دعوة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/category/دعوة/ منبر الأمة الإسلامية Wed, 15 Feb 2023 18:18:04 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.7.2 https://www.al-ommah.com/wp-content/uploads/2021/02/منبر-الأمة-الإسلامية.svg دعوة الأرشيف – منبر الأمة الإسلامية https://www.al-ommah.com/category/دعوة/ 32 32 171170647 ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b1%d8%a9/ https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b1%d8%a9/#respond Tue, 16 Jun 2020 13:15:14 +0000 https://al-ommah.com/?p=1637 لقد اعتاد كثير من الناس اعتبار أن القرآن الكريم معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم هي المعجزة البلاغية بشكل رئيسي، لكن الكاتب يعتبر أن المعجزة الأولى هي أنه معجز في مضمونه أولاً وبهذا “المضمون المعجز” فقد بنى الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أمور معجزة هي “الصحابي” و”الأمة المسلمة” […]

ظهرت المقالة ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد اعتاد كثير من الناس اعتبار أن القرآن الكريم معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم هي المعجزة البلاغية بشكل رئيسي، لكن الكاتب يعتبر أن المعجزة الأولى هي أنه معجز في مضمونه أولاً وبهذا “المضمون المعجز” فقد بنى الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أمور معجزة هي “الصحابي” و”الأمة المسلمة” و”الدولة المسلمة” والمضمون “معجز” من ناحيتين:

  • الأولى: بأن كل ما احتواه القرآن من حقائق عن الله –سبحانه وتعالى- واليوم الآخر والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخلق الكون والإنسان، وما احتواه من مبادئ وقيم ومفاهيم وأفكار وتشريعات إلخ … حق وصواب
  • الثانية: أن هذه الحقائق جاءت بقدر مناسب لبناء “فرد معجز” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة” إذًا الهدف من كتاب الله هو بناء للفرد المسلم والأمة المسلمة والدولة المسلمة وليس المقصود منه أن يكون القرآن الكريم كتاباً في التاريخ أو الفلك أو الطب إلخ …

ثم إن هذا “المضمون المعجز” الذي بنى “فرداً معجزاً” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة” لا يليق به أن يكون سرداً ككلام الآخرين، بل جاء معجزاً في مبناه وَنظْمه وبلاغته ولغته وأسلوبه وأمثاله.

تحميل المقال بصيغة pdf من هنا: ما-معجزة-الرسول-محمد-ﷺ-الأولى-والرئيسية؟

ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟

إذا طرحنا السؤال التالي على المسلمين المعاصرين: ما معجزة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الأولى والرئيسية؟ لوجدنا أن الجواب على هذا السؤال جاهز ومشهور، وهو: إن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى والرئيسية بلاغية بيانية لغوية، بمعنى أن الآيات والسور القرآنية معجزة في نظمها وألفاظها وجملها وصياغتها وتشبيهاتها وصورها وخيالها، وقد تحدى القرآن الكريم العرب المشركين على عدة مراحل، وهم أهل البيان والفصاحة، وقد كان الشعر العربي والمعلقات دليلاً على ذلك، فكانت أرقى ما يمكن من ناحية فصاحتها وبلاغتها، وهم كتبوها بماء الذهب وعلقوها على جدران الكعبة افتخاراً وتقديراً منهم لهذا الشعر.

فجاء تحديهم بأن يأتوا بمثل القرآن الكريم ثم بعشر سور ثم بسورة واحدة من ناحية بلاغية، فوقع العجز منهم، ولم يستطيعوا أن يأتوا بسورة واحدة، لذلك تحقق الإعجاز البلاغي البياني للقرآن الكريم، وتحقق العجز منهم أمام دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولا بد من الإشارة إلى المعجزات الحسية التي جاءت على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، ومعجزة الإسراء والمعراج، ونبع الماء بين يديه، وإطعام الجيش ذي العدد الكثير بطعام قليل إلخ….. لكن مع إقرارنا نحن بكل تلك المعجزات الحسية وإقرارنا بمعجزة تنبؤ القرآن بوقوع بعض الغيوب قبل حدوثها من مثل حديثه عن انتصار الروم في قوله تعالى: “غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين”)الروم، (، ومع إقرارنا بكل ذلك، بقي الراجح والمتعارف عليه في كل العصور السابقة أن الإعجاز في القرآن الكريم هو إعجاز بياني بلاغي لغوي.

وقد أكد العلماء المعاصرون هذا التوجه، ويمكن أن نستشهد بأبرز كاتبين تحدثا عن إعجاز القرآن هما: الدكتور محمد عبدالله دراز والشيخ محمد أبو زهرة رحمهما الله.

فقد وضع الدكتور دراز في كتابه عنواناً هو “القرآن معجزة لغوية” وكتب تحت هذا العنوان “استقصاء الشُّبه الممكنة حول هذه القضية تمهيداً لمحوها واحدة واحدة”، ثم بدأ باستقصاء الشبه واحدة واحدة لتأكيد أن القرآن معجزة لغوية.(النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن. صفحة 100).

وكتب الشيخ أبو زهرة في كتابه تحت عنوان “سر الإعجاز” فقال: “أن الأساس في عجزهم هو ما فيه من بلاغة ورنة قول، ونغمة بيان أدركوها بذوقهم البياني”.(المعجزة الكبرى القرآن. صفحة 77).

وأنا أعترف وأقدر أن ما تحدث عنه أسلافنا من الإعجاز البياني البلاغي للقرآن الكريم صحيح، لكنه ليس المعجزة الأولى التي جاء بها القرآن الكريم والأرجح أنها تالية لمعجزة سبقتها تتعلق بمضمون القرآن الكريم، والمعاني التي قررها، والحقائق التي تحدث عنها، والمبادئ التي أعلنها، والقيم التي أبرزها، والمفاهيم التي قدمها، والأخلاق التي دعا إليها، والتشريعات التي قعّدها إلخ…..، لذلك أعتقد أن المعجزة الأولى للرسول ﷺ هي مضمون السور القرآنية من ناحية، وأنها تجسدت على الأرض بثلاثة أشياء: “مسلم موحد”، و”أمة مسلمة”، و”دولة مسلمة” من ناحية ثانية.

وأن كلاً من هذه الأمور الثلاثة “معجزة” في صورتها التي انتهت إليها، فقد وقع الإعجاز في مضمون القرآن الكريم، وفيما جسّده هذا المضمون في واقع الحياة البشرية من “مسلم معجز” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة”، ومن أجل توضيح هذه الأمور المعجزة سنتحدث أولاً عن “المعجزة”.

ما المعجزة؟

من الجدير بالتنبيه أن كلمة “معجزة” لم ترد في قرآن ولا سنة، إنما استخدم القرآن لفظ “آية” أو “آيات” للدلالة على “المعجزة” أو “المعجزات”، قال تعالى: “ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات”(الإسراء، 101). وقد خاطب الله تعالى موسى عليه السلام عندما كلمه وأعطاه معجزتي العصا واليد وسماهما آيتين فقال تعالى: “وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى”(طه، 17 ـ 24).

وكانت معجزتا موسى عليه السلام اللتان جاء بهما إلى فرعون هما: العصا وخروج يده بيضاء، وعند تعريف المعجزة حسب ما ورد في كتب الإعجاز، نجد أن العلماء عرفوها فقالوا: “المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة من المرسل إليهم”.

والآن نأتي إلى معجزة الرسول ﷺ، فنقرر أنها القرآن الكريم، لذلك تحداهم أربع مرات، أن يأتوا بمثل القرآن أولاً، ثم بعشر سور مفتريات ثانياً، ثم بسورة واحدة ثالثاً، فما هي آيات التحدي؟

الآيات هي:

قال تعالى: “فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين”(الطور، 34). وقال تعالى: “وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين(البقرة، 23). وقال تعالى: “أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين”(يونس، 38). وقال تعالى: “أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين”(هود، 13).

ملاحظات على آيات التحدي:

الأولى: لقد تحدى القرآن الكريم المشركين أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن أو عشر سور، لكنه ربط الإتيان بالسورة أو بالسور العشر في الآيات الثلاث التي ورد فيها التحدي بدعوة الآخرين من دون الله، وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا طلب القرآن دعوة الآخرين من دون الله إن كانوا صادقين؟

أعتقد أن المقصود من ذلك إثبات المصداقية من عدمها، فإن استطاعت السورة الواحدة أو العشر سور المفتريات أن يؤثر مضمونها في الفرد مثل تأثير مضمون سور القرآن الكريم التي بنت “إنساناً معجزاً” بقلبه وعقله وجسمه، وبنت “أمة معجزة” توحدت فيها الأجناس بشكل غير معهود، وبنت “دولة معجزة” أقامت العدل والمساواة والشورى بشكل غير مسبوق إلخ……

لذلك نستطيع أن نؤكد أن المعنى المقصود من إبراز عبارة “وادعوا شهداءكم إن كنتم صادقين” أو “وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين” مرتين هو تحديهم أن يأتوا بمضمون يوازي مضمون القرآن ويبني على الأرض إنساناً ومجتمعاً ودولة كالتي بناها الرسول ﷺ.

الثانية: من الواضح أن التحدي الذي جاء به القرآن الكريم هو التحدي بالسورة وليس بالآية، كما هو واضح في الآيات الثلاث، والسؤال الآن: لماذا كان التحدي بالسورة وليس بالآية؟ لأن السورة ذات مضمون، تقوم على حقائق ومبادئ وقيم وأفكار، وهذا المضمون هو الذي يبني الفرد والأمة والدولة، أما الآية فيبقى معناها محدوداً، ولا يمكن أن تبني إنساناً أو أمة أو دولة أو جانباً من إنسان أو أمة أو دولة، لذلك نرجح أن التحدي الأول للعرب المشركين وللأمم الأخرى أن يأتوا بمضمون مثل هذا المضمون القرآني، ثم أن ينجحوا في تجسيد هذا المضمون بإنسان وأمة ودولة توازي ما بناه الرسول ﷺ.

الثالثة: قدم القرآن الكريم لآية التحدي التي وردت في سورة يونس بأن أخبر بأن أحداً لا يستطيع أن يفتري هذا القرآن من دون الله والحقيقة أن هذا القرآن مصدق لما قبله، ومفصل له، ولا شك أنه من تنزيل رب العالمين، وهذه الأمور ترجح الحديث عن جانب المضمون وليس البلاغة، فالتوراة والإنجيل كتب ذات مضمون ولم تكن كتباً ذات بلاغة بحال من الأحوال، فقال تعالى: “وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين”(يونس، 37).

ثم انتقل إلى آية التحدي وأتبعها بأن قال: “وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين”، وبيّنا كيف أن هذه العبارة جاءت لترجيح المضمون على البلاغة في الإعجاز.

ثم قال تعالى: “بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله”(يونس، 39)، وذلك يعني بأنهم كذبوا بما لم يستطيعوا الإحاطة بعلمه، أي لم يستطيعوا الإحاطة بالمعلومات والحقائق والمبادئ والأفكار والمفاهيم والمعارف والقيم والقصص التي وردت في القرآن الكريم، وهذا تعجل وخطأ منهم في التكذيب.

ثم قال تعالى: “ولما يأتهم تأويله”، التأويل تعني: ما سيؤول إليه الأمر، وهنا تعني أنهم لم ينتظروا حتى يروا تحقق كلام القرآن في واقع الحياة كإنسان مسلم ذي شخصية متميزة آمنة مطمئنة فعالة مؤثرة إيجابية بناءة بشكل معجز، وكأمة أقامت دين التوحيد، وانصهرت فيها القبائل والأعراق والأجناس في وحدة رائعة بشكل معجز، وكدولة أقامت العدل وانتصرت للضعفاء بشكل معجز، ولم ينتظروا حتى يروا تلك النتائج فكان خطأ آخر وقعوا فيه بالإضافة إلى التكذيب السابق.

ثم تأتي آية أخرى توضح جانب العمل في التحدي، فقد قال تعالى: “وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون”(يونس، 41)، وإن كذبوك واستمروا في دعواهم أن القرآن مفترى من عندك، فقل لهم إن العمل هو فيصل آخر في التدليل على المصداقية، لذلك قل لهم “لي عملي ولكم عملكم، أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون” إن عملي سيأتي مصدقاً بأن هذا القرآن الكريم من عند الله، لأن هذا القرآن سينتج عملاً متميزاً في كل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية والثقافية إلخ….، وسيبني أهم ما تحتاجه البشرية من إنسان فعّال، وأمة خيّرة، ودولة عادلة.

من الواضح أن آية التحدي في سورة يونس، بما جاء قبلها وبعدها رجحت وأكدت أن مضمون القرآن الكريم هو مجال التحدي بشكل أولي.

الرابعة: نقلت كتب السيرة أقوال بعض العرب المعاصرين للرسول ﷺ في شأن إعجاز القرآن الكريم، ونحن سننقل بعضها.

أ ـ قول عتبة بن ربيعة: فقد روى ابن كثير في تفسيره ناقلاً عن بعض كتب الحديث تدارس قريش بشأن محمد ﷺ ودعوته، واتفاقها على أن ترسل أحكمها وأعلمها، فقرّ قرارها على عتبة بن ربيعة الذي كلم الرسول ﷺ فيما أحدثته دعوته في تفريق شأن قريش، وأغراه بالسلطان، والمال، والنساء، ثم سأله الرسول ﷺ: (فرغت)؟ قال: نعم، فبدأ الرسول ﷺ يتلو آيات من سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى: “فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود”(فصلت، 13)، فصاح عتبة كما تذكر إحدى الروايات وقال له: حسبك، حسبك، ما عندك غير هذا، وأمسك عتبة بفيه ـ تذكر رواية أخرى ـ وناشده الرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم.

وعند استعراض آيات القرآن الكريم التي تلاها الرسول ﷺ على عتبة من بداية السورة إلى قوله تعالى: “فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود”(فصلت، 13)، تدل على أن عتبة تفاعل مع المضمون وليس مع بلاغة القرآن الكريم، لذلك خاف على قومه العذاب، وأمسك بفم الرسول ﷺ، وناشده الله والرحم ألا يوقع عليهم عذاباً، مع أن المضمون يتضمن أموراً غيبية متعددة تتعلق بالآخرة وبخلق السماوات والأرض وببعض صفات الله تعالى.

ب ـ قول الوليد بن المغيرة: جرى حوار بين الوليد بن المغيرة وأبي جهل حول القرآن الكريم الذي سمعه من الرسول ﷺ، فقال الوليد بن المغيرة: “فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته”.

إذا تركنا الجزء الأول من كلام الوليد بن المغيرة وهو دعواه اطلاعه على شعر العرب، فإننا نجد أن كلامه في وصف القرآن الكريم يتجه إلى وصف المضمون وليس إلى وصف البلاغة في معظمه، فالكلمات: حلاوة، طلاوة، مثمر، مغدق، يعلو، يحطم تشير إلى مضمون وليس إلى بلاغة وبيان.

علام يقوم “المضمون القرآني المعجز”؟

يقوم المضمون القرآني “المعجز” على حقيقتين:

1ـ صوابية هذا المضمون وأنه حق كامل وعلم شامل، بكل تنوعاته من مبادئ وأفكار وعلوم وأخلاق وآداب ونصائح وتوجيهات ومفاهيم وتشريعات، وأخبار عن الله وصفاته والآخرة، وعن خلق الإنسان والكون والروح، وقصص الأنبياء وإهلاك أقوامهم إلخ….

2ـ كمية المضمون ونوعيتها التي قدمها القرآن الكريم في كل موضوع من الموضوعات، فقد جاءت بقدر معيّن وحقائق معينة لتكون مناسبة لبناء “الإنسان المعجز” حسب حاجاته العقلية والنفسية والجسمية، و”الأمة المعجزة” بكل ما تحتاج من ثقافة وأخلاق وآداب وقيم إلخ..، و”الدولة المعجزة” بكل ما تحتاجه من تشريعات وأحكام إلخ..، لذلك لم تأتِ تلك المعلومات والأخبار والقصص والعلوم والحقائق والمفاهيم والأفكار التي وردت في القرآن الكريم لتجعل منه كتاب علوم أو جغرافيا أو تاريخ أو طب إلخ..، إنما جاءت تلك المعلومات والعلوم والحقائق والمفاهيم والأفكار بذلك القدر من أجل بناء إنسان ومجتمع ودولة.

