تدبير شئونهم بأنفسهم، وعبرت عنها مقولات من مثل القول: “طلبنا من الله المدد فجاءنا بحافظ الأسد” التي قالها تجار الشام بعد “الحركة التصحيحية” التي قام بها حافظ الأسد عام 1970، ومن مثل مقولة: “قائدنا إلى الأبد، الفريق حافظ الأسد.”

ويمكن أن نذكر مثالا آخر على حضور هذه المعاني من استبداد العصور القديمة، في شخصية بو رقيبة الذي نصب ذاته مجاهدا أكبر لا ينبغي المس أو التطاول على زعامته الأبوية والانفرادية، وكذلك قدم ذاته على أنه المصلح الأكبر والمجتهد الأكبر الذي يتدخل في الفتوى الدينية في أخص القناعات الفردية لمواطنيه.

ثالثا: هزيمة الاستبداد
لقد اتبعت الحكومات الاستبدادية المعاصرة أسلوبا ممنهجا من أجل إذلال الشعوب، وتطويعها وتركيعها، واستخدمت أرقى الآلات في المراقبة والرصد، لكن مع ذلك خرجت الشعوب بصدورها العارية من أجل التخلص من نير الاستعباد والاستبداد الذي خضعت له، وقدمت الدماء فداء لهذا التخلص، وقد كان الانطلاق الرئيسي لثورات الربيع العربي من المساجد، مع أن حكومات الاستبداد المعاصرة وضعت برامج وخططا من أجل “تجفيف منابع الدين” لكنها مع ذلك لم تفلح في تحقيق أهدافها، فلماذا؟

لم تفلح لأن القرآن الكريم الذي هو كتاب المسلمين الأول، استمر يتلى في العالم العربي والإسلامي، وهو الذي ولّد الإنسان العصي على الخضوع للاستبداد، ويمكن أن نضرب على ذلك بقصة موسى عليه السلام، ومواجهته لفرعون، فقد ورد الحديث عن موسى عليه السلام 136 مرة في القرآن الكريم، وقد وردت قصة المواجهة بينه وبين فرعون في عشرات الآيات والسور، وقد كان الأمر الذي أمر الله به موسى هو الذهاب إلى فرعون الذي وصفه بالطغيان، وكان ذلك في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى: “اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى” (النازعات، 17)، وقد كان الأمر الأساسي الذي طلبه موسى عليه السلام من فرعون هو إطلاق بني إسرائيل وتحريرهم من عبوديته فقال تعالى: “فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ” (الشعراء، 16-17).

وحدثت مواجهات بين موسى عليه السلام وفرعون، وحشد كل منهما لهذه المواجهة، وثم بينت السور والآيات انتصار موسى عليه السلام ونجاته ومن معه من بني إسرائيل، وغرق فرعون ومن معه من الجنود.

ليس من شك أن هذه القصة التي تلاها المسلمون على مر العصور، وتلاها المسلمون -الآن- في عصور الاستبداد المعاصر بنت فيهم “بغض الطغاة”، وبنت فيهم ضرورة مواجهة هؤلاء المستبدين، وبينت لهم الزاد الذي يجب أن يتزودوا به من أجل مواجهة المستبدين، وهو طرد الخوف واستحضار معية الله سبحانه وتعالى، فقد قال تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلا لَيِّنا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه، 43-46).

لقد كان المسجد هو المعول الذي زلزل عروش المستبدين المعاصرين، لأنه احتوى القرآن الكريم، واحتوى العابدين الذين تلوا السورة التي علمتهم أن يكونوا كموسى عليه السلام في مواجهة فرعون وأن يثوروا على المستبدين ويطلبوا تحرير شعوبهم.

الخلاصة: لقد قام الربيع العربي من أجل اقتلاع المستبدين والاستبداد الذي جمع في محتواه أسوأ ما ورد في العصر الحديث من مفاهيم ومبادئ وآليات، كما نقل من العصور القديمة أسوأ مفاهيم الاستبداد التي قامت عليها، وقد جاءت هزيمته من المسجد الذي احتوى القرآن الكريم، واحتوى العابدين الذين اقتدوا بموسى عليه السلام في مواجهة المستبدين.

رابط المقال في الجزيرة نت الاستبداد المعاصر.. مصادره وهزيمته

ظهرت المقالة الاستبداد المعاصر.. مصادره وهزيمته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d8%a7%d8%af%d8%b1%d9%87-%d9%88%d9%87%d8%b2%d9%8a%d9%85%d8%aa%d9%87/feed/ 0 2052
أين أمتنا من ثقافة الاستبداد؟ https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af%d8%9f/ https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af%d8%9f/#respond Sun, 12 Jul 2015 03:17:50 +0000 https://al-ommah.com/alommah/?p=396 ليس من شك بأن الاستبداد من أهم الأمراض والأخطار التي تدمّر الأمم، وتُضعف فاعليتها، وقد تعرضت أمتنا في العصر الحديث على يد الدولة القومية الوطنية إلى صور من الاستبداد لم تعهده في سابق تاريخها، وهي صورة من أبشع صور الاستبداد، لكنها ثارت عليه في بعض الدول إثر ثورات الربيع العربي، […]

ظهرت المقالة أين أمتنا من ثقافة الاستبداد؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ليس من شك بأن الاستبداد من أهم الأمراض والأخطار التي تدمّر الأمم، وتُضعف فاعليتها، وقد تعرضت أمتنا في العصر الحديث على يد الدولة القومية الوطنية إلى صور من الاستبداد لم تعهده في سابق تاريخها، وهي صورة من أبشع صور الاستبداد، لكنها ثارت عليه في بعض الدول إثر ثورات الربيع العربي، وكادت أن تقتلعه، لكن التجربة تعثرت كما هو واضح من مسيرة الأحداث.

وتعرضت أمتنا في سابق تاريخها منذ عصر الأمويين والعباسيين إلى محاولة ترسيخ الاستبداد، لكنها نجحت في التصدي له، وها أنا أعرض جانباً من تلك التجربة، لعلنا نستفيد منها في عصرنا الحاضر.

يقوم كيان الاستبداد على ثلاثة محاور: المُسّتبِد، والجمهور المُسّتَبد به، والثقافة التي يستخدمها المُستبد في تطويع الجمهور. وقد كانت هناك ثلاثة أنواع من الثقافات عاصرت الحكم الإسلامي وسبقته في تسويغ الاستبداد وصياغة ثقافته وهي: الثقافة الفارسية، وثقافة السلطة الكنسية، ثم ثقافة الملوك الإقطاعيين، وجميعها يقوم على أربعة أركان هي:

1-2. تقديس الحاكم، وسلطته.

