جدل الحكم والسنة: قراءة في آراء العثماني ومناقشة التوبة لها

بسام ناصر في العدد الثامن والأربعون من مجلة الوسطية
خصص علماء أصول الفقه، قديمًا وحديثًا، كتبًا وأبوابًا مستقلة لبحث دلالات أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وتصرفاته، فأفعاله عليه الصلاة والسلام داخلة في تعريف السنة، التي تشمل بالإضافة إلى أفعاله أقواله وتقريراته حسب تعريف الأصوليين لها، ومن المقرر أن أفعاله وتصرفاته عليه الصلاة والسلام ليست على مستوى واحد من حيث الدلالة، وما يُبنى عليها من أحكام.
وفي سياق بيان أنواع تصرفاته عليه الصلاة والسلام، بيّن العلماء أنها إما أن تقع بوصفه مبلغًا عن ربه، أو بوصفه قاضيًا يفصل بين الصحابة في خصوماتهم، أو بوصفه إمامًا، تتم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة، فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكمًا عامًا على الثقلين إلى يوم القيامة، فإن كان مأمورًا به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح، وإن كان منهيًا عنه اجتنبته كل أحد بنفسه” كما يقرر ذلك الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه الفروق.
أما “ما تصرف فيه عليه السلام بوصف الإمامة، يتابع القرافي تقريره، فلا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداءً به عليه السلام، ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك، وما تصرف فيه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداءً به عليه السلام، ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه عليه السلام بوصف القضاء يقتضي ذلك، وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاث.
العثماني وتقسيم تصرفات النبي إلى تشريعية وغير تشريعية
في كتابه (الدين والسياسة.. تمييز لا فصل) استند الباحث في الفقه الإسلامي وأصوله، والطبيب النفسي، ورئيس الحكومة المغربية السابق، الدكتور سعد الدين العثماني إلى قواعد علماء أصول الفقه، وبالذات ما قرره الإمام القرافي في تقسيمه تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى “تصرفات تشريعية” وأخرى “تصرفات غير تشريعية”.
وهذا ما بحثه العثماني في مقالته الأولى، والتي تنطلق من فكرة التمييز بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم (الدينية) وتصرفاته (السياسية)، وهي الفكرة التي فصلها الفقيه الأصولي شهاب الدين القرافي في علماء القرن السابع الهجري، لكنها تعبر عن توجه لدى علماء الإسلام في القرون. انتقد العثماني تلك النظرة التي تتعامل مع التصرفات النبوية “على أنها من نوع واحد، وعلى وزن واحد، وعلى أنها كلها وحي يتبع مضيفًا وقد تبنى كثير من العلماء والأصوليين خطأ هذه النظرة ومعالجتها لطبيعة التصرفات النبوية، لذا نأمل أن الكثيرين قد قرروا تقسيمات لها مثل ابن قتيبة الدينوري في كتابه (تأويل مختلف الحديث)، والقاضي عياض في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، وإن القيم الجزئية في العديد من مؤلفاته.. لكن أكثرهم توسعًا في بيان الفرق بين أنواع التصرفات النبوية الأصولي شهاب الدين القرافي في كتبه ومؤلفاته.
ويتابع العثماني تقريره بالقول: “وبالاستفادة من مجموع تلك الجهود المتراكمة يمكن أن نقسم التصرفات النبوية إلى نوعين؛ تصرفات تشريعية، وهي التي يطلق عليها اصطلاحًا لفظ السنة، وتصرفات غير تشريعية لا تدخل في مسمى السنة. والتصرفات التشريعية هي ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من تصرفات بقصد الاتباع والاقتداء”. وقد فصل تلك الأنواع والأقسام، وأتى لها بأمثلة وشواهد عديدة.