ثم إني أعتقد أن هذا المضمون المعجز الذي هو كلام الله، ورسالة الله الأخيرة إلى البشر والتي دعا إليها الرسول محمد ﷺ، لا يليق به أن يكون كلاماً عادياً كسرد الآخرين في شعرهم ونثرهم، بل الذي يليق بهذه الرسالة الأخيرة أن يكون هذا المضمون المعجز بأسلوب معجز في بلاغته وبيانه ولغته.

ومما يليق بكلام الله ذي المعاني الصحيحة والجليلة والحقة أن يكون موضوعاً في مباني توازي جلال المعاني وعظمتها وأهميتها، لذلك كان القرآن الكريم ذا نظم معجز في ألفاظه وفواصله وأمثاله وقصصه، وقد وصفه الله تعالى بأنه مفصل، ومبين، وميسر للذكر إلخ..، فقال تعالى:

“ألر، تلك آيات الكتاب المبين”(يوسف، 1)، وقال تعالى: “وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً” (الأنعام، 114)، وقال تعالى: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر”(القمر، 17) إلخ…، وقد اتصف القرآن الكريم بالإعجاز البلاغي البياني اللغوي من أجل أن يستطيع أن يتعامل المسلمون مع المضمون بصورة دقيقة وسليمة وواضحة، من أجل أن تساهم تلك الدقة والوضوح والإعجاز في الألفاظ والأسلوب في بناء دقيق للفرد والمجتمع والدولة.

ولكن العرب القدماء اعتبروا أن الإعجاز البلاغي هو الإعجاز الأول، وأنا أعتقد أنه جانبهم الصواب في هذا الموضوع، فهو ليس الأول ولكنه تال للإعجاز في المضمون وفي تحقيق هذا المضمون في واقع الأرض في ثلاثة أشياء معجزة هي أيضاً: الصحابي المعجز، الأمة المسلمة المعجزة، الدولة المسلمة المعجزة.

بناء المعجزات الثلاثة: الإنسان، الأمة، الدولة

وضحنا سابقاً أن التحدي بالسورة كان المقصود منه التحدي بالمضمون أولاً وهو الجانب الرئيسي من إعجاز القرآن الكريم، وقد بيّنا أن إعجاز المضمون تجلّى في إعجاز آخر هو بناء “إنسان معجز”، و”أمة معجزة”، و”دولة معجزة”، فكيف بنى القرآن الكريم ذلك؟

أولاً: بناء “الإنسان المعجز” = “الصحابي”

ليس من شك بأن بناء إنسان متوازن فعال إيجابي من أصعب الأمور وأدقّها وأعقدها، لأن ذلك يتطلب معرفة كوامن النفس الإنسانية والعوامل التي تقوم عليها، ويتطلب القدرة على تفعيل نوازع الخير وضبط نوازع الشر عنده، كما يتطلب معرفة العقل البشري عند الإنسان، وعلاقته بالقلب، وكيفية توجيهه ليكون مبدعاً مبتكراً، كما يتطلب معرفة أهم العناصر لحفظ الجسد من الضياع.

ليس من شك بأن القرآن الكريم الذي أنزله الله الخبير العليم الحكيم قد احتوى على كل تلك المعارف والحقائق التي قام عليها القلب والعقل والجسد، واحتوى على أسرار وخفايا خلق الإنسان من كل جوانبه، وقدّم المبادئ والتوجيهات والأفكار التي تبني العقل والقلب والجسد خير بناء، فما هي معالم هذا البناء؟

أ ـ بناء “العقل المعجز”:

ربما امتاز الإسلام عن غيره من الأديان والمبادئ والمناهج البشرية، أنه بنى العقل، ولم يتركه لمناهج أخرى تفعل هذا، وهذه إحدى نقاط التميز والعظمة والربانية في هذا الدين الإسلامي، وكان القرآن هو الأداة الأساسية لهذا البناء، فكيف تحقق ذلك؟

لقد ذكر “لالاند” الفيلسوف الفرنسي أن العقل البشري في أي مرحلة يتكون من أمرين: “العقل المكوِّن” و”العقل المكوَّن”.

وعرّف لالاند “العقل المكوِّن” أو “الفاعل” بأنه “النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة ليصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ” وبعبارة أخرى إنه “الملكة التي يستطيع بها أن يستخرج من إدراكه العلاقات بين الأشياء مبادئ كلية ضرورية هي واحدة عند جميع الناس”.

كما اعتبر لالاند أن “العقل المكوَّن” هو “مجموع المبادئ والقواعد التي نستخدمها في استدلالاتنا”. ويقول لالاند أيضاً: “إن العقل المكوَّن والمتغير ولو في حدود، هو العقل كما يوجد في حقبة زمنية معينة، فإذا تحدثنا عنه بالمفرد، فإنه يجب أن نفهم منه العقل كما هو في حضارتنا وزماننا”، وبعبارة أخرى: “هو منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما، والتي تعطى لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة”.

ليس من شك بأن القرآن الكريم قام بدور “العقل المكوَّن” لعقول الصحابة، وأصبح مرجعية لها، فهو قد أعطى لعقول الصحابة نظرة جديدة إلى كل شيء، فقد أعطاهم نظرة جديدة إلى نشأة الكون والحياة والإنسان، كما أعطى الوجود الإنساني هدفا محددا وهو العبودية لله، كما بنى عقل الصحابي بناءً خاصاً يقوم على معرفة ربه سبحانه وتعالى، وأن هذا الرب -جلّ جلاله- مباين للكون، منفصل عنه، لا يشابه أحدا من مخلوقاته، يمكن أن تدعوه فيسمعك، وهو يراك ويعلم بحالك ويستجيب دعاءك.

كما بين القرآن الكريم خطأ كثير من العقائد الجاهلية مثل عبادتهم الأصنام، وتسمية الملائكة بنات الله، وأخذ عليهم اتباع الظن والأهواء في كل ما يبنون عليه عقائدهم.

كما دعاهم القرآن الكريم إلى إعمال الفكر والنظر والتأمل في آيات الكون المحيطة بهم من ليل ونهار وشمس وقمر ونهر وبحر، وكيف أنها مسخرة لهم، وهي من نعم الله عليهم، ونعم الله لا يحصيها عد.

كما رافق القرآن الكريم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في كل أعمالهم من هجرة، وغزوات من بدر إلى أحد والأحزاب والعسرة والفتح إلخ..، وبيّن أخطاءهم وقصورهم وسقطاتهم أحياناً، وأشار إلى إحسانهم وإيجابياتهم أحياناً أخرى.

أعتقد أن هذه الحقائق التي طرحها القرآن الكريم، والتي وعاها المسلمون هي التي ملأت عقولهم، جاءت في مقام “العقل المكوَّن”، وتجعلنا نقول إنها مثلت نظاما معرفيا جديدا يمكن أن نسميه “نظام القرآن المعرفي” وهو يختلف عن أي نظام معرفي عرفته البشرية.

وقد أنتج هذا “النظام القرآني المعرفي” عقلاً فريداً معجزاً، وعندما نقول إنه كان “عقلاً معجزاً” لا ننطلق من دعوى واهمة، بل سنرى تأكيد ذلك في أرض الواقع عندما نتحدث عن آثار ذلك “العقل المعجز” في فقرة تالية من هذا البحث.

ب‌ ـ بناء “القلب المعجز”:

تنزلت آيات القرآن الكريم في مكة المكرمة، فعرفت المسلم بالله وصفاته وأسمائه، قال تعالى: “قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد”(سورة الصمد).

ثم وجهت هذا الفرد المسلم بأن يعظم ربه تعالى، ويخضع له، فقال تعالى: “يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر”(سورة المدثر، 1 ـ 5). ثم طلبت منه أن يخضع له فقال تعالى: “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ”(الرعد، 15).

ثم طلبت منه أن يحبه تعالى أكثر من كل محبوبات الدنيا فقال تعالى: “قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة، 24).

وطلبت منه أن يخافه تعالى فقال تعالى: “ولمن خاف مقام ربه جنتان”(الرحمن، 46)، وقال تعالى: “وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”(النحل، 51). وطلبت أن نرجوه سبحانه وندعوه ونطلب لقاءه فقال تعالى: “فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا”(الكهف، 110).

وقد نزلت آيات تتحدث عن النار وجحيمها، والجنة ونعيمها، وطلبت من الفرد المسلم أن يكون الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان عنده، وطلبت أن يوجه قلبه نحو رجاء الجنة والخوف من النار.

ثم شرع الإسلام العبادات كالصلاة والصيام والحج والزكاة التي يؤدي فيها المسلم أعمالاً قلبية وجسمية ومالية، يتقرب بآدائها إلى ربه سبحانه وتعالى، فيزداد قلبه تعظيماً لربه، ويخضع له تعالى، ويحل حلاله نعالى ويحرم حرامه، ويحبه أكثر من كل محبوبات الدنيا، فينتج بناء هذا القلب نفساً عظيمة تفرز سلوكاً متميزاً وإيجابياً وفاعلاً في كل المجالات من مثل: الكرم والشجاعة والتضحية والإيثار، والسماحة والتواضع وخفض الجناح وحسن الخلق والعفة والمروءة واحترام الآخرين وتقديرهم، والمحافظة على أعراضهم ودمائهم وأموالهم إلخ…

وهناك تفصيلات أخرى كثيرة عن دور أركان الإيمان، وآيات القرآن الكريم في بناء القلب، لا مجال للحديث عنها وعن آثارها الآن، إنما لها مجال آخر إن شاء الله.

ج ـ بناء “الجسد المعجز”

لقد قامت معظم الديانات السابقة على الإسلام على اعتبار الجسد سجناً للروح، واعتبرت أن الشهوات والدنيا ملهاة ودنس تبعد الإنسان عن الآخرة، لذلك لابد من كبت الشهوات وتعذيب الجسد والانصراف عن الدنيا وأموالها ومتاعها، والانقطاع إلى الآخرة عن طريق الرهبنة في الأديرة وغيرها، على اختلاف بين ديانة وأخرى في تحديد وسائل تعذيب الجسد والانقطاع عن الشهوات، وصورة الخلاص النهائي.

لقد جاء الإسلام على عكس ذلك، فأقام كيانه على اعتبار الجسد قيمة يجب أن يحافظ عليها، ويعتني بها، وهو مسؤول عنها أمام الله، لذلك اعتبر قضاء الشهوة عبادة، وهي قمة الشهوات في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: “وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ”(صحيح مسلم).

هناك إشارة إلى أهمية الجسد في الدين الإسلامي، وهو وجود الماء من أجل تأدية العبادات، فالمعلوم أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، والوضوء شرط أساسي من شروط إقامة الصلاة، والوضوء مرتبط بالماء، والماء نظافة وطهارة للجسد، وهذه إشارة عظيمة من الإسلام إلى أهمية الجسد.

وهناك إشارة أخرى إلى أهمية الجسد، وهي رفض الإسلام أية عبادة تؤذي الجسد، وهناك حديث أبو إسرائيل، فقد نقلت الأحاديث أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فرأى رجلاً واقفاً في الشمس، فقال: من هذا؟ قيل له: أبو إسرائيل، قال: ماذا يفعل؟ قالوا: نذر أن يصوم، ولا يستظل، ويبقى قائماً، فقال الرسول ﷺ: مروه فليتم صومه، وليستظل وليجلس(رواه أحمد).

من الواضح أن الرسول ﷺ رفض الأعمال التي تعذب الجسد، وأبقى الصيام الذي شرعه الإسلام للتقرب إلى الله.

وكذلك “دخل الرسول ﷺ مرة المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ: لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد” (صحيح البخاري).

ليست العبادة ـ كما هو واضح ـ في نظر الإسلام إتعاباً أو إرهاقاً، بل هي مرتبطة بنشاط المسلم ويقظته وقوته، فإذا تعب فعليه أن يجلس ولا يكابر تعبه.

وبناءً على هذه النظرة حرم الإسلام عدة أمور: الرهبنة، والانتحار، وإيذاء الجسد، فقال الرسول ﷺ: “فإن لجسدك عليك حقًا”(رواه البخاري).

ثم جاءت عدة آيات في القرآن الكريم توجه إلى بعض التصرفات التي هي أصل في صحة الجسم مثل قوله تعالى: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”) الأعراف، 31)، وقوله تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الأنبياء، 30).

من الواضح أن الإسلام اعتبر الجسد “قيمة” أساسية في الحياة والكون والمجتمع، لذلك اهتم به ودعا إلى رعايته والاعتناء به، وسنّ من التشريعات والأوامر والنواهي ما يكفي ليجعله أداة صالحة لحمل رسالة الإسلام وإعمار الكون.

آثار بناء “الإنسان المعجز” = “الصحابي” في واقع الحياة

لقد أنتج البناء السابق الذي عرضنا جوانبه في مجال القلب والعقل والجسم “إنساناً معجزاً”، وهو الذي تجسد في شخصية “الصحابي” أولاً، ثم في شخصية “التابعي” ثانياً، ثم في شخصية “تابع التابعي” ثالثاً إلخ…، وسنعرض لآثار ذلك البناء المعجز في المجال العقلي والقلبي والجسمي بشكل مختصر:

1 ـ آثار “الإعجاز العقلي” عند الصحابي:

ليس من شك بأن أبرز ما يدل على “الإعجاز العقلي” هو الإبداع في مجال العلوم، وقد تجلى ذلك في عدة أمور:

  • العلوم المبتكرة في المجال الديني.
  • العلوم المبتكرة في المجال الدنيوي.
  • اعتماد التجريب كأصل في بناء العلوم.
  • التفاعل مع الحضارات الأخرى وأخذ المفيد منها وما يتفق مع أصول ديننا.

أ ـ العلوم المبتكرة في المجال الديني:

1 ـ القرآن الكريم: ابتدأ الاهتمام بالقرآن الكريم منذ وقت حروب الردة، وحدثت واقعة مقتل القراء الحافظين للقرآن الكريم، وخاف أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ضياع القرآن، فجمعوا القرآن بين دفتي مصحف واحد، وانتقوا أرقى المعايير العلمية والموضوعية التي يمكن أن يصل إليها البشر في هذا الجمع، فاشترطوا وجود مسلمين عدلين لقبول أية آية، ثم وضعوا النسخة المجموعة وهي “المصحف الأم” عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

ثم نشأت عشرات العلوم المرتبطة بالقرآن الكريم من أجل حفظه من التحريف واللحن، فجاءت علوم التنقيط، ثم التشكيل، ثم علوم المكي والمدني، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، ثم علوم التجويد، ثم علم القراءات، ثم جاء تفسير القرآن الكريم والمدارس المرتبطة به، ثم جاء إعجاز القرآن الكريم والنظريات حوله إلخ…

2 ـ الحديث الشريف: حرص المسلمون على تدوين الحديث الشريف، وأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، واتبعوا في ذلك أرقى المعايير العلمية، وأدقها في الوصول إلى صحيح أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته.

وابتكروا من أجل ذلك علوم الإسناد، وتكونت علوم الجرح والتعديل، وعلوم الرواية والدراية، وعلوم السند والمتن، وكتبت بعد ذلك الصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم، فكان هناك صحيح البخاري ومسلم وموطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل وسنن أبي داوود والنسائي إلخ…، ووضعت أدق المعايير من أجل تمييز الصحيح من الضعيف من الموضوع، فكان الحديث الصحيح والحسن والمعلّل والمنقطع والمتصل إلخ…، وحديث الآحاد، والحديث المتواتر، وغيرها من المصطلحات التي تخدم هذا العلم.

3 ـ اللغة العربية: حرص المسلمون على حفظ اللسان العربي من اللحن والخطأ، فكانت علوم النحو والصرف والإعراب، وجمع ألفاظ اللغة في المعاجم، ثم جاء ابتكار علوم البلاغة والبيان والبديع من أجل وضع أصول تذوق النص الأدبي، ثم جاءت نظريات الإعجاز.