3. السلطة مطلقة، لا شيء يقيدها أو يحد من إطلاقها.

4. لا ينبغي أن تكون هذه السلطة موضع اعتراض.

      ونجد تأييداً للأركان الأربعة في كلمة القديس “بولس” الذي تُعتبر أقواله أهم الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي التي يُرجع فيها السلطة إلى الله، فيقول: “ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. ومن يقاوم السلطان – إذن – إنما يعاند ترتيب الله. والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم”.

ثم بعد أن أصبحت السيادة للكنيسة في القرون الوسطى، أصبح السلطان هو البابا، وعندما حاول فريدريك الثاني المطالبة لنفسه بالسلطة التامة أجابه البابا إينوسان الرابع (1243-1254م) بأن سلطة الحكومة الزمنية لا يمكن أن تُمارس خارج الكنيسة “لأنه ليس هناك من سلطة أسسها الله خارجها”، وأضاف “إن نائب المسيح تلقى سلطة ممارسة قضائه بواسطة المفتاح الأول على الأرض بالنسبة للأمور الزمنية، وبواسطة المفتاح الثاني في السماء بالنسبة إلى الأمور الروحية”.

ثم تمرّد الملوك الأوروبيون على سلطة الكنيسة، وفصلوا السلطة الزمنية عن السلطة الكنسية، وقد فعل ذلك فيليب الجميل الذي حكم فرنسا (1285-1314م)، وأصدر قراراً في عام 1297م فصل فيه الحكومة الزمنية عن الحكومة الدينية، وأقام سلطته على حق الملوك المقدس، أو نظرية الحق الإلهي، وتقوم هذه النظرية على أن السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته، لذلك لم يكن العرش الملكي عرشاً ملكياً فقط، بل كان ذلك العرش هو عرش الإله ذاته، فالملوك يَحِلّون محل الإله الأب، وهي مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض.

وتأتي منظومة الثقافة الفارسية الذروة في تطويع الشعوب للمستبدين، وخير ما يعبر عن هذه الثقافة “عهد أردشير” الذي كتبه أردشير لولده، واعتبرت الثقافة الفارسية أن الدين طاعة رجل، وأن طاعة السلطان من طاعة الله، واعتبرت – أيضاً – أن الملك عنصر أساسي وضروري في الأخلاق الكسروية، وطاعته هي القيمة المركزية في هذه الأخلاق، وقد دمجت الثقافة الكسروية في النهاية “الدين والطاعة والسلطان” في حزمة واحدة.

وعندما جاء الإسلام أقام كيانه السياسي على منظومة ثقافية جديدة، تصطدم كلياً مع المنظومات الثقافية السابقة أو المعاصرة له، واعتبرت تلك المنظومة الثقافية أن الحاكم بشر، وسلطته بشرية، وهي ليست مطلقة بل مقيدة بالقرآن الكريم وسنة الرسول- صلى الله عليه وسلم -ويمكن أن تكون محل اعتراض، وهناك عشرات الأدلة على وضوح هذه المنظومة الثقافية في أذهان الخلفاء والصحابة والمسلمين من بعدهم.

يأتي في أولها كلمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه التي ألقاها عند توليه الخلافة: “أيها الناس لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني…. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

وقد أوضح أبوبكر الصديق في كلمته إلى المسلمين الذين انتخبوه أنه حاكم بشر، وأن سلطته بشرية، وأنها محددة بشرع الله وطاعة الله ورسوله، وأنه مسموح الاعتراض عليه، وقد بقي هذا الفهم راسخاً عند المسلمين على مدار القرون، وهو أساس المنظومة الثقافية الإسلامية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهناك عشرات الأدلة، وقد اتضح هذا في مسيرة العلماء على مدار الأربع عشر قرناً.

وسأضرب مثالاً على ذلك بأئمة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل رحمهم الله، فجميعهم اعتبروا الحاكم المعاصر بشراً، وأن سلطته بشرية، وأكد ذلك اعتراضهم على بعض تصرفات الحكام المعاصرين لهم، لذلك تعرضوا للضرب حيناً وللسجن حيناً آخر، ويمكن أن أذكر بعض الوقائع أكثر تفصيلاً من سيرة الإمام أبي حنيفة.

فقد عاصر أبو حنيفة رحمه الله الدولتين: الأموية والعباسية، وقد خرج في عصره “زيد بن علي” على الدولة الأموية، وناصر أبو حنيفة زيداً، وأيّده بالمال، فأعطاه عشرة آلاف درهماً، وقد اعتقله والي الأمويين على الكوفة يزيد بن عمر بن هبيرة بعد أن رفض أن يتولى منصب المسؤول عن الخاتم في الولاية، وضربه على ذلك حتى كاد أن يموت، ثم أخرجه من السجن، ثم فرّ أبو حنيفة إلى مكة وبقي هناك إلى أن سقط الحكم الأموي وعاد إلى الكوفة.

أما العباسيون فقد خرج عليهم “محمد ذو النفس الزكية”، وناصره أبو حنيفة رحمه الله ، وأقنع بعض قواد جيش أبي جعفر المنصور بعدم مقاتلة “محمد ذي النفس الزكية”، وقد استجابوا له، وقد جادل أبو حنيفة أبا جعفر المنصور بخصوص أهل الموصل الذين انتفضوا عليه، وقد اشترط المنصور عليهم إذا انتفضوا تَحِلّ دماؤهم، فجمع المنصور الفقهاء وفيهم أبو حنيفة واستفتاهم في هذا الشأن، فأجابه أبو حنيفة: “إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه، وشرطت عليهم ما ليس لك، لأن دم المسلم لا يَحِل إلا بأحد معان ثلاثة، فإن أخذتهم أخذت بما لا يَحِل، وشرط الله أحق أن تُوفي به”.

ثم استمرت المواقف المعارضة من أبي حنيفة لأبي جعفر المنصور، فلم يرض أن يتولى القضاء في بغداد، وطلب منه أن يرجع إليه القضاة فيما يُشكِل عليهم فرفض، فأنزل به العذاب بالضرب والحبس، ثم مات بعد هذه المحنة على اختلاف في روايات الضرب والحبس والموت، ثم دفن في بغداد، وخرج معه خلق كثير في جنازته، وقس على ذلك بقية الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله جميعاً.