أما تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام غير التشريعية، فهي، حسب العثماني، تصرفات لا يقصد بها الاقتداء والاتباع، لأنها من عموم الأمة، ولا من خصوص توجيهاته لصحابته؛ كالتصرفات الجبلية، والتصرفات العادية، والتصرفات الدنيوية، والتصرفات الإرشادية، وتصرفاته الخاصة به، واعتبارها لا تدخل تحت مسمى السنة.
التصرفات النبوية بالإمامة

أورد العثماني تعريف التصرفات النبوية بالإمامة بأنها: تصرفاته عليه الصلاة والسلام بوصفه رئيسًا للدولة، حيث يتوقف فيها على المصلحة، ويدرأ المفاسد، ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع، ويسميها بعض العلماء تصرفات بالسياسة الشرعية، أو تصرفات بالإمارة.
وذكر أن للتصرفات النبوية بالإمامة سمات، يمكن حصر أهمها في أربع سمات: تصرفات تشريعية خاصة، وتصرفات بالمصلحة العامة، وتصرفات اجتهادية، وتصرفات في أمور غير دينية، وقد أورد أمثلة وشواهد لكل نوع، وبين وجوه الدلالة فيها. وخلص إلى القول في التفريق بين ما كان من تصرفاته في الدين وبين ما كان منها للدنيا، قائلًا: “الدين ما عن وحي أو اجتهاد مؤيد بالوحي، والدنيا ما كان منه عن رأي واجتهاد محض.”
ووفقًا للعثماني، فإن أهمية التنصيص على ابتناء التصرفات النبوية بالإمامة على مصالح الدنيا أخرج لها من مسمى الدين بالمعنى الثاني (أي استعمال الدين في مقابل الدنيا)، ويستنتج منه ثلاث خلاصات مهمة: أنه دليل على وجود نوع من التمييز بين الدين والدنيا في الإسلام، وأنه يفيد في أن من مقاصد الإسلام إزالة أي نوع من القداسة عن الممارسة السياسية حتى لا يصير ذلك احتكارًا لها باسم الدين. ويفيد أيضًا في إدراك ضرورة تغير التصرفات النبوية بالإمامة في حال تغير المصالح التي ابتنيت عليها.
ورأى العثماني أن الوعي بالتصرفات النبوية بالإمامة يوفر أساسًا منهجيًا هامًا وصلبًا للعديد من القضايا المطروحة في الفكر السياسي الإسلامي، من مثل مفهوم الدولة الإسلامية، وهل الدولة الإسلامية دولة مدنية، وليست دولة دينية بالمعنى المتعارف عليه في الفكر السياسي الغربي، فطبيعة التصرفات النبوية بالإمامة وسماتها توضح كيف أن الإسلام ينزع كل عصمة أو قداسة عن ممارسات الحكام وقراراتهم، وينزعها عن الوسائل التي تتوسل بها الدولة لإدارة شؤون الأمة.
مناقشات واعتراضات
أثارت آراء العثماني التي عرضها في كتابه (الدين والسياسة.. تمييز لا فصل) جدلًا واسعًا، وقوبلت باعتراضات شديدة، وجرى حولها مناقشات وحوارات عديدة، في مقال منشور على موقع (الدرر السنية)، اعتبر كاتبه أن أخطر ما في الكتاب أنه يجسر الهوة بين الإسلام والعلمانية، ويفتح الباب لخلع الطابع الروحي عن الدولة السياسية بعد تشويه مفهوم الدين، وفي المناقشات والاعتراضات على ما كتبه الباحث الإسلامي، الدكتور غازي التوبة، وقد جمعها وضمنها كتابه (آراء العثماني في السنة والحكم: تحليل وتقويم)، صدرت طبعته الأولى عام 2010.
في تقييمه العام لكتاب العثماني (الدين والسياسة.. لا فصل، تمييز لا الفصل) رأى التوبة بأنه من أخطر الكتب في الفترة المعاصرة، لأن الكتاب تناول فيه قضيتين هما: قضية السنة، وقضية الحكم، وطرح فيه آراء خاطئة، تهم جوانب من قضية السنة والحكم.