4 ـ الفقه وأصوله: تكون الفقه ومدارسه من خلال إجابات العلماء على أسئلة الناس وفتاويهم، فنشأت المذاهب الفقهية، ورسخت منها أربعة هي: مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وغيرها كثير لكن هذه المذاهب هي التي رسخت وكتب لها القبول والانتشار في الأمة.

وكانت هذه المذاهب تمثل جهداً عقلياً عظيماً في تقديم حلول وفتاوى لمشاكل الناس ليبقوا في دائرة الإسلام، وفي دائرة طاعة الله والاقتداء بالرسول ﷺ.

ثم جاء علم أصول الفقه الذي ابتكره الشافعي وتطور بعد ذلك إلى علم المقاصد، ثم تطور ودرس تصرفات الرسول ﷺ وقسمها إلى عدة أقسام، على يد الإمام القرافي، فقسمها إلى تصرفات بالبلاغ، وبالقضاء، وبالفتوى، وبالإمامة.

وقد استفاد علماء الفقه من علم أصول الفقه وتطوراته في تقعيد الأحكام واستنباطها. ليس من شك بأن ابتكار هذه العلوم يدل على أقصى درجات الرقي العقلي، وقمة الوعي والفهم.

ب ـ العلوم المبتكرة في المجال الدنيوي:

ولم يقف ابتكار العلوم عند المجال الديني فقط وإنما تعداه إلى المجال الدنيوي، فقد ابتكر المسلمون علوماً في مختلف المجالات مثل: الطب والصيدلة والهندسة والزراعة والجبر والرياضيات والكيمياء إلخ…، وعدلوا كثيراً من العلوم وبخاصة في مجال الفلك وغيره، وقد سردت كثير من الموسوعات الإسلامية والغربية دور المسلمين في ابتكار العلوم الدنيوية، وقد تحدثت عن ذلك في بعض كتبي الأخرى، وسأفصل ذلك في دراسة قادمة إن شاء الله.

ج ـ اعتماد التجربة كأصل في بناء العلوم:

لقد اعتمد المسلمون التجربة كأصل في حياتهم العلمية، وأدركوا أهمية التجربة وقيمتها العلمية نتيجة وعي قيمة الأسباب في حركة الكون وانتظام هذه الحركة، وهذا الوعي هو الذي يبني الحضارات، وقد نقلت أوروبا اعتماد التجربة في العلوم من الأندلس عن طريق فرانسيس بيكون (1561-1626)، وهذا النقل هو الأساس الذي بنت عليه الحضارة الغربية كيانها، ولولا هذا النقل لمبدأ التجريب لما قامت الحضارة الغربية المعاصرة.

د ـ التفاعل مع الحضارات الآخرى وأخذ المفيد منها وما يتفق مع أصول ديننا:

لقد احتك المسلمون عندما خرجوا من الجزيرة العربية بحضارات متعددة ذات إنجازات كبيرة في مجالات متعددة: علمية، وفلسفية، وأدبية، وطبية، واجتماعية، واقتصادية، وعمرانية إلخ….، فلم تبتلعهم هذه الحضارات ولم يقفوا منها موقفاً سلبياً بشكل كلي، بل تفاعلوا معها وأخذوا  منها ما يفيدهم وما يتفق مع مبادئ دينهم، وطوروا بعضها الآخر، وقد فعلوا ذلك مع كل الحضارات التي سبقتهم كالحضارة اليونانية والرومانية والهندية والفارسية، ولا مجال لتفصيل صورة التفاعل والاستفادة، بل سيكون ذلك في مقام آخر.

2 ـ آثار “الإعجاز القلبي” في الصحابة ومن بعدهم:

بنى القرآن الكريم الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فكانوا ذوي نفسيات معجزة، ويدل على ذلك التضحية بالمال والنفس، وهذه التضحية هي عماد بناء الحضارات كما يقول توينبي، ويؤكد أن بخل الطبقة الغنية واستئثارها بالأموال هو الذي يهدم الحضارات، وجاء هذا مصدقاً لقول الله تعالى:”وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم”(سورة محمد،الآية 38).

وجاءت الأوقاف في التاريخ لتمثل مظهراً كبيراً من العطاء والكرم، فقد ذكر المؤرخون أن ثلث ثروة العالم الإسلامي كانت أوقافاً من مختلف الأصناف من زروع ومصانع وأبنية وأموال وحيوانات إلخ….، ومما يؤكد ذلك أن ثلث مدينة الجزائر كانت أوقافاً عندما احتلتها فرنسا عام 1830.

3 ـ آثار “الإعجاز الجسدي” في الصحابة ومن بعدهم:

يرمل المسلم في بعض أشواط الطواف عند أدائه مناسك الحج والعمرة، والأصل في هذا الحكم هو نفي ضعف أجسام الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، لأنه شاع في أوساط أهل مكة أن المهاجرين قد أهلكتهم الحمى، فأراد الرسول ﷺ أن يثبت لهم صحة أجسام المهاجرين بهذا الرمل في أشواط الطواف، لأن مشركي مكة كانوا يراقبون المسلمين أثناء طوافهم.

كما أن العمران الواسع الذي اتسمت به الحضارة الإسلامية في كل مجالات الزراعة والصناعة والطب والصيدلة، تدل على الاهتمام بطعام الجسد وصحته، كما أن مؤسسة الحسبة قامت لتراقب الأسواق والطرقات وتحقق النظافة فيها.

ثانياً: “الأمة المعجزة” = “الأمة المسلمة”

تجسدت آيات القرآن الكريم في معجزة الرسول ﷺ الثانية وهي “بناء الأمة”، وقد صنع هذا الكتاب الذي هو القرآن الكريم “أمة” تجسدت على الأرض في المدينة المنورة، ثم قادت البشرية واستمرت موجودة فاعلة مؤثرة لمدة 1400 عام.

وقد جاءت هذه الأمة تلبية لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يجعل من عقبيهما أمة مسلمة، قال تعالى: “رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”(البقرة، 128).

وقد قامت هذه “الأمة المعجزة” في البداية في المدينة المنورة وفي الجزيرة العربية، ثم استمرت هذه الأمة موجودة فاعلة حتى الآن، رغم سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وهي الأمة التي نعيش في أكنافها الآن، ونتفيأ ظلالها، ونتحرك من خلال جماهيرها، دعاة وعلماء ومشايخ وجماعات وأحزاباً.

فما صفات هذه “الأمة المعجزة” التي بناها الرسول ﷺ من خلال آيات القرآن الكريم؟

الأولى: إنها أمة واحدة: لقد اتصفت الأمة المسلمة التي أنشأها الرسول ﷺ بأنها أمة واحدة، وقد استمرت وحدتها قائمة خلال أربعة عشر قرناً، وقد جاءت هذه الوحدة من أن ثقافتها التي قامت عليها واحدة، وقد جاءت هذه الثقافة من ثلاثة مصادر، هي: القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية، وقد كان العلماء باستمرار يجسدون قيادتها العلمية على مدار التاريخ بما يفتون به، وبما يفسرون لجماهير الأمة أمور دينها.

وتأتي وحدتها بمعنى آخر من أنها واحدة مع أمم الأنبياء السابقين، وهي امتداد وإكمال لأمم الأنبياء السابقين، فبعد أن تحدث القرآن الكريم في سورتي الأنبياء والمؤمنون عن الأنبياء السابقين جميعهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وإسماعيل إلخ ….عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”(الأنبياء، 92).

وقال تعالى: “وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ”(المؤمنون، 52)

الثانية: إنها أمة عالمية: بمعنى أنها جسدت وحدة الأجناس والأعراق والقبائل لأول مرة في التاريخ تحقيقاً لقول الله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”(الحجرات، 13).

نزل القرآن عربياً كما ذكر القرآن، وكان الرسول ﷺ عربياً، وكان العرب هم مادة الإسلام الأولى، لكن الرسول ﷺ جاء لكل العالمين، فقال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”(الأنبياء، 107)، وقال تعالى: ” قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”(الأعراف، 158).

وقال عن القرآن الكريم: “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ”(التكوير، 27).

وقد دخلت جميع الأجناس في دين الله أفواجاً بعد ذلك، وأصبحت الأمة الإسلامية تحتوي جميع الأجناس: من فرس وترك وهنود وشركس وبلغار إلخ….، وقد ساهمت جميع هذه الأجناس في بناء الحضارة الإسلامية، وخدمة الأمة، وإعلاء شأن الدين.

لذلك نجد أن جميع الأجناس احتلت مناصب في القيادة السياسية والعسكرية والإدارية إلخ…، ونجد علماء ساهموا من مختلف الأجناس في مختلف العلوم الشرعية والدنيوية إلخ…، واستطاع الإسلام أن ينشئ لأول مرة في التاريخ أمة واحدة من أجناس مختلفة، وهو ما كان يحلم به أرسطو والاسكندر المقدوني، وعجزا عن تحقيقه.

الثالثة: أمة إعمار الأرض: لقد اتصفت الأمة الإسلامية بأنها أمة إعمار للأرض، وقد وجه القرآن الكريم الأمة الإسلامية إلى هذا المعنى فقال تعالى: “وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ”(هود، 61).

وقد تحقق هذا المعنى في التاريخ الإسلامي كأحسن ما يكون، لذلك ازدهرت الزراعة والصناعة والعمران، ومما يبرز ذلك ازدهار العلوم المتعلقة بتلك الأمور بشكل واضح، والقيام بالاختراعات في مختلف المجالات الحياتية.

ثالثاً: “الدولة المعجزة” = “الخلافة”

لقد أقام الرسول ﷺ دولة إسلامية بكل معنى الكلمة، وقادها بنفسه ﷺ، وقد اتصفت هذه الدولة بعدة صفات، هي:

الأولى: دولة ذات دستور: لقد كانت الدولة الإسلامية أول دولة في التاريخ أقامت دستوراً، يوضح حقوق رئيس الدولة وواجباته نحو رعيته، ويوضح حقوق الرعية وواجباتها نحو رئيسها، وكان هذا الدستور هو القرآن الكريم المنزل من الله، وفي هذا الدستور شرح لكل الأحكام التي تتطلبها الدولة في مجالات الاقتصاد والأسرة والحرب والسلم والاجتماع والتربية والقضاء إلخ…..

الثانية: الحاكم غير مقدس وسلطته غير مقدسة: بمعنى أن الحاكم بشر، وسلطته بشرية، وبالتالي نستطيع أن نراجعه، ونناقشه في قراراته، ويمكن أن نعترض عليها، كما أننا نطيعه بمقدار طاعته لله تعالى، وقد تجلّى هذا في أقوال أبي بكر الصديق عندما تولى الخلافة وقال في خطابه الأول: “لقد وليت عليكم زلست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني”، وهذا الأمر حدث لأول مرة في التاريخ، حيث اعتبر الحاكم نفسه بشراً، ولم يعتبر أن له سلطة إلهية، واعتبره كذلك الصحابة بشراً ولم يعتبروا سلطته إلهية مقدسة لذلك كانوا يعترضون عليه وعلى عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

الثالثة: دولة شورى: لقد أقام الرسول ﷺ دولته على الشورى، وكان يشاور الصحابة في كل أمر، واتضح ذلك في غزوة أحد عندما نزل على رأي الأغلبية في الخروج إلى مقاتلة المشركين، مع أن المسلمين خسروا المعركة، وكان أحد أسباب خسارتهم عدم أخذهم برأي الرسول ﷺ، وقد نزل القرآن آمراً الرسول ﷺ أن يشاورهم مع أنهم تسببوا في خسارة المعركة فقال تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”(آل عمران، 159) ووصفتهم آيات أخرى بعدة صفات، ومنها الشورى، فقال تعالى: “وأمرهم شورى بينهم”(الشورى، 38).

وقد أصبح أبو بكر الصديق رضي الله عنه رئيساً لدولة المسلمين عن طريق الشورى لأول مرة في التاريخ، كما جاء انتخاب عثمان بن عفان رضي الله عنه نتيجة شورى شاركت فيها جماهير المدينة المنورة حتى نساؤها.

وقد قامت في كثير من المراحل المجالس الشورية للأمور المالية والعسكرية والقضائية والإدارية في كثير من الدول الإسلامية وعلى رأسها دول المماليك، وسأوضح ذلك في كتابي القادم عن موضوع الإعجاز إن شاء الله.

الرابعة: دولة العدل والمساواة: قامت الدولة المسلمة على العدل والمساواة، فلا تفرقة بين الأجناس والأعراق والقبائل، فقال رسول الله ﷺ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”(مسند الإمام أحمد).

وقال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات، 13).

الخلاصة

إن القرآن الكريم الذي هو كلام الله الأخير إلى البشرية، والذي أنزله تعالى على الرسول محمد ﷺ الذي هو آخر رسول إلى البشرية، معجز في مضمونه أولاً فقد بنى الرسول محمد ﷺ بهذا “المضمون المعجز” ثلاثة أمور معجزة هي “الصحابي” و”الأمة المسلمة” و”الدولة المسلمة”، وهي نماذج للبشرية إلى قيام الساعة، والمضمون “معجز” من ناحيتين: الأولى: بأن كل ما احتواه القرآن من حقائق عن الله –سبحانه وتعالى- واليوم الآخر والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخلق الكون والإنسان، وما احتواه من مبادئ وقيم ومفاهيم وأفكار وتشريعات إلخ … حق وصواب من ناحية، وأن هذه الحقائق جاءت بقدر مناسب لبناء “فرد معجز” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة” من جهة ثانية، وليس المقصود منه أن يكون القرآن الكريم كتاباً في التاريخ أو الفلك أو الطب إلخ…..

ثم إن هذا “المضمون المعجز” الذي بنى “فرداً معجزاً” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة” لا يليق به أن يكون سرداً ككلام الآخرين، بل جاء معجزاً في مبناه ونَظْمِه وبلاغته ولغته وأسلوبه وأمثاله.

وهذا “المضمون المعجز” مع “سنة الرسول” ﷺ ما زالا غضين طريين قادرين على بناء “إنسان معجز” و”أمة معجزة” و”دولة معجزة” في كل عصر إلى قيام الساعة، لأنهما محفوظان كما نزلا، وما زلنا قادرين على تكرار إيجاد تلك النماذج، وهذا هو المعنى الحقيقي لكون الرسول محمد ﷺ آخر الأنبياء، وكون رسالته هي الأخيرة للبشرية إلى قيام الساعة.

ظهرت المقالة ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d9%85%d8%b9%d8%ac%d8%b1%d8%a9/feed/ 0 1637
الدولة الإسلامية: حكم إقامتها https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a5%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%87%d8%a7/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a5%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%87%d8%a7/#respond Sun, 23 Jun 2019 20:42:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2096 ما كنت أظن أنه سيأتي علينا يوم نكتب أو نخط حرفاً في شأن وجوب إقامة الدولة الإسلامية، لكن ها قد جاء اليوم، واضطررنا أن نكتب المقال تلو المقال في هذا الشأن، لدفع الشبه والأوهام، والرد على التحريفات التي تطال بعض الأحكام والأقوال، وتجلية الحقائق بصورة ناصعة. لقد بعث الله رسوله […]

ظهرت المقالة الدولة الإسلامية: حكم إقامتها أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ما كنت أظن أنه سيأتي علينا يوم نكتب أو نخط حرفاً في شأن وجوب إقامة الدولة الإسلامية، لكن ها قد جاء اليوم، واضطررنا أن نكتب المقال تلو المقال في هذا الشأن، لدفع الشبه والأوهام، والرد على التحريفات التي تطال بعض الأحكام والأقوال، وتجلية الحقائق بصورة ناصعة.

لقد بعث الله رسوله محمداً كما بعث أنبياء آخرين قبله، وقد قام بناء الإسلام على ثلاثة أعمدة هي: الفرد، الأمة، الدولة، وقد كان هناك تكامل وتفاعل بين هذه الأعمدة الثلاثة، واستمرت هذه الأعمدة الثلاثة موجودة حوالي ثلاثة عشر قرناً، وكان الذي يتغير هو الدول، فسقطت عشرات الدول وقامت غيرها، من مثل: السلجوقيين، البويهيين، المرابطين، الموحدين، الطاهريين، الزنكيين، الأيوبيين إلخ… لكننا مررنا بمرحلة جديدة في مطلع القرن العشرين عندما سقطت آخر دولة وهي دولة “الخلافة العثمانية”، وبقي العمودان الآخران وهما: الفرد المسلم، والأمة المسلمة.