ومن الملاحظ أنه ظهرت في المنظومة الثقافية الإسلامية أقوال تشبه الأقوال في المنظومة الثقافية الفارسية، أو المنظومة الثقافية لعهد ملوك أوروبا الإقطاعيين، من مثل قول أبي جعفر المنصور: “أيها الناس إني أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه”، فكيف دخلت؟ وبماذا نعلل دخولها؟

لقد دخلت عن طريق بعض مروجي الثقافة الفارسية الكسروية من أمثال سالم أبي العلاء، وعبدالحميد الكاتب، وعبدالله بن المقفع، وقد وافقهم على دخولها بعض الحكام الأمويين والعباسيين الذين وجدوا أن المنظومة الثقافية الإسلامية لا تساعدهم على إقامة حكم استبدادي، لذلك استخدموا أولئك الكتّاب المطلعين على تلك الثقافة، فقاموا بترجمة عدد من أمهات كتب تلك الثقافة من مثل: “عهد أردشير” و”كليلة ودمنة”…، ووضعوهم في مناصب تمكنهم من ترويج تلك الثقافة من خلال كتابة الرسائل ذات الأسلوب الخاص إلى الولاة وإلى الرعية والتي كانت تُتلى في الأسواق، ولكن السؤال: هل نجحوا في إيجاد ثقافة إسلامية كسروية؟

الحقيقة، لم ينجحوا لأن العلماء القائمين على المنظومة الثقافية الإسلامية المتصادمة مع الثقافة الكسروية كانوا واعين مخلصين لعناصر منظومتهم الثقافية الإسلامية المتصادمة مع منظومة الثقافة الكسروية، وبقوا منافحين عنها بعلمهم وسلوكهم كما رأينا في سيرة الأئمة الأربعة، وفي سيرة علماء آخرين من بعدهم من مثل: النووي، والذهبي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير إلخ…

لكن يجب علينا الاعتراف إلى جانب ذلك بأنه على الرغم من بقاء المنظومة الثقافية النافية والنابذة للاستبداد على حضورها المستمر في تاريخنا الإسلامي، إلا أنه قام إلى جانب ذلك تيار يحتضن تلك الثقافة الكسروية ويلتقي معها هو تيار التصوف الباطني، ولهذا الموضوع قصة أخرى وتفصيل آخر.

الخلاصة: إن أهم ركن في ديمومة الاستبداد هو الثقافة التي يستخدمها المُستَبِدّون في تطويع الجماهير المُستَبدَّ بها، وقد قامت عدة منظومات ثقافية تؤسس للاستبداد قبل قيام الإسلام وأثناء قيام دولته، وأبرزها ثلاث منظومات ثقافية: المنظومة الفارسية، والكنسية، والحق الإلهي للملوك.

وعندما قام الإسلام جاء بثقافة مناقضة لأصول ثقافة الاستبداد، ولكننا وجدنا بعد فترة من الزمن بعض أقوال المنظومة الثقافية الكسروية تسربت إلى الفضاء الثقافي لأمتنا، وتساءلنا: كيف تسربت؟ ولماذا؟ وقدمنا إجابة على ذلك، وبيّنا أن بعض الحكام لجأوا إلى ذلك لأنهم وجدوا أن المنظومة الثقافية الإسلامية لا تساعدهم على إقامة حكم استبدادي، فاستعاروا بعض أدبيات الثقافة الكسروية، لكنهم لم ينجحوا في ترسيخ تلك الأدبيات في فضائنا الثقافي، وذلك لوجود علماء وفقهاء واعين لعناصر المنظومة الثقافية الإسلامية من جهة، متصدين لتلك الثقافة الكسروية بأقلامهم وأجسادهم من جهة ثانية.

بَقِيَ علينا أن نُشرّح الاستبداد المعاصر، ونرصد نقاط الالتقاء والاختلاف مع الاستبداد الماضي، لنستفيد من عناصر النجاح في التجربة الماضية في مواجهة الاستبداد المعاصر.

رابط المقال من الجزيرة نت أين أمتنا من ثقافة الاستبداد؟    

ظهرت المقالة أين أمتنا من ثقافة الاستبداد؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af%d8%9f/feed/ 0 396
الاستبداد حديثًا وقديمًا https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af/#respond Fri, 01 May 2015 22:52:06 +0000 https://al-ommah.com/?p=516 صفات الاستبداد والمستبدين لقد مثلت أنظمة حسني مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس، ومعمر القذافي في ليبيا، وبشار الأسد في سوريا، وعلي عبد الله صالح في اليمن وغيرهم…….، آخر صورة من صور الاستبداد والنظم الاستبدادية في العالم العربي، وقد ثارت عليها الأمة في مختلف أقطارها، فكان الربيع […]

ظهرت المقالة الاستبداد حديثًا وقديمًا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
صفات الاستبداد والمستبدين

لقد مثلت أنظمة حسني مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس، ومعمر القذافي في ليبيا، وبشار الأسد في سوريا، وعلي عبد الله صالح في اليمن وغيرهم…….، آخر صورة من صور الاستبداد والنظم الاستبدادية في العالم العربي، وقد ثارت عليها الأمة في مختلف أقطارها، فكان الربيع العربي، وقد استطاعت اقتلاع بعضها، ولم تستطع اقتلاع بعضها الآخر. فما معالم هذا الاستبداد في نسخته الحديثة؟ وأين يلتقي مع الاستبداد في صورته القديمة؟
إن الاستبداد والمستبدين يقومون على عدة معان وصفات هي:

الانفراد بالرأي وعدم المشاورة:

إن من أبرز صفات الحكام المستبدين (الدكتاتوريين)، هي الانفراد بالرأي وعدم المشاورة، وذلك ناتج عن عدة عوامل، أبرزها: تضخم ذواتهم، وعدم احترام شعوبهم. والشواهد على الانفراد بالرأي أكثرمن أن تحصى، فقد جاءت كل قرارات القذافي فيما يتعلق بانحسار التوجه العربي وتضخم التوجه الأفريقي، وإثارة الحروب مع تشاد وغيرها، دون تشاور مع أحد، وكذلك فعل صدام حسين، فعندما احتل الكويت عام1990 لم يطلع إلا ثلاثة أشخاص على هذا القرار مع أنه قرار مصيري مرتبط بمصير العراق وشعبه.

قهر الشعوب وإخضاعها بالقوة والسيطرة عليها:

قامت علاقة الحكام المستبدين (الدكتاتوريين) مع شعوبهم على القهر والإخضاع بالقوة، واستخدموا في سبيل ذلك الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات، فعلى سبيل المثال هناك في سورية أربعة عشر جهاز مخابرات، ويقدر عدد المرتبطين بأجهزة المخابرات بمئات الآلاف من الأشخاص، وتنفق على هذه الأجهزة معظم ميزانية الدولة السورية وقس على ذلك في بقية الدول.
وسبب ذلك يعود إلى غربة الحكام عن شعوبهم، وعدم امتلاكهم الشرعية في حكمهم، وافتقاد التواصل الفكري والثقافي بينهم وبين شعوبهم، والقفز إلى السلطة عن طريق الدبابة، وإبعاد المناوئين، وإلجام المعارضين.