تتبع التوبة في مراجعته للكتاب واعترضه على ما جاء في بحوثه وتقريراته، تقسيم العثماني لتصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تصرفات تشريعية، وأخرى غير تشريعية، واستناده في ذلك إلى كلام القرافي في ذلك التقسيم، فاعترض التوبة بأن القرافي قسم تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ثلاثة أقسام: تصرفات بالتبليغ، وتصرفات بالقضاء، وتصرفات بالإمامة، ولم يرد في كلامه تقسيم تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تصرفات تشريعية، وأخرى غير تشريعية كما فعل العثماني.
كما اعترض التوبة على إدراج العثماني لكل تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام الجبلية، والعادية، والدنيوية، والإرشادية، تحت عنوان “التصرفات غير التشريعية”، وهو بهذا، وفق التوبة، هدم كل ما قام به مدونو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كالإمام البخاري ومسلم وأحمد، ومالك، وأبي داود، والنسائي، والترمذي… من أجل أن نقتدي ونتأسى بها.
وذكر التوبة أنه يدققه في بعض الأحاديث التي استشهد بها العثماني من أجل أن يبين أنها غير تشريعية، وقد دلَّ من نقل عنهم خالفوه، وبينوا أن هذه الأحاديث إنما هي للإرشاد لكنها تبقى في حكم الندب، ومنهم الإمام النووي وغيره، وقد أورد أمثلة وشواهد على ذلك في كتابه.
الحكم والدولة الإسلامية بين التاريخية ومطلق الاقتداء

ولفت إلى أن “الأصوليين اعتبروا (المباح) قسمًا من أقسام الفعل التكليفي، لذلك فقد اعتبروا التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد نص بالأمر أو النهي يبقى ضمن العمل المشروع، كما أن أفعال عبد الله بن عمر في تحري كثير من أفعال الرسول والتأسي بها مع أنه لم يأمر من الرسول عليه الصلاة والسلام بها.
وانتقد التوبة اعتبار العثماني تصرفات الرسول بالإمامة ليست ملزمة للاقتداء، لأن ما فعله العثماني من أن تصرفات الرسول بالإمامة ليست شرعاً ملزماً للأمة إلى يوم القيامة، بالخلط والبعيد عن الصواب، كما انتقده في قوله: “إن تشريعات الرسول وقراراته في مجال الحكم تحمل الطابع البشري، وإن مفعولها انتهى بوفاته صلى الله عليه وسلم”.
واعترض على إطلاق صفة النسبية على فترة قيادة الرسول لدولة المدينة، وكذلك “صفة التاريخية” على فترة حكم الخلفاء الراشدين؛ لأن بذلك ينتهي أي ارتباط لنا بتلك الفترتين بوصفها أحكاماً خاصة بتلك الفترة التاريخية، فنحن مأمورون من الله بتطبيق هدي ظهر الرسول والخلفاء الراشدين من بعده، والاقتداء بتلك الفترتين، والأخذ منهما، والنسج على منوالهما، وقد أخطأ العثماني في هذا فخلط كل ما كتبته الفقهاء، ومدونة السياسة الشرعية، والأحكام السلطانية وفق التوبة.
وعن توصيف العثماني للدولة الإسلامية بأنها دولة مدنية، رأى التوبة أن العثماني وقع في أخطاء كثيرة في إطلاق على الدولة الإسلامية وصف دولة مدنية، دون تفكيك المصطلح الذي يحوي أشياء لا تتفق مع الدولة الإسلامية، ولا يقرها بحال من الأحوال، كما انتقد رأي العثماني في “وثيقة المدينة” والتي اعتبرها تؤسس لمفهوم “المواطنة” الغربي، نافياً أن تكون كذلك، وإنما تؤسس لمفهوم العلاقات الدولية.