ومن الواضح أن سقوط الخلافة العثمانية كان له أثر مزلزل في الكيان الإسلامي، وكانت له نتائج كارثية أبرزها: تقسيم الأرض الإسلامية إلى دول لم تكن موجودة في أية مرحلة تاريخية، وهذا أدى إلى تشرذم الأمّة وإضعافها في وجه الأعداء الغربيين.

ومن النتائج الكارثية الأخرى، قيام إسرائيل عام 1948م، وتوسعها المستمر على حساب الدول العربية المحيطة في حروب عام 1956م، وعام 1967م، وعام 1982م.

ومن الممكن أن نُدخل في النتائج الكارثية لسقوط الخلافة العثمانية واقع النهب الاقتصادي لبلادنا العربية في مجال البترول وغيره، وإفقار الدول العربية من خلال ربطها بالسوق الدولية، وإلزامها بوصايا البنك الدولي وتحرير الأسعار، ورفع الدعم عن المواد الأساسية التي تقوم بها بعض الدول.

فماذا تصرفت الأمة بعد سقوط الخلافة؟

من الواضح أن الأمة اعتبرت أن إعادة الخلافة واجب شرعي، لذلك قامت الحركات التي استهدفت إعادة الدولة الإسلامية في كل الدول العربية والإسلامية تقريباً لتحقيق هذا الهدف.

وقد قام عشرات العلماء والكتّاب والمفكرّين بتحليل أسباب سقوط الخلافة، والدعوة إلى إعادة الدولة الإسلامية، ومن هؤلاء: محمد رشيد رضا الذي ألّف “الإمامة العظمى”، وعبدالحميد بن باديس، وعلاّل الفاسي، وحسن البنا، وتقي الدين النبهاني، وأبو الأعلى المودودي، والحاج أمين الحسيني، إلخ…

لكن الحركات التي سعت إلى إعادة الدولة الإسلامية لم تنجح في مسعاها، وتعثرت حركتها، فما الموقف الشرعي ـ الآن ـ من تطبيق الشريعة وإعادة الدولة وتنصيب الإمام؟ إنّ الموقف الشرعي الذي يُوجِبُه الإسلام على الأمّة هو وجوب السعي إلى إقامة الدولة وتنصيب الإمام وتطبيق الشريعة، وقد أكّد هذا الحكم والموقف الشرعي الفتوى التي أصدرتها الموسوعة الفقهية، والتي جاء فيها: “أجمعت الأمة على وجوب عقد الإمامة، وعلى أن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيها أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله.. ولم يخرج عن هذا الإجماع من يعتد بخلافه.

واستدلوا على ذلك، بإجماع الصحابة والتابعين، وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم، بمجرد أن بلغهم نبأ وفاة رسول الله بادروا إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة، واشترك في الاجتماع كبار الصحابة، وتركوا أهم الأمور لديهم في تجهيز رسول الله وتشييع جثمانه الشريف، وتداولوا في أمر خلافته.

وهم، وإن اختلفوا في بادئ الأمر حول الشخص الذي ينبغي أن يُبايع، أو على الصفات التي ينبغي أن تتوفر في من يختارونه، فإنهم لم يختلفوا في وجوب نصب إمام للمسلمين، ولم يقل أحد مطلقاً إنه لا حاجة إلى ذلك، وبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، ووافق بقية الصحابة الذين لم يكونوا حاضرين في السقيفة، وبقيت هذه السنّة في كل العصور، فكان ذلك إجماعاً على وجوب نصب الإمام”. (الموسوعة الفقهية، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ج6، ص217).

من الواضح أن الموسوعة الفقهية التي نقلنا حكمها، أوجبت على الأمة تنصيب الإمام الذي يعني إقامة الدولة في لغة عصرنا، كما أوجبت عليها تطبيق الشريعة، فما واجب الفرد المسلم الآن إزاء غياب الدولة الإسلامية، وعدم وجود إمام يقود المسلمين، ويرعى تطبيق الشريعة الإسلامية؟

فرض كفاية أم فرض عين؟

لقد اعتبر الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” أنّ تنصيب الإمام وإقامة الدولة الإسلامية “فرض كفاية” على المسلم، لكنّ عدداً من العلماء والكتّاب والمفكّرين المعاصرين اعتبروا أنّ إقامة الدولة الإسلامية وتنصيب الإمام ـ الآن ـ “فرض عين”، ومنهم: أبو الأعلى المودودي، تقي الدين النبهاني، حسن البنّا، سيد قطب، عبدالقادر عودة، إلخ…، وأصّلوا لحكمهم بأنه “فرض عين” من القرآن الكريم والسنة المشرفة والإجماع والعقل.

وإذا أردنا أن نوازن بين اعتبار الماوردي أنّ تنصيب الإمام “فرض كفاية”، وقول بعض العلماء والمفكرين المعاصرين بأنه “فرض عين”، نجد أن الأرجح في هذا الوقت بأن حكم تنصيب الإمام الذي يرعى إقامة الدولة الإسلامية “فرض عين” على كل مسلم، وذلك لسببين:

الأول: من الأرجح أنّ “فرض الكفاية” الذي قال به العلماء السابقون بخصوص حكم سعي المسلم إلى تنصيب الإمام وتطبيق الشريعة في السابق، قد تحوّل إلى “فرض عين” في الوقت الحالي، وذلك بسبب اختلاف الأوضاع الحاضرة عن الماضية.

في الماضي سقط الحكم الإسلامي في الأندلس عام 1491م، وطُرد الحكام المسلمون منها، وانتهى تطبيق الشرع الإسلامي فيها، ولكنّ الأئمة كانوا موجودين في بلدان أخرى مجاورة، كالمغرب والجزائر وتونس ومصر إلخ…، وكان الشرع الإسلامي مُطبّقاً في مناطق أخرى واسعة من شمالي أفريقيا وآسيا وأوروبا. لذلك كان الحكم في السابق “فرض كفاية” على المسلم، لأنّ الشرع ما زال مُطبّقاً في أماكن أخرى، وما زال هناك أئمة يُتابعون شؤون الأمّة ويذودون عنها في أماكن ثانية.

أما في الحاضر فقد سقط آخر إمام وهو الخليفة العثماني، وانحسر تطبيق الشرع الإسلامي من جميع الأرض، فلم يَعُدْ هناك إمام يرعى شؤون المسلمين، ولم تَعُدْ هناك أرض تطبق شرع الله، لذلك فإنني أعتقد أنّ الأوضاع الجديدة هي التي جعلت هذا الفرض ترتفع مرتبته، ويتحول من “فرض كفاية” إلى “فرض عين”، وهذه الأوضاع هي التي جعلت العلماء المعاصرين يُفتون بمثل هذه الفتوى.

الثاني: إنّ المخاطر التي تهدد ـ الآن ـ العمودين الآخرين من الكيان الإسلامي وهما: الفرد المسلم والأمة المسلمة مخاطر وجودية، ويمكن أن نتأكد من ذلك إذا نظرنا إلى واقع الأمة خلال نصف القرن الماضي نظرة فاحصة شاملة معمّقة، فماذا نجد؟

نجد أنه اجتمعت على الأمة ثلاث قوى تمتلك ثلاثة مشاريع يكمل بعضها بعضاً، وهي:

1 ـ المشروع الغربي الذي بدأ منذ غزو نابليون إلى مصر عام 1798م، وانتقلت قيادته ـ الآن ـ إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.
2 ـ المشروع الصهيوني والذي بدأ في بازل عام 1897م، وأقام إسرائيل عام 1948م.
3 ـ مشروع ملالي إيران والذي بدأ عام 1979م، والذي توصل إلى تحقيق نفوذه على أربع عواصم دول عربية هي: العراق، سورية، لبنان، اليمن.

ولا أريد أن أُفصّل في نتائج هذه المشاريع الثلاثة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن علينا فقط أن ننظر إلى خريطة المنطقة بدءاً من احتلال أفغانستان عام 2001م، ثم العراق عام 2003م، ثم الاضطرابات التي تعيشها العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وليبيا، ومصر، والسودان، والجزائر إلخ… لندرك مدى خطورة الوضع الذي تعيشه أمتنا، وانعكاسه على كل شئ في حياة الفرد من النواحي النفسية والاقتصادية والثقافية والخُلُقِيّة والاجتماعية والتربوية إلخ…، وانعكاسه -كذلك- على جميع تفصيلات حياة البلدان العربية من النواحي المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلخ…

من الأرجح أنه قد تعيّن فرض تنصيب الإمام المسلم وإقامة الشرع الإسلامي، وتحول من “فرض كفاية” إلى “فرض عين” نتيجة المخاطر التي تتهدد حياة الفرد والأمة، وعلى المسلمين أن يعملوا بهذا الحكم الشرعي، لأن تنصيب الإمام وإقامة الدولة الإسلامية هو الذي يُوقف هذا المسلسل الذي تعيشه الأمة من الدمار والتخريب والتمزيق والتفتيت والإذلال إلخ… على مستوى الفرد والجماعة، وينقل الأمة من موقف رد الفعل إلى الفعل والبناء الحضاري.

والآن: ما واجب العلماء والدعاة والمشايخ والأحزاب والجماعات والمفكرين إزاء تنصيب الإمام وإقامة الدولة وإعادة تطبيق الشرع الإسلامي؟

من المؤكد أن الواجب عليهم أن يُطبّقوا ذلك “الفرض” على أنفسهم، فهم أولى بذلك، وعليهم كذلك أن يوضحوا لعموم أفراد الأمة فوائد الالتزام بذلك “الفرض” والمضار التي يمكن أن تلحق بالأمة في حال عدم التزامهم به، ويرتقوا بوعيهم ليكونوا جزءاً من مسيرة الأمة الإيجابية القادمة.

أما العلماء والمشايخ الذين لا يقومون بهذا “الفرض”، أو يُقلّلون من قيمته، ويُهوّنون من شأنه، فإنهم قد عزلوا أنفسهم، ووقفوا في خندق معاد للأمة، لذلك فعلى الأمة أن ترفع صوتها في تقريعهم ونبذهم، لأنهم يساهمون بهذا الفعل في إضعاف وخلخلة بنائها، واحتمالات تفككها، وإنهاء وجودها.

الخلاصة:

لقد قام الكيان الإسلامي على ثلاثة أعمدة خلال التاريخ الماضي، لقد سقط عمود وهو: الدولة المسلمة بسقوط الخلافة العثمانية عام 1924م، وبقي العمودان الآخران، وهما: الفرد المسلم، والأمة المسلمة، وتصدى العلماء والأمة بعد الحرب العالمية الأولى لهذه الكارثة، واعتبر بعض العلماء المعاصرين أنّ السعي إلى إقامة الدولة وإعادة تطبيق الشريعة “فرض عين”، بعد أن كان “فرض كفاية” حسب رأي الماوردي.

رابط المقال في عربي  الدولة الإسلامية: حكم إقامتها.

ظهرت المقالة الدولة الإسلامية: حكم إقامتها أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a5%d9%82%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%87%d8%a7/feed/ 0 2096
دور العبادة في الإعمار الدنيوي: الصيام نموذجاً https://www.al-ommah.com/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%8a/ https://www.al-ommah.com/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%8a/#respond Fri, 03 Jun 2016 23:08:20 +0000 https://al-ommah.com/?p=1009 تتميز عبادات الإسلام ومن ضمنها الصيام بأنها ذات ثمرات دنيوية قبل أن تكون أُخروية، وهي ذات نتائج نفسية واجتماعية وعقلية وجسدية إلخ…، وقد تُفرز العبادة الواحدة كل تلك النتائج أو بعضها. وربما كان الأثر الدنيوي للعبادة في الإسلام ناتجًا من التصور الذي رسمه الإسلام لأهداف وجود الإنسان في الأرض ولعلاقته […]

ظهرت المقالة دور العبادة في الإعمار الدنيوي: الصيام نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
تتميز عبادات الإسلام ومن ضمنها الصيام بأنها ذات ثمرات دنيوية قبل أن تكون أُخروية، وهي ذات نتائج نفسية واجتماعية وعقلية وجسدية إلخ…، وقد تُفرز العبادة الواحدة كل تلك النتائج أو بعضها.

وربما كان الأثر الدنيوي للعبادة في الإسلام ناتجًا من التصور الذي رسمه الإسلام لأهداف وجود الإنسان في الأرض ولعلاقته بها، وقد حكمت هذا التصور ثلاثة اعتبارات:

اعتبار إعمار الأرض هدفًا دينياً

فحينما يقوم المسلم بأي إعمار في الأرض -وإن كان القصد منه المنفعة الخاصة- فإنَّ له أجرًا بذلك، ويدلُّ على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (رواه أحمد).

وحينما يقوم بقضاء أي شهوة خاصة فإنّ له بها أجرًا، شرط أن ينوي بها التَّقوِّي على طاعة الله، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبًا الصحابة:

«وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (رواه مسلم).

اعتبار الإنسان خليفة في الأرض

اعتبر القرآن الكريم الإنسان جديرًا بأن يكون خليفة في الأرض؛ إذا أصلح ولم يفسد فيها ولم يسفك الدماء، ويؤكِّد ذلك استنكار الملائكة أن يجعل الله سبحانه وتعالى الإنسان خليفة له يفسد ويسفك الدماء، وهذا يقتضي أن لا تقع من الإنسان الخليفة تلك الأخطاء بل يقوم بعكسها: الإعمار وعدم القتل، قال سبحانه وتعالى:

(وإذْ قالَ ربّكَ للملائكةِ إنّي جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أَتَجْعَلُ فيها مَن يُفْسِدُ فيها ويسْفِكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لكَ قالَ إنّي أعلمُ ما لا تعلمونَ) (البقرة 30).

اعتبار علاقة الإنسان بالكون علاقة تكامل

اعتبر الإسلام الكون مسخَّرًا للإنسان، واعتبر الإنسان ممكَّنًا في الأرض، لذلك فإنَّ العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تكامل، قال سبحانه وتعالى: (ولقد مَكَّنَّاكُم في الأرضِ وجعلنا لكم فيها مَعايِشَ قليلًا ما تشكرونَ) (الأعراف 10)، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: (وسَخَّرَ لكم ما في السماوات وما في الأرضِ جَميعًا منه) (الجاثية 13).

من هنا كانت العبادة في الإسلام ذات نتائج نفسية واجتماعية وجسدية تُعيْن الإنسان على مواجهة الواقع المحيط به وعلى إعمار الدنيا، وسنأخذ صيام رمضان نموذجًا.

النتائج النفسيَّة والخلقية

عندما يمتنع المسلم في صيامه عن تلبية شهوتَين لصيقتين بذاته، محبوبتين لنفسه، هما الطعام والنساء، فإنَّ لذلك نتائج نفسية؛ أبرزها تنمية حبِّ الله في ذات المسلم، لأنّه يمتنع عن تلبية تينيك الشهوتين من أجل محبوب أعظم هو الله، وتكون نتيجة ذلك التخلص من عبودية الشهوات، والانتصار على الذات، وتقوية الإرادة الشخصية، ولاشكَّ أنَّ مثل هذه الثمرات ضرورية من أجل نجاح الإنسان في القيام بأعباء الدنيا ومواجهة مشاكل الحياة اليومية المختلفة بإرادة قوية وعزيمة ثابتة.

النتائج الجسدية

إنَّ للصيام آثارًا كبيرةً على جسد الإنسان، فهو يطهِّر جسم الإنسان من السموم الضارة، ويساعده في التخلص من الكميات الزائدة من المواد الغذائية والفضلات الناتجة من العمليات الحيوية المختلفة بالجسم، بالإضافة إلى فوائد الصوم في إراحة وظائف الهضم والتمثيل الغذائي، وإمداد خلايا الجسم بالحيوية والنشاط. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنَّ أول الأعضاء التي يتغذى عليها جسم الإنسان أثناء الصوم هي الأعضاء المصابة بالأمراض أو الشيخوخة وخاصة المحتقنة والمتقيحة والملتهبة حيث تكون أول الخلايا المستهلكة وأول ما يتأكسد.