الاستئثار بالمال والثروة:

استأثر الحكام المستبدون (الدكتاتوريون) في كل الدول التي ذكرناها بأموال الدولة، وتصرفوا فيها وكأنها ثرواتهم الشخصية التي ورثوها عن آبائهم دون خجل، وأنفقوها على اشخاصهم وأسرهم وأعطوا الفتات لمحازبيهم وأعوانهم.
وهناك عشرات الأدلة على ذلك فمن استئثار القذافي بثروة ليبيا الخيالية وتوزيعها على أولاده، إلى زين العابدين بن علي الذي أودع المليارات في بنوك أوروبا، إلى علي عبد الله صالح الذي أودع المليارات –كذلك- في بنوك عمان والإمارات وأوروبا إلخ…

الاستحواذ على السلطة بكل ألوانها ومجالاتها:

استحوذ الحكام المستبدون على السلطة بكل ألوانها العسكرية والسياسية والإعلامية والمالية …، وفي كل مستوياتها، فهي تبدأ بهم وتنتهي إليهم، ولم يتركوا لأحد جانبا منها.

تفشي الظلم وغياب العدل:

لقد تفشى الظلم في المجتمعات التي حكمها المستبدون، وذلك ناتج من استحواذهم على السطة بكل أنواعها وعدم اعطاء الفرصة لجماهير الشعوب للتعبير عن رأيهم، وعدم اعطاء الشعب فرصة للتظلم، وعدم وجود القضاء المستقل وخضوعه الكامل للسلطة الحاكمة.

تعميم الفقر على جمهور الشعب

لقد تدهورت مستويات المعيشة لدى عموم الشعوب في دول الحكومات المستبدة وتجاوزت أرقامها خطوط الفقر التي رسمها البنك الدولي، وإن مدن الصفيح والسكن العشوائي التي تحيط بالمدن الكبيرة هي ظاهرة بارزة في معظم المدن التي حكمها الطغاة المستبدون، وخير مثال على ذلك مقابر القاهرة التي يعيش فيها الآن أكثر من مليون شخص.

الاستبداد وقصة موسى عليه السلام

من الملفت للنظر أن كل الصفات التي قام عليها الاستبداد والمستبدون، نجدها واضحة في فرعون الذي تواجه مع موسى عليه السلام فقد اتصف فرعون بالانفراد بالرأي وفرضه على الرعية، فقال تعالى: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” (غافر، 29). واتصف فرعون بأن علاقته بشعبه هي علاقة قهر وقتل واستعباد واستعلاء …. فقال تعالى: “قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ” (الأعراف، 127).

وكذلك اتصف فرعون بالاستئثار بأموال مصر فقال تعالى: “وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الزخرف، 51).

من الجدير بالملاحظة أن قصة موسى عليه السلام مع فرعون من أكثر القصص ورودًا في القرآن الكريم، والأرجح أن الحكمة من وراء ذلك توضيح أمر المستبدين، وإجلاء صور استبدادهم ومساوئه وآثاره، والتحذير منه، ليس ذلك فحسب بل قصد القرآن الكريم من ذكر تلك القصة، والحديث عن تفاصيلها، تعليم الأمة كيفية مواجهة أولئك المستبدين، وتعليم الأمة سبل الانتصار عليهم.

ففي مجال تعليم الأمة مواجهة أولئك الطغاة المستبدين كان موسى عليه السلام هو المثال الأوضح في هذا الصعيد، فقد أمره الله أن يذهب إلى فرعون ويواجهه فقال تعالى: “هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى” (النازعات، 15 – 19).

وقال تعالى: “اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ*فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ *قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ*قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ” (طه، 43-46)

الدرس الأول

فكان الدرس الأول الذي تعلمه موسى عليه السلام من كلام الله هو الاستجابه لأمر الله في مواجهة المستبدين، مع خوفه عليه السلام من بطش فرعون، لكن الله بين له العدة التي يمكن أن تقيه في تلك المواجهة وهي استحضار معية الله كما وضحت الآيات السابقة، لذلك عندما لحق فرعون موسى عليه السلام، وخوّفه قومه من وصول فرعون إليهم، استنكر موسى عليه السلام تخويفهم له بلحاق فرعون بهم، وأجابهم بأن الله معه سيهديه ويحفظه من جيش فرعون، قال تعالى:

“فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” (الشعراء، 61-62).

تبين لنا قصة موسى عليه السلام مع فرعون أمرا أساسيا، وهو أن بناء الإنسان هو اللبنة الأولى في مواجهة الطاغوت المستبد، وهذا البناء يقوم على البناء النفسي السليم وعلى معرفة الله –سبحانه وتعالى- المعرفة الحقة بكل قوته وقدرته وعلمه وجبروته سبحانه وتعالى، ثم يأتي استحضار معيته في هذه المواجهة، لأنه لن يكون هناك صمود وانتصار دون حصول هذا البناء النفسي.

الدرس الثاني

أما الدرس الثاني الذي يمكن أن نستفيده من قصة موسى عليه السلام مع فرعون، هو ضرورة إعداد نخبة قيادية، كي تعين القائد في مواجهة المستبد، لذلك اتجه موسى –عليه السلام- إلى بني إسرائيل، فآمنت نخبة قليلة العدد وكانت تخاف بطش فرعون قال تعالى: “فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ” (يونس،83).

ثم بينت قصة موسى عليه السلام محاور اعداد هذه النخبة القيادية، وشملت هذه المحاور: التوكل على الله، والصلاة، واتخاذ بعض البيوت مساجد …. قال تعالى: “وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” (يونس،84-87).

الدرس الثالث

وأما الدرس الثالث الذي يمكن أن نستفيده من قصة موسى عليه السلام، بأن زوال المستبد الطاغية من حياة الشعوب المستعبدة، لا يكفي لتحريرها بل لا بد من عملية أخرى وهي زوال الاستبداد من قلوب وعقول الشعوب التي خضعت للاستبداد لأن الاستبداد يفسد القلوب والعقول والأذواق، ويدل على ذلك تعامل بني إسرائيل مع موسى عليه السلام في المرحلة التالية لتحريرهم.

حرر موسى عليه السلام بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم، وخلصهم من بطشه وجوره وعسفه، ورأوا الآيات البينات على ذلك في عدة أماكن: في مواجهة موسى عليه السلام مع السحرة عندما حول الله عصاه إلى حية أبطلت سحر الساحرين، وفي مواجهة البحر عندما أمره الله بضرب البحر بعصاه فانشق البحر عن اثني عشر طريقا لعبور بني إسرائيل، ومع ذلك لم يطيعوا موسى عليه السلام في شيء بعد ذلك، لأن الاستبداد أفسد عقولهم فعندما رأوا الأقوام الأخرى تعبد آلهة متعددة طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهً كما لهذه الأقوام آلهة، وهذا مناف للتوحيد الذي دعاهم إليه موسى عليه السلام، فقال تعالى: “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ” (الأعراف، 138-140).