ووفقاً للتوبة فإن العثماني وقع في خطأين؛ فيما انتهى إليه في خلاصته التي دونها عن تجربتي الرسول عليه الصلاة والسلام (الخلافة الراشدين): الأولى: اعتباره أن وجود نظام سياسي في الإسلام ملزم لنا، والثانية: اعتباره النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام، موضحاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى عشر سنوات حاكماً وإماماً للدولة الإسلامية، وأقام هذا النظام السياسي بالوحي بصورة أقواله وأفعاله، وقد كان كل يسدد خطأه في كل مرحلة من مراحل بناء هذه الدولة منذ وصوله إلى المدينة إلى لحظة وفاته.
أما عن رأي العثماني في كون النظام الديمقراطي لا يتعارض مع الإسلام، فقد عدّ التوبة رأياً غير صحيح؛ لأننا عند تفكيك مصطلح الديمقراطية نجد أنها تقوم على محورين: مبادئ وآليات. والآليات مقبولة إذا لم تتعارض مع الإسلام، وأما المبادئ فكلها ليست من الإسلام؛ لأنها تصطدم مع نصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، كما أوضح ذلك وبينه في كتابه.
من جهته ذكر الأكاديمي والباحث المغربي المتخصص في العلوم الشرعية، الدكتور حمزة النهيري، في سياق تقييمه لأفكار العثماني وتفريقه بين الشريعة وغير تشريعها؛ علينا التمعن عند أداء حكم الوقوع في أسر الألفاظ والمصطلحات، خصوصاً إذا كانت جديدة، ولها ارتباطات وسياقات سياسية واجتماعية، فيدورون إلى ذهنها وردها محل نظر وفحص.
وتابع في ورقة بحثية بعنوان “نظرات في تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية” أن التفكير في هذا التقسيم الذي اقترحوه لا شك أنه يندرج في إطار الترويج للعلمانية ومحاولة إلباسها لباساً شرعياً، لأنه يشبه ما يزعمه أنصار المذهب الحرفي أو الظاهرية الجدد.
وخلص في ختام ورقته إلى جملة من النتائج كان من أبرزها: تداخل المفاهيم عند القائلين بهذا التقسيم، فالمحدثون في الأصل يروون كلهم السنة تشريعاً، سواء كانت من قبيل المباح أو من قبيل الواجب والمستحب، فالسنة كلها تشرع بالاعتبار الأعم الذي يشمل كل الأحكام الأخلاقية والتشريعية والاجتماعية، على أن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية يتنافى في نظره مع طريقة العلماء وقواعدهم في الإصلاح والنظر والسير والتقسيم.
وأوضح أن السنة التشريعية تُقصد عند القائلين بها، وتطلق على السنة الملزمة التي تجاوز المباح والمندوب إلى الوجوب، ما لم ترد قرينة تصرفها، ويمكن حصرها في السنة الواجبة التي تدل على الوجوب، مع ضرورة استحضار الخلاف الذي قد ينشأ في بعض السنن هل هي واجبة أم غير واجبة.
أما الأمور التي جرت من النبي عليه الصلاة والسلام والتي تخص عاداته التي نشأ عليها، مثل وقوفه ولباسه وطعامه ومعاشه، وما صدر عنه على جهة الخبرات العامة كأحكام الحروب والخطط العسكرية والصناعات والفلاحة، فليست شرعاً ولا تشريعاً.
ومن النتائج التي خلص النهيري إليها أنه يمكن تجاوز السنة النبوية إلى تشريعية وغير تشريعية مع أنها تقسيم اعتباري، ولا يقدح في ذلك أنه مشابه للفكر العلماني، وهذه ملاحظات لأهل الحديث المعاصرين على هذا التقسيم؛ لأن السنة النبوية لا تتبع إلا من مشكاة الوحي الذي جاء لمصالح العباد في كل مجالات حياتهم، والشريعة مستندة إلى الأخلاق في كل مجالات الحياة، حتى أحكام السياسة مروراً بأحكام المساجد، بل أن نصل إلى الأحكام الاجتماعية وما جرت به عادات الناس.