وتشير الدراسات الحديثة أيضًا إلى أنَّ الصيام يرفع النوع المفيد من كوليسترول الدم بنسبة ثلاثين في المائة في نهاية شهر رمضان، والجوع وسيلة طبية معروفة قبل الإسلام لمعالجة كثير من الأمراض، كما أنَّ الصيام يعيد توازن الجسم في كثير من الأملاح والمعادن.

النتائج الاجتماعية

يخرج المسلم من النظام اليومي الذي خضع له طوال العام إلى نظام آخر، فيكسر الإِلف الذي اعتاده في نظام تناول الطعام والشراب والنوم إلى نظام جديد، يصحو فيه في آخر الليل ليتناول سحوره، ثم يمتنع فيه عن الطعام والشراب إلى مغرب شمس ذلك اليوم.

ليس من شك بأنَّ كسر النظام اليومي الرتيب في حياة المسلم إلى نظام آخر ستكون له آثاره الجيدة في توليد الحيوية الاجتماعية، كما أنَّ زكاة الفطر التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإخراجها قبل صلاة العيد كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:

“فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ” (رواه أبو داود) ستؤدي إلى سد جانب من الخلل في المجتمع، وستؤدي إلى نوعٍ من الترابط الاجتماعي.

***

هذه بعض آثار الصيام، وهي كما نرى تعود على الصائم في الدنيا قبل الآخرة، وهي ثمرة طبيعية لاعتبار الإسلام الدنيا حقلًا رئيسًا، يجب أن يسوده الإعمار والبناء؛ لكي يكون هناك فوز ونجاح في الآخرة.

المقال على شكل فيديو
رمضان وأثره على الإنسان

ظهرت المقالة دور العبادة في الإعمار الدنيوي: الصيام نموذجاً أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%8a/feed/ 0 1009
التكبير: حكمه والحكمة منه https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8f%d9%83%d9%92%d9%85%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%90%d9%83%d9%92%d9%85%d9%8e%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8f%d9%83%d9%92%d9%85%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%90%d9%83%d9%92%d9%85%d9%8e%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87/#respond Mon, 15 Feb 2016 17:40:14 +0000 https://al-ommah.com/?p=918 من المعلوم أن تكبير الله سبحانه وتعالى من أوائل الأوامر التي نزلت على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء هذا الأمر في سورة المدثر، وهي من أوائل السور التي نزلت على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى (المدثر:1-7): ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) […]

ظهرت المقالة التكبير: حكمه والحكمة منه أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
من المعلوم أن تكبير الله سبحانه وتعالى من أوائل الأوامر التي نزلت على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء هذا الأمر في سورة المدثر، وهي من أوائل السور التي نزلت على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى (المدثر:1-7):

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾

 وقد جاء الأمر بتكبير الله في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء:111)، وقد جاء الأمر بتعظيم حرمات الله، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج:30)،

وقد جاء القرآن الكريم بتوجيه المسلمين إلى تعظيم شعائر الله، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:32).

والحقيقة أن تكبير الله وتعظيمه من العبادات القلبية الأولى المهمة التي ألزم الإسلام بها العبد المسلم، ويأتي الخضوع لله تعالى وهي العبادة القلبية الثانية التي تقابل التكبير والتعظيم، فقد قال تعالى:

 ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (الرعد:15)، وقال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران:83)،

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ (الحج:18).

ثم يأتي حب الله، وهي العبادة القلبية الثالثة التي أوجبها الإسلام على العبد المسلم، وأباح الإسلام للمسلم أن يحب شهوات الدنيا من مثل: الآباء، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والأموال، والتجارة، والمساكن، لكنه اشترط أن يكون الله ورسوله أحب إلينا من كل هذه الشهوات، ومصداق ذلك هو القيام بالجهاد، فقد قال تعالى:

﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبه:24).

ثم يأتي الخوف من نار الله -تعالى- ومقامه وعذابه، وهي العبادة القلبية الرابعة التي أوجبها الإسلام على المسلم، فقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل:51)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (الرحمن:46)، لذلك تحدثت آيات متعددة عن صور وألوان من العذاب الذي يطال العاصين والمنافقين والكافرين، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة:41-46).

ثم يأتي رجاء الله –تعالى- ورجاء جنته سبحانه وتعالى، وهي العبادة القلبية الخامسة التي أوجبها الإسلام على المسلم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110).

وقد فصّلت آيات كثيرة صوراً وألواناً من النعيم الذي يطال المؤمنين والمتقين في الجنة، فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لّا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ﴾ (الواقعة: 27-40).

ويؤكد أهمية التكبير، أنّ عدّة عبادات مهمة برزت فيها عبارة “الله أكبر”، وهي: الصلاة، والأذان، والعيد، فلنبين حكم هذه العبارة، ولنبين الحكمة من إبراز الشرع لها في هذه العبادات.

أولاً: التكبير في الصلاة:

الصلاة ركن من أركان الإسلام، فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان” (رواه البخاري ومسلم)، وهي أهم شعيرة مطلوبة من العبد المسلم، فهي التي فُرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وهي التي ترافق العبد خمس مرات في اليوم، وترافقه في كل أحواله ولا تسقط عنه بحال من الأحوال، فإن كان مريضاً ولا يستطيع الصلاة قائماً صلّى قاعداً، وإن كان لا يستطيع الصلاة قاعداً صلّى على جنبه، وإن كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلّى إيماءً، ولا تسقط عنه في حال الحرب فهناك صلاة الخوف، ولا تسقط عنه في حال السفر فهناك القصر والجمع، وهي أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ” (رواه الترمذي).

وقد وردت عبارة “الله أكبر” في الصلاة في موضعين:

  • الأول: تكبيرة الإحرام.
  • الثاني: تكبيرات الانتقال.

وقد أجمع الفقهاء على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، كما اعتبر بعض الفقهاء تكبيرات الانتقال واجباً، واعتبرها بعضهم الآخر سنة.

ومما يجدر الانتباه له هو أنه يصح شرعاً أن يقول العبد “الله أعلم” و “الله أحكم” و “الله أقوى”….. فالمعنى صحيح، ولكن ذلك لا يجزئ في الصلاة، بل يفترض عليه أن يقول “الله أكبر”، وهذا يدل على أن الشرع طلب من العبد أن يستحضر صفة “تكبير الله” في الصلاة وليست أية صفة أخرى، لحاجته لها كما سنبين عند الحديث عن الحكمة من تشريع “التكبير” في الصلاة وغيرها.

ومما يجدر الانتباه له -أيضاً- إلى أن كل الأعمال التي يقوم بها العبد في الصلاة من قيام وركوع وسجود المقصود منها إظهار العبد تكبيره لله وتعظيمه له، فهو يقوم له –وحده- سبحانه وتعالى، ويركع له -وحده- سبحانه وتعالى، ويسجد له –وحده- سبحانه وتعالى، ولا يجوز السجود لغير الله.

فهذه الأعمال من قول اللسان لعبارة “الله أكبر”، ثم عمل الجوارح من قيام وركوع وسجود، ثم يأتي وعي العقل فيعقل أن “الله أكبر” من كل الموجودات، ثم يأتي توجه القلب ليكبر الله ويعظمه، وبهذا يكون قد كبَر الله كل أجزاء الإنسان، كبره لسانه وجوارحه وعقله وقلبه.

ثانياً: التكبير في الأذان:

الله أكبر

شُرع الأذان في المدينة، وبيّنت الأحاديث الصحيحة زمان تشريعه، فنقل البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال:

كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس يُنادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أَوَلاَ تبتعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال، قم فناد بالصلاة.

(صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث 604) وقد حدّث أنس فقال: أُمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يُوتِر الإقامة إلا الإقامة” (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث 605).

ومن الواضح أن كلمات الأذان تبدأ بعبارة “الله أكبر” وتنتهي بعبارة “الله أكبر”، ومن الواضح -أيضاً- أنه يجب أن يُؤذّن لكل صلاة، فعلى هذا الأساس يؤذن خمس مرات في اليوم، وفي كل أذان تذكر عبارة “الله أكبر” خمس مرات، كما أنها تذكر ثلاث مرات عند الإقامة.

ويُسن للمسلم أن يتابع المؤذن فيقول مثل ما يقول، فقد روى أبوسعيد الخدري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن” (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث 611)، “ونُقل عن معاوية بن أبي سفيان: أنه قال: لمَا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال: هكذا سمعنا نبيكم –صلى الله عليه وسلم- يقول” (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث 613).

أما بالنسبة لحكم الأذان، فإن رفعه واجب في كل بلد وفي كل حيّ، وهو الذي يمنع من القتال، فقد عنون البخاري باباً تحت عنوان: “باب ما يُحقن بالأذان من الدماء”، فقال: حدثنا أنس بن مالك: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً، لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإذا سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: فخرجوا إلينا بمقاتليهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والله، محمد، قال: فلما رآهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الله أكبر، الله أكبر، خرجت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين” (صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث610).

ثالثاً: التكبير في العيد:

التكبير

يشرع للعبد المسلم أن يجهر بالتكبير في الأيام العشر الأولى من ذي الحجة، وهي: “الأيام المعلومات”، فقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 2-28)، كما شرع له أن يكبر الله في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وهي: “الأيام المعدودات” فقد قال تعالى: “واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا واعلموا أنكم اليه تحشرون” (البقرة، 203).

وقد روى البخاري في صحيحه فقال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ويذكروا اسم الله في أيام معلومات” (الحج، 27): أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق، وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبّران ويكبّر الناس بتكبيرهما، وكبّر “محمد بن علي” خلف النافلة، (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق).

كما روى البخاري في صحيحه فقال: “كان عمر رضي الله عنه يُكبّر في قبته في منى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً”، وكان “ابن عمر يكبّر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه، وممشاه، تلك الأيام جميعاً. وكانت ميمونة تكبّر يوم النحر، وكنّ النساء يكبّرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، ليالي التشريق مع الرجال في المسجد” (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى إلى عرفة).

وعن محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنساً، ونحن غاديان من منى إلى عرفات، عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “يلبي المُلبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه” (صحيح البخاري، كتاب العيدين، حديث 970)، وعن أم عطية، قالت:

كنا نُؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نُخرج البِكْر من خدرها، حتى نُخرج الحُيَّض، فيكنّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهرته (صحيح البخاري، كتاب العيدين، حديث 971).

من الواضح أن الأحاديث السابقة نقلت أن الصحابة كانوا يكثرون من التكبير في أيام العشر الأولى من ذي الحجة، وكانوا يكثرون من التكبير في العيدين وفي أيام التشريق، وقد وضحت الأحاديث أن النساء كن يشاركن الرجال في هذا التكبير، وأما حكم التكبير في كل تلك الأيام العظيمة فهو سنة، وقد استمر المسلمون على مدار التاريخ يؤدون هذه السنة التي هي مظهر عظيم من مظاهر احتفال المسلمين بتعظيم الله وتكبيره.

الحكمة من التّكبير:

والسؤال الآن: ما هي الحِكَم والأسرار التي يمكن أن نستشفها من هذا التأكيد على التكبير في عدّة شعائر مهمة وأساسية من شعائر الإسلام؟

حتى نستطيع أن نفهم الحكمة، علينا أن نتوقف عند صيغة التكبير وهي “الله أكبر”، فقد جاءت بصيغة “أفعل التفضيل”، فهناك المُفضَّل وهو “الله” تعالى، وهناك صيغة “أفعل التفضيل” وهي كلمة “أكبر”، وقد اشتقت من الفعل “كبر”، وقد حذف المُفضَّل عليه الذي يجب أن يكون مسبوقاً بكلمة “من”، وأبقاه مُضْمراً، فيمكن أن تقول: “الله أكبر من المرض”، “الله أكبر من الظالم”، “الله أكبر من العدو”، إلخ…

وقد حذف الشرع “المُفضَّل عليه” في كل الشعائر التي ترددت فيها عبارة: “الله أكبر”، في الصلاة، والأذان، والعيد، فما الحكمة من ذلك؟ الحكمة من ذلك أن العبد المسلم عندما ينطق لسانه بعبارة التكبير، ويعيها عقله، ويمتلئ بها قلبه، يستعيد توازنه النفسي، فإن الاضطرابات النفسية في مختلف أشكالها من حزن وقلق وكآبة وخوف وانهيار عصبي إلخ… تأتي من أنّ همّاً من شهوة، أو مال، أو ديْن، أو عدوّ، أو مستقبل، إلخ… تضخم عند العبد، فملأ عليه عقله وقلبه، فيأتي النطق باللسان بأن “الله أكبر” من هذه الشهوة، أو هذا الدّيْن، أو هذا المال، أو هذا العدوّ، فيعيد إلى ذاته توازنها النفسي، وبالتالي يتجه بعقله وقلبه إلى هذا الإله الذي هو “أكبر” من الأمر الذي سبّب له هذا الاضطراب “النفسي”، فيتجه إليه طالباً أن يُنقذه من هذا الهمّ الكبير، فهو يصحو من غفلته ليتذكر أن هناك ما هو أكبر من هذا الأمر الذي سبّب له هذا الاضطراب، فيسأله العون والنجاة والمساعدة، وبهذا تعيد هذه العبارة: “الله أكبر” هذا الهم الذي سبّب له هذا الاضطراب إلى حجمه الطبيعي، ويتمكن من معالجته، بعد أن يأخذ بالأسباب التي يمكن أن تعالجه، وتُنهي أثره.

أعتقد أننا الآن أدركنا السّر في أن الشرع ألزمنا صيغة “أفعل التفضيل”: “الله أكبر”، وحذف المفضَّل عليه ليبقى المجال للعبد أن يعين المفضَّل عليه الذي كان المتسبب في اضطرابه في تلك اللحظة: من ديْن، أو مال، أو شهوة، أو عدو، أو مستقبل إلخ…، والمتغيَر بين حين وآخر، فيتذكر بأن الله –على الحقيقة– أكبر من هذا الأمر سواءً أكان ديْناً أم شهوة أم مالاً أم عدواً أم مستقبلاً إلخ…، فيعود إليه توازنه النفسي ليستمر في دورة الحياة، ويستمر في وضعه الطبيعي، فيواجه المشكلة التي أرّقته ويتغلب عليها، ثم يستكمل عملية العبادة والإعمار والبناء الحضاري التي خلقه الله من أجلها.

الخلاصة:

إن تكبير الله عبادة قلبية أساسية من العبادات التي بنى عليها الإسلام قلوب عباده المؤمنين، وجاء الأمر بقول عبارة “الله أكبر” في عدة شعائر، وهي: الصلاة، والأذان، والعيد، وقد جاءت ركناً في الصلاة في تكبيرة الإحرام، وجاءت واجباً في تكبيرات الانتقال وسنة في غيرها، والحكمة من تشريعها هي إعادة التوازن النفسي للمسلم، فعندما ينطق المسلم بعبارة “الله أكبر” ويعيها عقله، ويمتلئ بها قلبه، فإن الأمور تأخذ أحجامها الطبيعية، ويستعيد المسلم بهذا هدوءه وتوازنه النفسي.

ظهرت المقالة التكبير: حكمه والحكمة منه أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%83%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%ad%d9%8f%d9%83%d9%92%d9%85%d9%87-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%90%d9%83%d9%92%d9%85%d9%8e%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87/feed/ 0 918
تجديد الدين.. الفكرة والواقع https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/ https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/#respond Mon, 28 Sep 2015 01:40:21 +0000 https://al-ommah.com/?p=545 إن تجديد الدين أمر طبيعي، وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها” (أبو داود في سننه)، ويختلف الباعث الذي يدفع إلى هذا التجديد من عصر إلى آخر. ويمكن أن نأخذ نموذجا لهذا […]

ظهرت المقالة تجديد الدين.. الفكرة والواقع أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
إن تجديد الدين أمر طبيعي، وقد تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها” (أبو داود في سننه)، ويختلف الباعث الذي يدفع إلى هذا التجديد من عصر إلى آخر.