وأفسد الاستبداد نفوس بني اسرائيل وقلوبهم، وأورثهم مخالفة الأوامر والعصيان، فعندما طلب منهم موسى عليه السلام أن يقولوا “حطّة” قالوا “حنطة” وعندما طلب منهم أن يدخلوا القرية سجدا دخلوها على أدبارهم، قال تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” (البقرة، 58-59).

وعندما طلب من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدهم الله إياها رفضوا ذلك لفساد قلوبهم وعقولهم، ولأن الجبن والذلة قد تجذرا في نفوسهم وقلوبهم، فقال تعالى: “وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” (المائدة: 20-24).

لذلك جاء الأمر الإلهي بأن يتيهوا أربعين سنة من أجل تطهير قلوبهم ونفوسهم من هذه الأمراض التي أورثهم –إياها- الاستبداد، قال تعالى: “قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” (المائدة، 25-26).

ولم يفسد الاستبداد عقول بني إسرائيل وقلوبهم فقط، بل أفسد أذواقهم، فعندما أعطاهم الله المن والسلوى، وهما طعامان من أفخر الأطعمة وأفضلها، طلبوا القثاء والفوم والعدس والبصل، قال تعالى: “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ” (البقرة، 61).

لذلك فإن أبرزدرس نستفيده من قصة موسى عليه السلام مع فرعون هو ان مفعول الاستبداد لا ينتهي بزوال المستبد، بل قد يستمر مع الشعوب، لذلك لا بد من انتزاع المستبد من عقول وقلوب الشعوب المستعبدة، وذلك من خلال عملية بناء، وتحتاج خطة وإعداداً وتأهيلا نفسيا وعقليا، وهذا أخطر ما يورثه المستبد للشعوب كما وضحت الآيات الكريمة، وهذا ما يجب أن تقوم به القيادة التي خلصت جماهير الشعب من المستبد الطاغية.

الخلاصة: إن الاستبداد جريمة كبرى في حق أبناء أمتنا وشعوبنا، وقد ثارت شعوبنا على هذه النظم المستبدة، وأفلحت في قلع بعضها ولم تفلح في قلع بعضها الآخر، وقد جاءت قصة موسى عليه السلام مع فرعون في القرآن الكريمدالة على وجوب تحرير الشعوب من المستبدين، كما فعل موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، ولكن القرآن الكريم وضح من خلال قصة موسى عليه السلام أيضًا أمورًا أخرى، منها: كيفية بناء النفوس لمواجهة المستبدين، وأشار كذلك إلى وجوب القيام بأمرين، اقتلاع المستبد من جهة، واقتلاعه -بعد ذلك- من قلوب وعقول المستعبدين من جهة ثانية، لأنه لا ينتهي مفعول الاستبداد بزوال المستبد، بل تبقى أمراض الاستبداد متغلغلة في عقول ونفوس الجماهير التي خضعت للاستبداد.

رابط المقال من موقع الجزيرة نت الاستبداد حديثا وقديما

ظهرت المقالة الاستبداد حديثًا وقديمًا أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af/feed/ 0 516
الاستبداد القومي: صدام حسين نموذجاً https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a/#respond Tue, 27 May 2003 01:00:27 +0000 https://al-ommah.com/?p=2276 درس بعض الباحثين الاستبداد الذي عرفه تاريخنا، فكان الاستبداد السلطاني أبرزها، وقد عرفت أمتنا في القرن العشرين استبداداً حديثاً هو الاستبداد القومي، فبماذا اتفق هذا الاستبداد القومي مع الاستبداد السلطاني؟ وبماذا اختلف عنه؟         اتصف الاستبداد السلطاني بعدة صفات، أنه استبداد  لا يعرف المشاورة، فكان المستبد لا يشاور أهل الحل […]

ظهرت المقالة الاستبداد القومي: صدام حسين نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
درس بعض الباحثين الاستبداد الذي عرفه تاريخنا، فكان الاستبداد السلطاني أبرزها، وقد عرفت أمتنا في القرن العشرين استبداداً حديثاً هو الاستبداد القومي، فبماذا اتفق هذا الاستبداد القومي مع الاستبداد السلطاني؟ وبماذا اختلف عنه؟

        اتصف الاستبداد السلطاني بعدة صفات، أنه استبداد  لا يعرف المشاورة، فكان المستبد لا يشاور أهل الحل والعقد والمعرفة والخبرة في القضايا التي تواجهه، ولا يعرف المشاركة فكان المستبد ينفرد في السلطة دون أهل عصبيته الذي ساعدوه في التمكين، ولا يعرف الشرعية لأن المستبد في الغالب يأتي عن طريق الغلبة والقوة وفرض الأمر الواقع إلخ…

        عرف الاستبداد القومي كل صفات الاستبداد السلطاني السابقة، فالاستبداد القومي لا يشاور غيره في أخطر الأمور فحسب، بل لا يخبر أحداً، فصدام حسين لم يخبر إلا اثنين بغزو الكويت هما: صهره حسين كامل حسن، وابن عمه علي الكيماوي، وكذلك السادات لم يعلم أحداً بعزمه زيارة القدس عام 1977م غير حسن التهامي، ناهيك عن المشاورة بخصوص خطوة استراتيجية ومؤثرة في مسار المنطقة برمتها.

       والاستبداد القومي لا يعرف المشاركة فصدام حسين انقلب على عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود أبرز شريكين للتكارتة بعد أسبوعين من ثورة 17 تموز/يوليو 1968م، ثم صفى أهل عشيرته ومحازيبه واحداً تلو الآخر  في ثورة 17 تموز/يوليو 1968م واحداً تلو الآخر، ثم ألزم أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية كبير التكارتة بالاستقالة عام 1979م بعد أن احتمى بظله أحد عشر عاماً ليحل مكانه في رئاسة الجمهورية، كما قتل قسماً كبيراً من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث في تموز عام 1979م من أجل السيطرة الكاملة على الحزب، كما قتل كثيراً من أهل عشيرته في تكريت، وقتل صهريه، وأزاح أخوته من أمه: برزان ووطبان وسبعاوي وأبقى ثقته في قسم من عشيرته في تكريت وهم بعض أولاد عمومته.