ويمكن أن نأخذ نموذجا لهذا التجديد من التاريخ ونمثل عليه بالشافعي رحمه الله، فقد سمي بمجدد المئة الثانية ولقب بـ”ناصر السنة”، وقد كان السبب في ذلك أن هناك صراعا بين أهل الرأي وأهل الحديث بلغ أوجه في القرن الثاني للهجرة، وقد تعمقت الهوة بينهما، وقد تعصب كل فريق لاجتهاده وحكمه وأدواته التي استخدمها لإصدار فتواه، وكادت تحدث فتنة، ولكن الشافعي -رحمه الله- وضع “الرسالة” التي أصل فيها لعلم أصول الفقه، وضبط العلاقة بين أهل الرأي وأهل الحديث، وأعاد للحديث الشريف مكانته، وأعطاه قيمته الحقيقية، وقنن للقياس.

ولهذا استحق أن يكون مجدد القرن الثاني من قرون الهجرة بعد أن جاء هذا الاستحقاق حصيلة العلم الذي أخذه من مالك بن أنس رحمه الله في المدينة عندما درس على يده “الموطأ”، وتقصى “الحديث” عند أهل المدينة ثم ذهب إلى العراق، والتقى محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله، وأخذ عنه علمه الذي كان مثالا لمدرسة الرأي، ثم عاد إلى مكة وكتب “الرسالة” في الأصول، وكان هذا الكتاب “الرسالة” تقعيدا لعلم جديد هو “علم أصول الفقه”، وهو علم امتازت به أمتنا، وهو غير موجود عند الأمم الأخرى.

من المهم أن ننتبه إلى أن تجديد الدين لا يأتي بقرار حكومي، بل هو حصيلة وعي الطبقة العلمائية في الأمة، وانتباهها للمشاكل التي تواجه الأمة، ثم تضع الحلول المناسبة لها بشكل تلقائي من خلال وعي حقائق الدين ومن خلال فهم واقع الأمة ومن خلال إبداع قواعد التجديد وأحكامه التي تحتاجها الأمة وتستدعيها ظروفها وأحوالها.

أما الآن فإن الحضارة الغربية تمثل التحدي الأكبر للدين الإسلامي والأمة والحضارة الإسلامية، لأنها تقوم على أصول مناقضة -في كثير من الأحيان- للأصول التي تقوم عليها أمتنا وحضارتنا، لذلك فإن أي تجديد يجب أن يكون إما ردا على الحضارة الغربية التي تريد أن تفرض نفسها علينا وتلغي كياننا، أو يجب أن يكون في إيجاد توافق معها في موضوع من المواضيع لصوابية رأيها في هذا الموضوع.

فعلى سبيل المثال يعترف الإسلام بأن الكون مبني على عالمين، هما: عالم الغيب وعالم الشهادة، في حين أن الحضارة الغربية تعترف بعالم الشهادة فقط ولا تعترف بعالم الغيب وما فيه من روح وجنة ونار وملائكة وشياطين.. إلخ، وتعتبر ذلك خرافات وأوهاما.

ومن أمثلة الاختلاف أن الإسلام يقوم على نقل متمثل بالقرآن الكريم والسنة المشرفة، وهما وحيان من الله سبحانه أوحى الله بهما إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ويقوم على عقل يتعامل مع هذا النقل، كما يتعامل مع الكون المحيط به، في حين أن الحضارة الغربية تقوم على عقل يتعامل مع الكون المادي المحيط به فقط ولا تعترف بأي نقل.

ومن أمثلة الاختلاف أن الإسلام يعتبر أنه دين ودولة، في حين أن الحضارة الغربية تعتبر أن الدين لا علاقة له بالدولة ويجب ألا يتدخل بها، وقد سبقتها إلى هذا أوروبا المسيحية في القرون الوسطى.

ومن خلال رصد التطورات الفكرية التي حدثت خلال القرنين الماضيين في ساحات الأمة الثقافية نجد أن محاولات التجديد لم تتوقف، ويمكن أن نقسمها إلى سلبية وإيجابية، فالسلبية: ما يأتي في إطار تطويع نصوص الإسلام لصالح الحضارة الغربية، والإيجابية: ما يأتي في إطار تحديد موقف من بعض مفاهيم الحضارة الغربية والبناء عليه، وسنضرب أمثلة على نوعي التجديد في السطور التالية.

أولا: المحاولات السلبية في التجديد

الأولى: يمكن أن نعتبر محاولة محمد عبده في مجال تضييق الفجوة بين عالم الغيب وعالم الشهادة لصالح عالم الشهادة ومن ثم لصالح المادية الغربية مثالا على ذلك.

فقد ورد في سورة الفيل حديث القرآن الكريم عن الطير الأبابيل الذي أرسله الله تعالى على جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة فرماه بحجارة من سجيل، فأهلكه الله مع الفيلة التي جاء بها، فقال تعالى ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل:1-5].

لقد أول محمد عبده ذلك الطير الأبابيل بأنه طير من جنس البعوض أو الذباب، وحجارة السجيل بأنها طين يابس من الذي يسمونه -الآن- الميكروب والتي هي جراثيم الجدري أو الحصبة.

وقد أول محمد عبده الجن بالميكروب والجراثيم فقال “وقد قلت في المنار غير مرة أنه يصح أن يقال إن الأجسام الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى الميكروبات تصح أن تكون نوعا من الجن”.

كما أول محمد عبده خلق عيسى عليه السلام بـ”اعتقاد قوي استولى على قلب مريم فأحدث الحمل بها، وكثيرا ما يكون الاعتقاد بالمرض مسببا له”.

ولكن توجه محمد عبده التجديدي بشكل عام لقي تراجعا على يد تلميذه محمد رشيد رضا، وهو في الحقيقة تصويب وتصحيح لما مثله محمد عبده من استسلام لمعطيات الحضارة الغربية المادية وترويجها.

الثانية: أصدر علي عبد الرازق كتاب “الإسلام وأصول الحكم” بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 على يد الإنجليز، وقد اعتبر علي عبد الرزاق في ذلك الكتاب أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء داعيا ولم يجئ حاكما، وأن الخلافة التي برزت في التاريخ الإسلامي كسلطة وحكومة وأحكام وجيوش وقتال ودول إنما هي من اختراع المسلمين، وافتئات على الإسلام والرسول ولا علاقة للإسلام بها، وهو في هذا الاجتهاد يلغي الدولة من أجل أن يوافق المسلمون الحضارة الغربية فيما انتهت إليه من أحكام حول علاقة الدين بالدولة.

وقد كانت ردود الفعل واسعة على علي عبد الرازق فلم يقبل كلامه، وقد ألفت عدة كتب في الرد عليه، وأبرزها “الإمامة العظمى” لمحمد رشيد رضا، ثم قدمت دعوى قضائية بحقه في محاكم القاهرة، وتم سحب الكتاب من الأسواق، ثم جرد المؤلف من شهادته الأزهرية.

الثالثة: تناول محمد عابد الجابري العلاقة بين النقل والعقل في كتابيه “مدخل إلى القرآن الكريم” و”تفسير القرآن الكريم”، وقد ضيق مجال النقل وضخم دور العقل من أجل صالح الحضارة الغربية التي تقوم على العقل وحده كما هو معروف.

وقد انطلق محمد عابد الجابري من اعتبار القرآن الكريم معجزة عقلية، وهو في هذا مصيب، ولكنه أخطأ عندما اعتبر أن القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يعترف بكل المعجزات الأخرى، من مثل: انشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكليم الحجر له صلى الله عليه وسلم، وحنين المنبر له، وانبثاق الماء بين يديه، ثم سقايته لجيش كامل، وطرح البركة في طعام قليل، وإطعامه عددا كبيرا من الناس.

وقد استكمل ذلك بأنه لم يعترف بالجانب الآخر من النقل، وهو السنة المشرفة التي وضحت القرآن الكريم وفسرته، وزادت عليه في بعض أحكامها، وفي هذا تضييق للنقل لصالح العقل، ومن أجل خدمة الحضارة الغربية وترويجها التي تقوم على العقل وحده.

ثانيا: المحاولات الإيجابية للتجديد في الدين

الأولى: رد محمد قطب على فكرة “نسبية الحقيقة” التي تقوم عليها الحضارة الغربية في كتاب “التطور والثبات في حياة البشرية” فذكر أنه ليس كل شيء متطورا في حياة البشرية، وليس كل شيء ثابتا، بل هناك قضايا ثابتة، وهناك قضايا متطورة ومتغيرة، ووضح بعد ذلك أن الثابت ما يتعلق بالعقيدة من توحيد وعبادة، وأحكام الأسرة من طلاق وزواج وميراث استنادا إلى قوله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء:1].

الثانية: تحدث أبو الأعلى المودودي عن “القومية” التي انبثقت في الغرب بعد سقوط إمبراطوريات القرون الوسطى، واعتبرها “قومية عنصرية”، وبين أنها انتكاس ورجوع إلى الوراء في العلاقات الدولية: من الإطار الإنساني إلى الإطار العنصري الضيق.

وأوضح أن الإسلام طرح بديلا عن ذلك وهي “القومية الحضارية”، وقد تمثلت “القومية الحضارية” في أمة الإسلام التي تمازجت فيها مختلف الأعراق والأجناس تحقيقا لقوله تعالى ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: 13].

الثالثة: كتب الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة، ودعا إلى توسيع المقاصد وعدم حصرها في المقاصد الخمسة التي وضحها الشاطبي في كتاب “الموافقات”، وهي: مقاصد حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

لذلك اقترح بعض العلماء اعتماد مقاصد أخرى للدين من مثل مقاصد: الحرية والعدل والمساواة والتي يمكن أن نستفيدها من تطورات الحضارة الغربية، ولقي هذا التوجه قبولا لدى عموم علماء الأمة، ليس هذا فحسب بل زاد الاهتمام بعلم المقاصد بسبب الكتابات الواسعة عن علم المقاصد لدى الطاهر بن عاشور وغيره من الكتاب.

الخلاصة: التجديد في الدين أصل من أصول الحضارة الإسلامية، وقد قام علماء متعددون بمهمة التجديد في التاريخ الماضي، وإن الحضارة الغربية هي التحدي الأكبر الذي يواجه -الآن- الدين والأمة والحضارة الإسلامية، وقد قامت عدة محاولات للتجديد والاجتهاد في العصر الحديث، وقد رصدنا بعض محاولات التجديد السلبية في ثنايا المقال، كما رصدنا بعض محاولات التجديد الإيجابية.

رابط المقال من الجزيرة نت تجديد الدين.. الفكرة والواقع

ظهرت المقالة تجديد الدين.. الفكرة والواقع أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86/feed/ 0 545
إنسانية الإسلام وعالميته https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/ https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/#respond Sun, 19 Apr 2015 03:23:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=2461 لقد خلق الله سبحانه وتعالى آلاف المخلوقات لكن الانسان كان أكرمها فقال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء، 70) لذلك يعتبر الإسلام الانسان أكرم المخلوقات، لذلك أسجد الله له الملائكة، فقال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ […]

ظهرت المقالة إنسانية الإسلام وعالميته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لقد خلق الله سبحانه وتعالى آلاف المخلوقات لكن الانسان كان أكرمها فقال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء، 70) لذلك يعتبر الإسلام الانسان أكرم المخلوقات، لذلك أسجد الله له الملائكة، فقال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ” (الأعراف، 11).

ومما يجدر الانتباه إليه أن هذا التكريم للانسان، وإسجاد الملائكة له جعل علماءنا يستقرؤون الشريعة التي نزلت في القرآن والسنة، فوجدوا أن كل ما أنزله الله على رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- من أوامر ونواه وتحليل وتحريم وآداب وأخلاق ومبادئ وقيم يدور حول خمسة مقاصد، هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

ولو تأملنا هذه المقاصد لوجدناها أهم العوامل التي تحقق إنسانية الإنسان، وتحقق حياته البشرية بشكل سليم، فهي تدور حول حياته وماله وعقله ونسله وهذا يدل على أن الإسلام دين الإنسانية، فلن تجد نظامًا ولا أمة ولا دولة جعلت مدار وجودها وحياتها على هذه الأمور التي تقيم الحياة الإنسانية.

وحتى المعاني الجديدة التي طرأت في حياتنا المعاصرة والتي جاءت إلينا من الحضارة الغربية نجدها داخلة تحت مقصد من المقاصد الخمسة السابقة. فلو أخذنا شعارات: حق الحرية، وحق الحياة، وحق التنقل، وحق إبداء الرأي إلخ …، لوجدناها تحت مقصد حفظ النفس، وقس على ذلك كل المعاني الأخرى.

لذلك نستطيع أن نؤكد أن ما طرحه الإسلام من تعليمات ومبادئ وقيم وأخلاق إنما هي لبناء الحياة الإنسانية خير بناء، وإن إنسانية الدين الإسلامي حقيقة مقررة وقائمة من خلال ماطرحته آيات القرآن الكريم والسنة المشرفة.

كما كان الإسلام دينًا إنسانيًا كذلك هو دين عالمي، وقد تحقق أفق العالمية في التاريخ، لأنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بُعِث إلى الناس كافة وليس للعرب وحدهم، قال سبحانه وتعالى: “وما أرسلناكَ إلا رَحمةً للعالمين”(الأنبياء،107)، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: “وما أرسلناك إلا كافَةً للناسِ بشيراً ونذيراً” (سبأ،28)، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: “قُلْ يا أَيُّها الناسُ إني رَسولُ اللهِ إليكم جَميعاً” (الأعراف،158). وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في أحد أحاديثه فقال: “فُضّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلّت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون” (رواه مسلم).

وقد تحقق أفق العالمية لأنّ القرآن الكريم كتاب الله إلى الناس جميعاً فقال سبحانه وتعالى: (إنْ هو إلا ذِكْرٌ للعالمينَ) [ص:87]، ولأنّ الإسلام أقام الرابطة بين الناس على أساس الإيمان بالله ولم يقمها على جنس أو نسب أو قبيلة فقال سبحانه وتعالى: “إنما المؤمنونَ إخوةٌ” [الحجرات:10]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس إنّ أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى”.

لذلك مزجت الأمة الإسلامية مختلف الأجناس والأعراق والقبائل والشعوب في بوتقتها، وهذا المزج هو ما حلم به الفيلسوف أرسطو وتلميذه القائد العسكري اسكندر المقدوني، وسعى إلى تحقيقه بمزج العرقين: اليوناني والفارسي في بابل من خلال زواج اسكندر المقدوني بابنة كسرى ملك الفرس، وزواج كبار ضباطه بشريفات الأسر الفارسية، لكن هذه المحاولة انتهت بوفاة الاسكندر المقدوني، ولم يتحقق أفق العالمية كما أراد أرسطو.

وقد أثمرت عالمية الإسلام حضارة عالمية كان للعرب دور بارز في بداية ظهور الإسلام ولفترة وجيزة، لكن الشعوب الأخرى شاركتهم بعد ذلك في كل عناصرها العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية…الخ، لذلك نجد أنّ الصرح العلمي في الحضارة الإسلامية بناه علماء من العرب والفرس والهنود…الخ، وأنّ الأرض الإسلامية دافعت عنها قبائل وأسر سلجوقية وزنكية وكردية وتركمانية وشركسية وعثمانية…الخ، وأنّ القيادة السياسية تسلمها العرب والبربر والترك والفرس…الخ.

ومما ساعد في تحقيق هذه الحضارة العالمية اعتبار الإسلام الأمة الإسلامية مع أمم الأنبياء السابقين أمة واحدة فقال سبحانه وتعالى: “وإنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُم فاتَّقونِ” (المؤمنون،52)، وقال سبحانه وتعالى: “إنَّ هذه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدةً وأنا رَبُّكُم فاعْبُدونِ” (الأنبياء،92)، وقد جاء الوصف بالأمة الواحدة في السورتين بعد حديث تفصيلي عن معظم الأنبياء السابقين ومنهم: موسى، وهارون، وإبراهيم، ولوط، وإسحاق، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون، وزكريا، ويحيى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام.

ومما عزز هذه العالمية إفراد مساحة تشريعية خاصة في التعامل مع أهل الكتاب: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام؛ إذ أباح الإسلام أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم فقال سبحانه وتعالى: “وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (سورة المائدة: من الآية 5.

إن الإسلام دين إنسانية وعالمي ولقد تحققت إنسانية الإسلام وعالميته في الواقع التاريخي ولقد بلغت هذه الإنسانية والعالمية آفاقًا لم تعرفها الحضارات الأخرى وهي جديرة بأن تكون محل بحث تفصيلي لكي نحسن فهم واقعنا، ونحسن التعامل معه حاضرًا ومستقبلاً.

ظهرت المقالة إنسانية الإسلام وعالميته أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d8%aa%d9%87/feed/ 0 2461
المقدس والمدنس بين الإسلام والنصرانية https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/#respond Sat, 31 Dec 2011 05:40:43 +0000 https://al-ommah.com/?p=784 ظنَّ كثير من الدارسين أن الإسلام أسسَ لمفاهيم جديدة في مجال الألوهية والربوبية فقط، لكن الحقيقة أن الإسلام خالف الديانات السابقة في مفاهيم أخرى كثيرة ومنها: الطهارة والنجاسة، والنظرة إلى الشهوات، والنظرة إلى الجسد إلخ…، وسأتحدث –الآن- وألقي الضوء على “المقدس والمدنس” عند الإسلام والنصرانية. تحتل ثنائية “المقدس والمدنس” مساحة […]

ظهرت المقالة المقدس والمدنس بين الإسلام والنصرانية أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
ظنَّ كثير من الدارسين أن الإسلام أسسَ لمفاهيم جديدة في مجال الألوهية والربوبية فقط، لكن الحقيقة أن الإسلام خالف الديانات السابقة في مفاهيم أخرى كثيرة ومنها: الطهارة والنجاسة، والنظرة إلى الشهوات، والنظرة إلى الجسد إلخ…، وسأتحدث –الآن- وألقي الضوء على “المقدس والمدنس” عند الإسلام والنصرانية.

تحتل ثنائية “المقدس والمدنس” مساحة كبيرة عند النصرانية، وتقوم عليها معظم تعليماتها، ويمكن أن نبرز منها الأفكار التالية:

الأولى: أن الإنسان يولد ومعه الخطيئة، التي ورثها من أبيه آدم عليه السلام، عندما عصى ربه وأكل من الشجرة التي نهاه عنها، وعليه أن يكفر عن هذه الخطيئة، وقد جاء التكفير بأن عرّض الله ابنه وهو المسيح عليه السلام للصلب والقتل، من أجل أن يحرر بني آدم من وزر هذه الخطيئة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

الثانية: أن الدنيا دنس، وأن كل ما فيها من أموال وقصور ومقتنيات دنس، وأن الآخرة هي المقدس، وهي القيمة الوحيدة التي يجب أن يوجه العبد قلبه وهمته إليها، ليصبح في ملكوت الله.

الثالثة: أن الشهوات دنس بكل أنواعها من نساء وزواج وطعام وشراب دنس إلخ…، وقد اعتبرت النصرانية أن المرأة ينبوع المعاصي وأصل السيئة والفجور. وبحسبها أنها امرأة كانت للرجل باباً من أبواب جهنم، وقد قال ترتوليان أحد أقطاب النصرانية الأول مبيناً نظرية النصرانية في المرأة: “إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الملعونة ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الله أي: الرجل”، وقال [خريسوستوم فم الذهب] الذي يعد من كبار أولياء النصرانية في شأن المرأة: “هي شر لابد منه”.

واعتبرت النصرانية أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نجساً في نفسها، يجب أن تُتجنب، ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمي مشروع، ولذلك أصبحت حياة العزوبة مقياساً لسمو الأخلاق وعلو شأنها كما صارت الحياة العائلية علماً على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع. وجعلوا يعدون العزوبة وتجنب الزواج من أمارات التقوى والورع ومكارم الأخلاق، وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلاً.

الرابعة: اعتبرت النصرانية الجسد دنساً وهو الذي يسجن الروح، لذلك يجب تعذيبه وقتله من أجل أن تنطلق الروح.

وجهت النصرانية -بناء على الأفكار السابقة- أتباعها نحو عدة تصرفات:

أولها: الدعوة إلى الرهبانية، فاعتبرتها الوسيلة الأساسية للتخلص من أدران الدنيا والشهوات، لذلك انتشرت أديرة الرهبان في أوروبا بشكل واسع في العصور الوسطى.

وثانيها: تعذيب الجسد من أجل إطلاق الروح وتخليصها من محاصرة الجسد، ويكون التعذيب بطرق متعددة، منها: الجوع، عدم النوم، حمل الأثقال، عدم الاغتسال، اعتزال الناس لفترة طويلة إلخ…

من الجلي أن الإنسان الأوروبي كانت تلاحقه مفاهيم الخطيئة في العصور الوسطى، وكانت تحكمه ثنائية “المقدس والمدنّس”، وكان المجتمع ينظر إلى أن الدنيا والمرأة والجسد والجنس والشهوات كلها مدنس، وكان ينظر إلى الآخرة والروح وحياة الرهبنة وقتل الجسد هي المقدس، فماذا كانت نتيجة ذلك الموقف المنافي للفطرة في التعامل مع كل تلك الأمور؟ كانت النتيجة قيام الثورة على تلك القيم والمفاهيم المخالفة للفطرة عن طريق الثورة الفرنسية، ولم يتوقف الموقف عند الثورة عليها، بل تعداه إلى التجرؤ على الدين وطرده من حياة الناس ومحاصرته في الأديرة، واعتباره معادياً للعقل، ومرادفاً للخرافة والأوهام. والسؤال الأهم: هل عادت المجتمعات الأوروبية إلى الفطرة في ثورتها؟ لا للأسف  بل إنها انتقلت من الانحراف السابق القائم على ثنائية “المقدس والمدنس” إلى انحراف آخر: هو “تدنيس المقدس، وتقديس المدنس”، أما “تدنيس المقدس” فيعني ترذيل وتسفيه وتسفيل كل ما يتعلق بالمقدسات من مثل الله والآخرة والروح والقيم الدينية إلخ…، أما “تقديس المدنس” فيعني إعلاء وتعظيم وتزيين كل ما يتعلق بالمدنسات: من مثل الدنيا والجسد والمرأة والشهوات إلخ… وسأوضح ذلك في المنظومتين الأيديولوجيتين اللتين سادتا في القرن العشرين وهما: الشيوعية والرأسمالية، وفي أكبر كتلتين سياسيتين هما: الاتحاد السوفياتي والعالم الحر.

لقد جسد الاتحاد السوفييتي الشيوعي ثنائية الأزمة التي انتهت إليها أوروبا وهو “تدنيس المقدس وتقديس المدنس” خير تجسيد ، فأصبح الإلحاد هو الأصل الذي يقوم عليه، وأصبح يعلن أن الدين خرافة وأوهام، وأنه أفيون الشعوب، وأنه ليس هناك عالم غيب، وأن الملائكة والشياطين والجنة والنار أوهام من اختراع الأغنياء لاستغلال الفقراء… إلخ. ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات البشرية لم تعرف مجتمعاً قام على الإلحاد، صحيح أنها عرفت بعض الملحدين، لكنها لم تعرف مجتمعاً خالياً من الإقرار بوجود إله، بغض النظر عمن هو الإله، فقد يكون كوكباً أو شجرة أو شخصاً أو جبلاً… إلخ. ولم تعرف مجتمعاً خالياً من دور العبادة، وربما كان المجتمع الأول الذي قام على الإلحاد في التاريخ هو المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وهذا تعبير صارخ عن الشق الأول من الثنائية وهو “تدنيس المقدس” أن يصل مجتمع إلى هذا الوضع من الإلحاد والتنكر لركن أساسي وكبير من أسس الفطرة وهو ركن (التعبد).

أما في مجال “تقديس المدنس” وهي الدنيا والمرأة والشهوات إلخ…، فإن الشيوعية قد اعتبرت أن الحياة مادة وليس وراء المادة شيء، واعتبرت على لسان «إنجلز» أن ستر العورة طريقة صريحة لامتلاك النساء، واعتبرت كذلك أن ولادة الحجاب جاءت مترافقة مع ولادة الملكية الفردية، لذلك سينتهي الحجاب عند انتهاء الملكية الفردية، وستعود العلاقات الجنسية مشاعة كما كانت في المجتمع القديم: كل النساء لكل الرجال.

فإنه يقوم على نفس الأسس المادية التي يقوم عليها المعسكر الشيوعي في مجال “تدنيس المقدس”، فهو  يتنكر للغيوب من: إله وملائكة وآخرة وروح إلخ..، ويستهزئ بها، ويرذّل الإيمان بها، ويسفّل كل القيم المتعلقة بها ويعدَّها خرافة وأوهاماً وشعوذة إلخ.. أما في مجال (تقديس المدنس) فإن هذا المعسكر يعلي ويعظّم  بل ويؤلّه كل مفردات المدنس من: الدنيا والجسد والمرأة والشهوة إلخ..، ومما يؤكد ذلك حجم الإنفاق على الجنس في الإنترنت، والصورة التي تستغل بها المرأة في الدعاية والإعلان، وحجم العري الذي يسود المجتمع الغربي، والتشريع للشذوذ الجنسي بشقيه: اللواط والسحاق، وقبوله حتى في الكنائس.

من الواضح أن الغرب كان يعيش في القرون الوسطى على ثنائية “المقدس والمدنس”، وكانت مفردات المدنس واسعة وتشمل الدنيا والجسد والزواج والمرأة والشهوات إلخ.. لذلك انفجرت أوروبا وثارت لأن هذه الثنائية ترذّل وتدنّس وتسفّل كثيراً من الأمور الفطرية التي لابد للإنسان أن يعطيها حقها، ولكن أوروبا -عندما ثارت- لم تحل تلك الأزمة بشكل سوي، ولم تأخذ الفطرة وضعها الصحيح، بل إنها انتقلت من أزمة إلى أخرى، وانتقلت من ثنائية خاطئة إلى أخرى أكثر خطأ، وانتقلت من ثنائية “المقدس والمدنس” إلى ثنائية “تدنيس المقدس وتقديس المدنس”، ومما يؤكد ما نقوله هو الانفجار الذي شهده الاتحاد السوفييتي عام 1990، وانتهى بإزاحة الشيوعية لأنها تقوم على أسس معادية للفطرة، وهو ما نتوقعه للمعسكر الرأسمالي، لأن انتصارالفطرة أمر حتمي.

والآن بعد أن رأينا المفاهيم التي قامت عليها اليهودية والنصرانية في مجال المقدس والمدنس، فما موقف الإسلام من الدنيا والجسد والمرأة والشهوات إلخ..؟ جاءت تعاليم الإسلام ملبية للفطرة، وجاءت مفاهيمه مخالفة لكل المفاهيم السابقة في مجال الدنيا والجسد والنجاسة إلخ…، ونحن سنستعرض هذه المفاهيم واحداً تلو الآخر، وهي:

1- عدَّ الإسلام أن الدنيا هدف في حد ذاتها، وطلب أن يسأل العبد ربَّه أن يؤتيه الحسنات فيها فقال الله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

2- عدَّ الإسلام إعمار الأرض هدفاً من أهداف خلق الإنسان، فقال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل”. (رواه أحمد)

 3- وعدَّ الإسلام الجسد قيمة؛ لذلك قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

لذلك رفض الإسلام أية صورة من صور تعذيب الجسد التي كانت موجودة في الأديان السابقة، واتضح ذلك في بعض أحاديثه عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبوإسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه” (رواه البخاري)

وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد  فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا الحبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد». (متفق عليه).

وجاء في حديث ثالث في رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً،  فلا أنام وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (رواه البخاري)

4- عدَّ الإسلام قضاء الشهوات عبادة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه: “في بضع أحدكم صدقة”، قالوا: يا رسول الله. أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر فيها؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». (رواه مسلم).

5- وعدَّ الإسلام المؤمن لا ينجس فقد ذكر أبو هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، فانخنس فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» فقال: كنت جنباً، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس» (ورواه الجماعة).

6- لا يعدُّ الإسلام الحائض نجسة لذلك أباح مؤاكلتها ومجالستها والاجتماع معها في البيوت، لحديث أنس أن البهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْـمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْـمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “اصنعوا كل شيء إلا النكاح” (رواه الجماعة إلا البخاري).

ماذا كانت نتيجة تلك التعاليم الموافقة للفطرة؟ كانت نتيجة ذلك أمرين:

الأول: إعمار شامل وواسع لكل مجالات المجتمع في شؤون الاقتصاد والزراعة والثقافة والتربية والفنون والعلوم إلخ.. وهو إعمار لم تعرفه أية حضارة أخرى بهذا الشمول والاتساع.

الثاني: لم تعرف الأمة الإسلامية أزمة وجود كما عرفتها أوروبا نتيجة التصادم مع الفطرة مرتين، الأولى: في العصور الوسطى، والتي فجرت الثورة الفرنسية، والثانية: في العصور الحديثة والتي فجرت الاتحاد السوفييتي، بل عرفت الأمة الإسلامية أمراض وجود، وهو ما يمكن أن تعالجها من خلال مرجعيتها الإسلامية، على خلاف المسألة الأولى، وهي أزمة الوجود في الحضارة الغربية التي يقتضي علاجها بإيجاد حل لها من خارج مرجعيتها الثقافية.

 الخلاصة: احتل مفهوما “المقدس والمدنس” في الأديان السابقة على الإسلام من نصرانية ويهودية وغيرهما مساحة واسعة، وعدَّت تلك الأديان كثيراً من الأمور الفطرية دنساً مثل الدنيا والمرأة والشهوة إلخ…، كما وعدَّت المقدس فقط هو الله والآخرة والروح إلخ…، مما جعل أوروبا تثور على هذه الثنائية في القرن الثامن عشر، لكنها لم تصحح هذا الخطأ الفطري، بل انتقلت أوروبا إلى ثنائية أخرى لا تقل خطأً عن السابقة وقامت على “تدنيس المقدس وتقديس المدنس”، أما الإسلام فقد نجا من تلك الانحرافات، واعترف بفطرية الشهوات والجنس والمرأة إلخ…، لذلك أنشأ حضارة شاملة واسعة لم تعرفها البشرية في أية حضارة أخرى من جهة، ولم تعرف الأمة الإسلامية أزمة وجود كما عرفها الغرب بل عرفت أمراض وجود كانت تعالجها من خلال مرجعيتها الثقافية، وهي: الإسلام.

المقال من مجلة البيان المقدس والمدنس بين الإسلام والنصرانية

ظهرت المقالة المقدس والمدنس بين الإسلام والنصرانية أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/feed/ 0 784
الحضارة الغربية بين المقدس والمدنس https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/ https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/#respond Sun, 10 Oct 2010 02:22:00 +0000 https://al-ommah.com/?p=1658 لعبت الكنيسة دوراً مميزاً في أوروبا في العصور الوسطى، كما لعبت مبادئ المسيحية دوراً فاعلاً في التأثير في المجتمع الأوروبي، وأبرز المبادئ التي دعت إليها الكنيسة، ووجهت الشعوب الأوروبية إليها هي ثنائية المقدس والمدنس. فاعتبرت الكنيسة أن الشهوات والجسد والدنيا أمور مدنسة يجب الترفع والابتعاد عنها، واعتبرت كل ما يتصل […]

ظهرت المقالة الحضارة الغربية بين المقدس والمدنس أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
لعبت الكنيسة دوراً مميزاً في أوروبا في العصور الوسطى، كما لعبت مبادئ المسيحية دوراً فاعلاً في التأثير في المجتمع الأوروبي، وأبرز المبادئ التي دعت إليها الكنيسة، ووجهت الشعوب الأوروبية إليها هي ثنائية المقدس والمدنس.