        والاستبداد القومي لم يعرف الشرعية، بل كان يأتي في أغلب الأحيان عن طريق الدبّابة، فمن المعلوم أن صدام حسين جاء عن طريق انقلاب عسكري على عبد الرحمن عارف في عام 1968م، ثم جاء بميشيل عفلق – الأب الروحي لحزب البعث – من البرازيل وأعطاه اعتباراً خاصاً لعلّه يكسب جناحه شيئاً من الشرعية في مواجهة البعثيين اليساريين.

        عرف الاستبداد القومي كل شرور الاستبداد السلطاني السابقة وزاد عليها فناً جديداً هو استبداد القهر والجبر، وقد هذا الفن الجديد من الاستبداد نتيجة الفقر الثقافي الذي قامت عليه ايديولوجيا القومية العربية، حيث اعتبرت الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، ونتيجة نخبوية الأحزاب القومية وقلة المنتسبين إليها، فلم يتجاوز البعثيون الذين قفزوا إلى الحكم  عام 1968م بضع عشرات من الأعضاء مع آلة طابعة واحدة.

        قسم الاستبداد  السلطاني المجتمع إلى مراتب وطبقات، فهناك الطبعة العليا والطبقة الوسطى وطبقة السفلة، وحدّد الاستبداد كيفية تدبير كل طبقة بما يناسب مكانتها: فالطبقة العليا في حاجة إلى رأفة الملك، والوسطى إلى إنصافه، أما الطبقة السفلى فلها الخوف، وحافظ الاستبداد القومي على مراتبية المجتمع بصورة مناسبة له، فجاء في أعلاها: التكارته العسكريون السنة البعثيون، ثم ضاقت هذه المراتبية حتى انحصرت في عائلة “البوناصر” من عشيرة صدام، أما الخوف فكان طاغياً ومراسه صدام حسين مع كل مراتب المجتمع حوله.

       والاستبداد القومي التقى مع الاستبداد السلطاني في الحرص على أبهة الملك، فعشرات القصور التي بناها صدام  تشهد على ذلك، والبذخ في احتفالات عيد ميلاد صدام تؤكد ذلك حيث يلبس “فارس العرب” البزّة البيضاء، ويركب عربة فاخرة موشاة بالذهب، وشعبه يعاني أمر الأوضاع الاقتصادية.

        وافترق الاستبداد السلطاني عن الاستبداد القومي في أن الأول حقّق للأمة بعض الانتصارات على مستوى الخارج، وحافظ على كيانها على مستوى الداخل، فقد استطاع الزنكيون والأيوبيون والمماليك إنهار الوجود الصليبي في بلاد الشام ومصر، كما استطاعوا إيقاف الغزو المغولي في معركة عين جالوت في فلسطين، كما استطاع السلاطنة العثمانيون إيقاف الزحف البرتغالي-الأسباني الذي استهدف الجزيرة العربية بعد طرد العرب من الأندلس. لكن الاستبداد القومي حقق الانهيار الكامل للأمة في أي مواجهة مع العدو، وخير ما يشهد على ذلك حرب العرب مع اسرائيل عام 1967م مع اسرائيل، وحرب العراق مع قوات التحالف عام 2003م، حيث انهارت جيوش ثلاثة دول عربية هي مصر وسورية والأردن في ستة أيام، كما انهار الجيش العراقي أمام قوات التحالف خلال ثلاثة أسابيع، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الخواء النفسي والمعنوي والروحي الذي يعيشه الفرد في هذا الاستبداد القومي، فهو قد أفرغه من كل محتوياته الثقافية السابقة، ولم يستطع أن يملأه بشيء.

ظهرت المقالة الاستبداد القومي: صدام حسين نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d9%85%d9%8a/feed/ 0 2276
هل تاريخ أمتنا تاريخ استبداد ؟ https://www.al-ommah.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%9f/ https://www.al-ommah.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%9f/#respond Sat, 19 Aug 2000 01:54:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2727 يصف كتاب كثيرون تاريخنا بأنه تاريخ استبداد وإذا أرادوا أن يكونوا كرماء حسب زعمهم فإنهم يستثنون منه فترة بسيطة وهي فترة الخلفاء الراشدين وفترات لأسماء أخرى معروفة مثل فترة عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-، وقد اعتبر بعض هؤلاء الكتّاب بأن الاستبداد هو السبب في كل أمراضنا الاجتماعية الأخرى، وهو […]

ظهرت المقالة هل تاريخ أمتنا تاريخ استبداد ؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
يصف كتاب كثيرون تاريخنا بأنه تاريخ استبداد وإذا أرادوا أن يكونوا كرماء حسب زعمهم فإنهم يستثنون منه فترة بسيطة وهي فترة الخلفاء الراشدين وفترات لأسماء أخرى معروفة مثل فترة عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-، وقد اعتبر بعض هؤلاء الكتّاب بأن الاستبداد هو السبب في كل أمراضنا الاجتماعية الأخرى، وهو الذي أفسد حياتنا كلها، وهو السبب الرئيسي في تأخرنا وانحطاطنا، ومما يؤكد ذلك تخصيص كاتب مثل عبد الرحمن الكواكبي  كتاباً لذلك المفهوم سماه “طبائع الاستبداد  ومصارع الاستعباد” ألّفه عام 1902م.

ومشكلتنا مع أولئك الباحثين أنهم لا يصدرون أحكامهم على تاريخنا انطلاقاً من الدراسات المعمقة والمستقلة لذلك التاريخ، بل يسقطون عليه الأحكام الخاصة بتاريخ الحضارة الغربية من مثل صراع العلم والدين، والانحطاط، ورجال التنوير، والنهضة إلخ. . .

أو يسقطون عليه نظريات غربية خاصة لتحليل التاريخ الغربي كالماركسية فتجد أحكاماً من مثل طبقة البروليتاريا، وطبقة البورجوازية، والصراع الطبقي، وديكتاتورية البروليتاريا إلخ. . .

فتكون النتيجة ظلم تاريخنا وظلم الحقيقة وظلم تلك المصطلحات والأحكام. وفي مجال حديثنا عن الاستبداد تصبح الديمقراطية الغربية هو النموذج البديل المطلوب، فإن لم تكن موجودة بكل تفصيلاتها الحالية من أحزاب وانتخابات وبرلمان ووزارة مسؤولة أمام البرلمان إلخ. . . جرى الحكم على تاريخ الأمة بنقيض ذلك وهو الاستبداد، وطالما أننا نتحدث عن الديمقراطية نتساءل: ما الذي تستهدفه الديمقراطية وغيرها من أنظمة الحكم السياسي؟ الجواب: إقامة العدل، وتحقيق المساواة، وإعطاء الفرص لجميع أبناء الأمة في تبادل الرأي حول شؤونها، وإعطائهم الفرصة كذلك للمساهمة في حلّ قضاياها إلخ. . .، وهذه الأهداف يمكن أن تتحقق بآليات متعددة، وليست مقصورة على الآليات التي صاغها النظام الديمقراطي. لذلك فإن تاريخنا السياسي قد ظلم –في تقديري- من ثلاث نواح:

الأولى: إسقاط كثير من الأحكام الخاصة بالحضارة الغربية عليه.