فاعتبرت الكنيسة أن الشهوات والجسد والدنيا أمور مدنسة يجب الترفع والابتعاد عنها، واعتبرت كل ما يتصل بالله والروح والآخرة مقدساً يجب التوجه إليه والحرص عليه والقيام به، واعتبرت الرهبنة هي الجسر الذي يجب أن يسير عليه المسيحي لينتقل من المدنس إلى المقدس، واعتبرت تعذيب الجسد وقتل الشهوات ونبذ الدنيا هو الطريق الذي يجب أن يمشي عليه المسيحي من أجل أن يحرر جسده، لذلك ازدهرت الأديرة التي ترعى الرهبان الذين يتركون عالم الدنيا، وازدهرت الممارسات التي تعذب الجسد من أجل الخلاص الروحي: كحمل الأثقال والجوع واعتزال الناس… إلخ.

ليس من شك بأن المبادئ التي قامت عليها الكنيسة معادية للفطرة لأن الله لم يخلق تلك الشهوات عبثاً، لذلك شهدت أوروبا أزمة حضارية، ومما زاد في استفحال تلك الأزمة تدخل رجال الكنيسة في شؤون العلم والعلماء، والقول بأقوال مجانبة للحقائق العلمية، واضطهاد العلماء الذين قالوا بالصواب وتعذيبهم وقتلهم في بعض الأحيان.

لذلك انفجرت جماهير أوروبا وعبرت عن غضبها على الكنيسة ومبادئها ورجالها في الثورة الفرنسية عام 1789، لكن تلك الثورة لم تحل الأزمة الحضارية التي كانت تعيشها أوروبا، بل انتقلت أوروبا من وضع خاطئ إلى وضع خاطئ، وانتقلت من أزمة إلى أخرى، والسبب في ذلك أن أوروبا لم تعد حقائق الجسد والشهوات والدنيا والمرأة، إلى دائرتها الصحيحة، فتصبح حاجات أساسية وطبيعية يجب إعطاؤها حقها من الإشباع والإرواء لأن هذا هو الهدف من خلقها، بل غالت في ذلك نتيجة الأزمة السابقة وقدستها وحولتها إلى مصاف التأليه.

وكذلك لم تعد حقائق الدين والعبادة والإيمان بالله والآخرة إلى دائرتها الصحيحة، وإلى الاعتراف بفطرية وجودها في كيان الإنسان، بل أصبحت -نتيجة الأزمة السابقة- في دائرة الاتهام، وأصبحت توصف تلك الحقائق بأنها خرافة وأوهام، وأن علينا إنكارها وأن علينا الإيمان بكل ما هو محسوس فقط.

انتقلت أوروبا من أزمة كانت تعيشها وهي ثنائية المقدس والمدنس إلى أزمة أخرى بدأت تعيشها وهي: تدنيس المقدس، وتقديس المدنس. وسأوضح ذلك في المنظومتين الأيديولوجيتين اللتين سادتا في القرن العشرين وهما: الشيوعية والرأسمالية، وفي أكبر كتلتين سياسيتين هما: الاتحاد السوفياتي والعالم الحر.

لقد جسد الاتحاد السوفياتي الشق الأول من ثنائية الأزمة، وهو: تدنيس المقدس خير تجسيد، فأصبح الإلحاد هو الأصل الذي يقوم عليه، وأصبح يعلن أن الدين خرافة وأوهام، وأنه أفيون الشعوب، وأنه ليس هناك عالم غيب، وأن الملائكة والشياطين والجنة والنار أوهام من اختراع الأغنياء لاستغلال الفقراء… إلخ. ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات البشرية لم تعرف مجتمعاً قام على الإلحاد، صحيح أنها عرفت بعض الملحدين، لكنها لم تعرف مجتمعاً خالياً من الإقرار بوجود إله، بغض النظر عمن هو الإله، فقد يكون كوكباً أو شجرة أو شخصاً أو جبلاً… إلخ. ولم تعرف مجتمعاً خالياً من دور العبادة، وربما كان المجتمع الأول الذي قام على الإلحاد في التاريخ هو المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، هذا في مجال تدنيس المقدس.

أما في مجال تقديس المدنس وهي الدنيا والمرأة والشهوات، فإن أيديولوجيا الاتحاد السوفياتي وهي الشيوعية فقد كانت تقوم على أن المادة هي الأصل في الحياة، وعلى أن تطور وسائل الإنتاج هو الذي يصنع القيم والأخلاق والمثل… إلخ. واعتبرت الاشتراكية على لسان إنجلز ستر العورة طريقة صريحة لامتلاك النساء، واعتبرت كذلك أن ولادة الحجاب جاءت مترافقة مع ولادة الملكية الفردية، لذلك سينتهي الحجاب عند انتهاء الملكية الفردية، وستعود العلاقات الجنسية مشاعة كما كانت في المجتمع القديم: كل النساء لكل الرجال.

فماذا كانت نتيجة هذه الأزمة التي عاشها الاتحاد السوفياتي؟ كانت الانفجار الذي أدى إلى سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه عام 1990 وإلغاء الشيوعية بسبب معاداة الفطرة التي كان يقوم عليها الوجود الشيوعي، لأنه في حال أي تصادم مع الفطرة، فلابد من أن تنتصر الفطرة في النهاية، ويؤكد ذلك أنه بعد عدة سنوات قليلة من انهيار الاتحاد السوفياتي أعلن 30% من الشباب الروسي تحت سن الخامسة والعشرين أنهم تحولوا من الإلحاد إلى الإيمان، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي زاد عدد الكنائس العاملة في منطقة موسكو خمسة أضعاف، أما في آسيا الوسطى ففي غضون خمس سنوات فقط من حقبة التسعينيات زاد عدد المساجد فيها من 160 مسجداً إلى عشرة آلاف مسجد.

“”
المعسكر الرأسمالي يعد أوضح مثال على الشق الثاني من ثنائية أزمة الحضارة الغربية وهو (تقديس المدنس) إذ إن الشهوات والمرأة والجسد واللذة والمنفعة والاستهلاك هي العناوين الرئيسة التي أصبحت في مصاف التقديس والألوهية
“”

أما المعسكر الرأسمالي فإنه مثال أوضح على الشق الثاني من ثنائية أزمة الحضارة الغربية وهو (تقديس المدنس) بمعنى أن الشهوات والمرأة والجسد واللذة والمنفعة والاستهلاك… إلخ، هي العناوين الرئيسة التي أصبحت في مصاف التقديس والألوهية، والتي أصبحت تحكم المجتمع الرأسمالي، ومما يؤكد ذلك حجم الإنفاق على الجنس في الإنترنت، والصورة التي تستغل بها المرأة في الدعاية والإعلان، وحجم العري الذي يسود المجتمع، والتشريع للشذوذ الجنسي بشقيه: اللواط والسحاق، وقبوله حتى في الكنائس.

ومن الجدير بالذكر أن الاستغراق في الشهوات وتأليه اللذة، وتعظيم المنفعة يزداد استفحالاً مع مرور الزمن ويعمق الأزمة التي يعيشها المجتمع الرأسمالي، وقد رصد ذلك التطور الدكتور عبد الوهاب المسيري فبين أن الحضارة الغربية أفرزت العلمانية الجزئية بعد ممارسات الكنيسة الخاطئة في العصور الوسطى، وقد كانت تعني العلمانية الجزئية فصل الدين عن الدولة، لكن حدثت تحولات تاريخية حوّلت العلمانية الجزئية إلى علمانية شاملة أودت بالإنسان كمقولة مستقلة عن عالم الطبيعة.

وبدأت هذه العملية بانفصال المجال الاقتصادي عن القيم الأخلاقية والدينية والإنسانية، وأصبح يحكم على عالم الاقتصاد بمقدار ما يحققه من الأهداف الاقتصادية بغض النظر عن أية قيمة دينية وأخلاقية وإنسانية، ثم شملت عملية الانفصال بقية المجالات الحياتية: السياسة والعلم والجسد… إلخ، فيحكم على نجاح العلم أو فشله بمقدار ما يحقق من أهداف علمية محضة مثل مراكمة المعلومات وإجراء التجارب الناجحة، بعيداً عن أية قيم أخلاقية وإنسانية ودينية، ويتحرر الجنس من سائر المعايير والقيم ليستمد معياريته من ذاته، ويحكم على مقدار نجاحه أو فشله بمقدار ما يحققه من أهداف جنسية محضة مثل اللذة، خارج أي نطاق اجتماعي أو أخلاقي.

إذن انتهت العلمانية الشاملة لا لتفصل الدين عن الدولة فقط، وإنما لتفصل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية جميعها عن الدولة وعن جوانب الحياة العامة والخاصة كافة، أي أنها تفصل سائر القيم عن الطبيعة والإنسان وتنـزع عنهما أية قداسة، فكلاهما مكتف بذاته، ومرجعية لذاته.

وقد تبلورت العلمانية الشاملة في الفلسفة الداروينية الاجتماعية التي تذهب إلى أنّ العالم مادة واحدة صدر عنها كل شيء، وهذه المادة خالية من الغرض والهدف والغاية ولا توجد داخلها مطلقات متجاوزة من أي نوع، ويرد كل شيء إلى المادة، ويفسر كل شيء بالتطور المادي.

وليس الإنسان إلا جزءاً من هذه الطبيعة والمادة وقد صدر عنهما من خلال عملية التطور، ويحكم القانون الطبيعي الإنسان والأشياء، ومن ثم فإنّ الأخلاق الدينية التي تدعو إلى حماية الأضعف تقف ضد التقدم العقلاني المادي، وهذا يعني أنّ كل الأمور نسبية ولا توجد مطلقات، لذلك فإنّ النظرية الداروينية تعتبر الأساس العلمي للفكر النسبي.

ومن البديهي القول إنّ الداروينية تفترض عدم وجود مخطط إلهي وراء الكون إلا أنها تفترض وجود غاية طبيعية هو التطور وأنّ البقاء هي القيمة الوحيدة التي تعترف بها، والصراع هو الآلية التي تقر بها، لذلك فالعالم هو ساحة قتال من الذئاب البشرية، ولا توجد قيمة مطلقة لأي شيء، إذ إنّ ما يحدد القيمة هو القدرة على الصراع والبقاء.

إن الكلام السابق بين عمق الأزمة التي يعيشها المعسكر الرأسمالي، والتي تحتم انتصار الفطرة في النهاية كما انتصرت في المعسكر الشيوعي، ومما يؤكد ذلك تحذير بعض قيادات ومفكري الحضارة الغربية الناس من الهاوية التي ينحدرون فيها وأبرز أولئك جيمي كارتر الرئيس  الأسبق للولايات المتحدة الأميركية والذي أصدر كتاباً في عام 2005، يحمل عنوان: “”قيمنا المهددة: أزمة أميركا الأخلاقية”” ويؤكد ذلك بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق في أميركا والذي أصدر عدة كتب في هذا الاتجاه، ولكن العامل الإيجابي الذي يعطي المعسكر الرأسمالي القوة والاستمرارية، هو: التجريب الذي ولد هذه التقنيات المتعددة من قطار وسيارة وطائرة وذرة وصاروخ وكمبيوتر… إلخ، وقد انعكست هذه التقنيات بالإيجابية على مختلف مجالات الحياة: من طب وزراعة وصناعة وفضاء وفلك… إلخ. وأصل التجريب مأخوذ من حضارتنا إذ نقله فرانسيس بيكون من الأندلس.

الخلاصة

انتقلت الحضارة الغربية من أزمة إلى أخرى، فبعد أن كانت أوروبا تعيش أزمة ثنائية المقدس والمدنس في العصور الوسطى، أصبح الغرب يعيش أزمة حضارية في العصور الحديثة تقوم على تقديس المدنس وتدنيس المقدس، لذلك نقول لدعاة الحضارة الغربية ومروجيها عندنا، والذين يريدون منا أن نأخذ الحضارة بكل ما فيها من حلو ومر، وصواب وخطأ، نقول لهم: رفقاً بنا فإنها حضارة مأزومة، وعلينا أن نعي ذلك أولاً، ونأخذ ما هو بعيد عن أزمتها من جهة، ويجب أن يكون لنا دور في حل هذه الأزمة بما نملك من معطيات حضارية إلهية من جهة ثانية.

ظهرت المقالة الحضارة الغربية بين المقدس والمدنس أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b6%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%af%d8%b3-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d9%86%d8%b3/feed/ 0 1658
حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء السادس) https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3/ https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3/#respond Thu, 19 Mar 2009 11:24:28 +0000 http://onlinedawa.org/alommah/?p=281 رجاء الله تعالى: الإنسان قوي الرجاء، يرجو إرواء شهوته، ويرجو الاستمرار في ذلك؛ وقد يرجو الأسباب في بعض الأحيان، والأشخاص في أحيان أخرى، لكنّ الله يريد من الإنسان أن يتجه إليه برجائه لأنه المالك والقادر والمعطي والوهّاب والقوي والعليم بحاجات العبد، وقد أثنت آية على المسلم الذي يتجه برجائه إلى […]

ظهرت المقالة حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء السادس) أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
رجاء الله تعالى:

الإنسان قوي الرجاء، يرجو إرواء شهوته، ويرجو الاستمرار في ذلك؛ وقد يرجو الأسباب في بعض الأحيان، والأشخاص في أحيان أخرى، لكنّ الله يريد من الإنسان أن يتجه إليه برجائه لأنه المالك والقادر والمعطي والوهّاب والقوي والعليم بحاجات العبد،

وقد أثنت آية على المسلم الذي يتجه برجائه إلى ربه ووصفته بالعلم قال تعالى: “”أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ”” (الزمر،9)، وقد طلب الله من المؤمن أن يوجّه رجاءه إلى نعيم الله في اليوم الآخر قال تعالى: “”قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً”” (الكهف،110).

        المؤمن قوي الرجاء في الله تعالى وقد أثنى بهذه الصفة على صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: “”وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً”” (النساء،104).

        وقد وصف الله تعالى الكافرين بأنهم لا يرجون لقاء الله قال تعالى: “”إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ”” (يونس،7-8)، وقد وصف الله المؤمنين بأنهم يرجون رحمة الله فقال تعالى: “”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”” (البقرة،218).

        واعتبرت آيات  في سورة الأحزاب أنّ رجاء الله ورجاء الجنّة في اليوم الآخر هما العنصران اللذان يؤهّلان العبد للإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: “”لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً”” (الأحزاب،21).

ظهرت المقالة حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء السادس) أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3/feed/ 0 281
حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء الخامس) https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3/ https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3/#respond Wed, 18 Mar 2009 11:22:23 +0000 http://onlinedawa.org/alommah/?p=279 خوف الله تعالى: الإنسان مفطور على شدّة الخوف والفزع قال تعالى: “” إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً”” (المعارج،19-20). فهو يخاف على ماله، ويخاف على صحته، ويخاف على ولده، ويخاف المستقبل، ويخاف المجهول. وقد طلب الله من المسلم أن يخافه وحده وهو من أبرز مظاهر تأليه الله […]

ظهرت المقالة حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء الخامس) أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
خوف الله تعالى:
الإنسان مفطور على شدّة الخوف والفزع قال تعالى: “” إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً”” (المعارج،19-20). فهو يخاف على ماله، ويخاف على صحته، ويخاف على ولده، ويخاف المستقبل، ويخاف المجهول.

وقد طلب الله من المسلم أن يخافه وحده وهو من أبرز مظاهر تأليه الله تعالى: “”وقال الله لا تتخذوا إلهين إثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون”” (النحل،51)، واعتبر الجنة ثمرة الخوف من الله تعالى: “”وأمّا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فإن الجنة هي المأوى”” (النازعات،40-41)، “”ولمن خاف مقام ربه جنتان”” (الرحمن،46).

        وقد اشترط الله تعالى على المؤمنين أن يخافوه وحده تعالى من أجل تمكينهم في الأرض فقال تعالى: “”وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ”” (إبراهيم،13-14).

        وقد أثنى الله على المؤمنين الذين يخافون اليوم الآخر فقال تعالى: “”إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً”” (الإنسان،10)، “”يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً”” (الإنسان،7).

        وقد وصفهم في آية أخرى بأنهم يدعون ربهم خوفاً من ناره قال تعالى: “”تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون”” (السجدة،16).

        وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفاً وطمعاً فقال تعالى: “”ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً”” (الأعراف،56).

ظهرت المقالة حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء الخامس) أولاً على منبر الأمة الإسلامية.

]]>
https://www.al-ommah.com/%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3/feed/ 0 279