الثانية: عدم دراسة مسيرته السياسية بشكل مستقل.

الثالثة: جعل النموذج الغربي الحالي هو الذي تُقوّم على أساسه حضارتنا وتاريخنا في الاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ. . .

والآن لنر: من أين جاء مفهوم الاستبداد؟ وهل يمكن تطبيقه على تاريخنا؟ وكيف جرى الحكم في تاريخنا؟ وما أبرز آلياته؟

        جاء مفهوم الاستبداد من النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى حيث كان يملك الإقطاعي فيه الأرض ومن عليها من بشر وحيوان ونبات وشجر، ويتحكم فيهم حسب أهوائه ومزاجه وحسب ما يروق له دون وجود لقانون يرسم أفقاً أو حداً لتصرفاته وأعماله، لذلك عندما جاءت الثورات التي انبثقت عن المرحلة البرجوازية وحملت معها الدستور، اعتبرت هذه الوثيقة (الدستور) التي تحدّد بعض جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتبيّن واجبات الحاكم والمحكوم وحقوقهما، اعتبرت نهاية لعهد الاستبداد لأنها انتقلت في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من العلاقة غير المحددة بأية قواعد أو ضوابط إلى العلاقة المحددة ببعض القواعد والضوابط، ولكن هذه الخاصية كانت موجودة منذ اللحظة الأولى في تاريخنا حيث كان القرآن الكريم دستوراً لأمتنا لم يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل فصّل علاقة الحاكم بالمحكوم وبيّن واجبات الحاكم، من مثل:

وجوب الشورى، وإقامة الصلاة، وجباية الزكاة وتوزيعها في مصارفها المحدّدة، ونشر الدين، وتحديد العقوبات التي يمكن أن يوقعها الحاكم على المحكومين من مثل: حد السرقة، وحد الزنا، وحد الحرابة،  وحد شرب المسكرات إلخ. . . وبيّن واجبات المحكوم من مثل: الطاعة طالما أن الحاكم مطيع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح للحاكم، ودفع الزكاة، والاستجابة لداعي الجهاد إلخ. . . إذن هذه التحديدات التي شرعها الإسلام في مجالات الحاكم والمحكوم وفي العلاقة بينهما وفي علاقتهما بالآخرين أزالت سبباً رئيسياً من أسباب الاستبداد، والآن لنر: كيف كانت علاقة الحاكم بالمحكوم والراعي بالرعية على مدار القرون السابقة؟

        لقد أنشأ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية، وقامت علاقته مع رعيته صلى الله عليه وسلم على العدل والمساواة والشورى والرحمة والرأفة والحكمة والعلم إلخ. . . وكانت نموذجاً للعلاقة المثالية بين الحاكم والمحكوم ولن نفصّل في صورتها وحيثيّاتها لأن خصومنا أو مجادلينا قد يحتجون بأنه لا مجال للمحاججة بخصوص علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابة لأنه نبي تسدّد السماء علاقته برعيته، وينـزل عليه جبريل بالحق بخصوصها، وأما الخلفاء الراشدون فيسلّم معظم الدارسين بأن العلاقة بينهم وبين رعيتهم كانت سليمة ومشرقة وإيجابية وقريبة من صورة علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بصحابته رضي الله عنهم وحققت العدل والمساواة والشورى والرحمة إلخ. . .

لذلك لن نخوض في تفاصيلها طالما أنها ليست مجال اختلاف، لكن العصور التالية هي مجال الاتهام بالاستبداد، ونحن من أجل تقرير وجهة نظر صائبة في هذا الموضوع

  • لن نستطيع أن نستقصي في هذا المقال كل وقائع التاريخ الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني من أجل استخلاص أحكام دقيقة في مجال الحكم من جهة.
  • ولن نستطيع أن نستقصي كل تفصيلات علاقات الحاكم الإسلامي برعيته خلال كل ذلك التاريخ الطويل من أجل تقرير مدى قربها أو بعدها عن الاستبداد من جهة ثانية.

فذلك يحتاج إلى دراسات متعددة نسأل الله العون على تدوينها في أيام قادمه، لكن يكفي في هذا المقال إعطاء مؤشرات عن اتجاه الحكم وعن مدى سلامة علاقة الحاكم بالمحكوم في ذلك التاريخ الطويل، وهو ما سنجتهد أن نقوم به.

        تميزت فترة الخلافة الراشدة بأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كانوا أمراء الأمة وعلماءها في الوقت نفسه، لكن العهد الأموي شهد ظهور قيادتين للأمة هما: قيادة الأمراء وقيادة العلماء، ثم استمرار الأمر على هذه المنوال في  العهود التالية: العباسية، والمملوكية، والعثمانية، وقد كانت قيادة الأمراء تأخذ شرعيتها من التزامها بالشريعة الإسلامية، وهذا ما يمكن أن نعتبره أول عامل ينفي عنها صفة الاستبداد -كما وضحنا ذلك في بداية الحديث- لأنه كان يحدّد علاقتها برعيتها، ويوضح واجبات وحقوق الطرفين: الراعي والرعية، كما أنها (أي قيادة الأمراء) لم تكن تنفرد بقيادة جماهير المسلمين، بل كانت قيادة العلماء تشاركها في هذه القيادة من جهة، وتحاسبها على كثير من تصرفاتها من جهة ثانية مما يقلل من حجم ظلمها وفرصه، ولا أريد  أن أعدد أسماء العلماء الذين ساهموا في قيادة المسلمين على مدار التاريخ الماضي أو أعدد المواقف التي تشير إلى محاسبتهم الأمراء، فالتاريخ مملوء بشواهد تدل على الأمرين السابقين، والأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى تعداد أو تدليل، ويكفي أن نذكر اسمين هما العز بن عبد السلام وابن تيمية ودورهما في تحريك الأحداث وتوجيهها في عصرهما.

ومما تجدر الإشارة إليه أن قيادة العلماء لم تبق في صورة أشخاص إنما تحوّلت إلى أشبه ما يكون بالمؤسسة مع مرور الزمن فأصبحت هذه القيادة تحتوي عدة وظائف في العهد العثماني، منها: شيخ الإسلام الذي كان يسكن عاصمة الخلافة استامبول، ويأتي ترتيبه الثاني في البروتوكول  الرسمي بعد الخليفة وقبل الصدر الأعظم الذي هو رئيس الوزراء، ومنها أيضاً: القضاة، والفقهاء، ونقباء الأشراف، وخطباء المساجد وأئمتها، والمؤذنون والخدمة، والقرّاء، والوعّاظ إلخ. . . وكان هؤلاء يأخذون رواتبهم من خلال الأوقاف، وكان القضاة يقومون بالإضافة إلى قضائهم في الخصومات الشخصية والتجارية، بتثبيت مشايخ الحرف وفض منازعاتهم، وكان القضاة بمثابة حكام شرعيين للأمة، وكانوا يقومون بدور صلة الوصل بين الوالي والأهالي، فينقلون أحكام الوالي إلى الأهالي، وينقلون رغبات الأهالي وطلباتهم إلى الوالي.

وبالإضافة إلى قيادة العلماء التي نافست الأمراء على نفوذهم عند جماهير المسلمين، وشاركتهم في هذا النفوذ، ومنعت انفرادهم بالسلطة، برزت قيادات مدنية أخرى في المجتمع الإسلامي كانت تؤدي دوراً أخلاقياً أواقتصادياً أو رقابياً أوثقافياً أو اجتماعياً
إلخ. . .، ومن هذه القيادات التي تطورت على مدار التاريخ الإسلامي: التنظيمات الحرفية، والطرق الصوفية، والحسبة، والأوقاف، وسأشير باختصار إلى دور كل منها خلال العهد العثماني لأنه -كما قلت- العهد الأكثر اتهاماً من غيره بالاستبداد.

        فمن دراسة الحرف والصناعات نجد أن كل حرفة كانت تختار شيخها المناسب بإرادتها الذاتية المحلية، وكانت سلطة شيخ الطائفة تشمل إدارة شؤون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشاكلهم، والإشراف على تنفيذ اتفاقاتهم، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقات، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه، وكان الوالي يتصل بأصحاب الحرفة عن طريقه.

        وكان شيخ الحرفة يمارس سلطته اعتماداً على العلاقات التنظيمية والأخوية الصادقة التي كانت تربطه بأبناء الطائفة، فعلى المستوى التقني والتنظيمي يخضع التعليم الحرفي لتراتبية دقيقة بدءاً من المبتدئين إلى الصانع وإلى المعلم. وعلى قاعدة هذه التراتبية لشيخ الحرفة الحق في أن يشدّ بالكار (الصنعة) المبتدئين الماهرين فيصيرون صناعاً أو معلمين. وحفلة الشدّ حفلة ترفيع المبتدئ إلى صانع أو الصانع إلى معلّم، هي حفلة ذات طابع ديني، ويظهر ذلك في قراءة “الفاتحة” والأدعية والأناشيد النبوية التي تتخلّل الحفلة، وإسباغ جو من الورع والتقوى على “المشدود” والحاضرين، والتشديد على “العهد” و”الميثاق” و”الأخوة” أمام الله والجماعة، وكان المشدود يعاهد المعلم على أن يلتزم بقواعد منها: الإتقان، عدم الغش، والتسعيرة العادله، التضامن مع رفاق المهنة إلخ. . .

        وكان هناك “شيخ مشايخ الحرف أو شيخ التجار” وكان يعيّن بإجماع التجار ويشترط فيه أن يكون صاحب دين وأخلاق أهلاً للمشيخة لائقاً بها، وأن يختاره ويرضى به كامل التجار، وأن يوافق القاضي والسلطان على تعيينه، وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى، ولا يتم أي تغيير إلا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم يُنتخبون بحضوره ويُزكّون بتزكيته.

        لقد نشأت الطرق الصوفية في العهد العباسي، لكنها تغلغلت في كل زوايا المجتمع في العهد العثماني، فقد تداخلت مع التنظيمات الحرفية، كما تداخلت مع الجيش الانكشاري الذي أسس أمجاد الخلافة العثمانية، والذي ارتبط بالطريقة البكتاشية، وقامت الطرق الصوفية بدور تهذيبي، وامتلكت الدور والمدارس والخانات والزوايا إلخ. . . وكانت إحدى الحلقات الفاعلة في حياة المسلمين بعيداً عن قيادة الأمراء.

        نشأت الحسبة في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي، ثم تطوّرت فأصبح يرأسها محتسب ومعه محتسبون معاونون، مهمتهم المحافظة على الآداب والأخلاق والنظافة والحشمة ومنع الغش وعدم الاختلاط . . . وقد كانت تهدف أن تجعل الأخلاق الإسلامية سجية وطبعاً ليبقى المجتمع محافظاً على شخصيته وهويته.

        أما الأوقاف فقد شغلت ثلث ثروة العالم الإسلامي وقامت بدور اجتماعي وثقافي واقتصادي، فقد أنشأت المدارس والمكتبات، وأنفقت على العلماء وطلاب العلم، كما كلفت بعض العاملين بنسخ الكتب من أجل إيقافها على طلاب العلم، كما أنشأت الأوقاف المستشفيات التي كانت تعالج الناس مجاناً، كما أنشأت الخانات التي كانت تؤوي الناس على الطرقات، كما أوقفت الدور التي تساعد الفقراء وتؤويهم وتطعمهم إلخ. . .

        الخلاصة: لم تعرف أمتنا الاستبداد بالصورة  التي عرفها المجتمع الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، ومثّل التزام الأمراء المسلمين بتنفيذ الشريعة الإسلامية الشرط الأول لمنحهم الشرعية من قبل الأمة كما مثل هذا الالتزام نفياً للاستبداد لأنه الوثيقة الدستورية التي اعتبر الغرب وجود مثلها إنهاء للاستبداد في حياته السياسية، وقامت قيادة العلماء بدور القيادة الموازية لقيادة الأمراء على مدار التاريخ الإسلامي مما جعلها تواجه ظلم الأمراء فتقلل من حجمه حيناً، وتبطله حيناً آخر، كما قامت مؤسسات ورابط أخرى من مثل:

المنظمات الحرفية، والطرق الصوفية، والحسبة، والأوقاف، بدور الوسيط بين جماهير المسلمين والقيادة الحاكمة حيناً، وتوسيع هامش الاستقلال في حياتهم حيناً آخر، وإبعادهم عن تدخلات الأمراء حيناً ثالثاً، وفي كل الأحوال قامت تلك المؤسسات والروابط والقيادات بإغناء الجانب المدني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والرقابي في حياة جماهير المسلمين إغناء فريداً، ورعايته وتوسيع دائرته.

 

ظهرت المقالة هل تاريخ أمتنا تاريخ استبداد ؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a3%d9%85%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%9f/feed/ 0 2727